الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

اللجنة الدستورية، أداء إعلامي ضعيف، وفقدان للهدف والخبرة

 

02/11/2019

علاء الدين الخطيب

اجتماعات اللجنة الدستورية، حسب تسميتها إعلامياً، هي بعمقها اجتماعات لتأسيس وثيقة مصالحة وطنية، وخطوة أولى نظريا في طريق الحل في سوريا، حتى لو تم تسميتها دستوراً. فهذا الدستور بكل الأحوال سيكون دستوراً انتقالياً يخضع بعد سنة أو سنين من الاستقرار لإعادة النظر والتعديل في ظروف صحية ومستقرة نسبيا، لذلك فإن نقاشه يجب أن يتم من هذه الجهة، وليس فقط من باب أنه دستور يتم صياغته لدولة مستقرة موحدة تعاني بعض المشكل.

على ما يبدو أن أعضاء وفد المعارضة والثلث المدني، اعتقدوا أنهم هناك كديبلوماسيين فالتزموا بتقنيات الخطاب الديبلوماسي الغائم المُبْهَم المُبهرج بالعبارات العامة، والذي يتكلم كثيرا لكنه لا يقول شيئا. فمع الشكر لجهودهم ونواياهم الطيبة، إلا أنهم كما ظهر قد نسوا أن مهتهم هي المساهمة إن أمكن بفتح باب حل لهذه المأساة السورية. فالغالبية اتجهت لطروح عائمة قائمة على شعارات نظرية، حول وحدة سوريا شعباً وأرضاً، والديمقراطية، والمواطنة، وخروج الجيوش الأجنبية، ووضع المرأة، والمساواة، وقضية المعتقلين والأسرى؛ والتي تشكل مطالب أساسية طبعا للسوريين، لكنها بعناوينها العامة ليست قضايا خلافية. فهذا الكلام يقوله أيضا النظام الأسدي؛ بل حتى إنه يرحب بمناقشة سؤال إشكالي كسؤال الدولة علمانية أو ذات المرجعية الدينية، لأن هذه النظام كما هو واضح يريد كسب الوقت واستخدام اللجنة كغطاء.

لذلك لا بد من طرح أسئلة أساسية على السيدات والسادة المؤتمرين، خاصة من يُفترض أنهم يمثلون المعارضة والمجتمع المدني.

الأسئلة البديهية الأساسية الأولى التي يجب توجيهها لكل أعضاء الوفد المعارض والمدني:

  1. هل يحمّل كل منكم، أو كل مجموعة بينكم، نسخة مسودة مقترحة للدستور، مدروسة ومدققة مع خبراء قانونيين ودستوريين؟
  2. هل تبادلتم هذه النسخ بين بعضكم باعتباركم وفدا واحدا، وناقشتموها قبل الاجتماع بتفاصيلها، وخرجتم بصياغة أو صياغات معدودة؟
  3. هل وضعتم تفاصيل لما هو مُتوقَّع من النظام أن يطرحه، وأي ألغام سيضعها ضمن النصوص؟
  4. هل عرضتم هذه القراءات على الناس حتى من خلال صفحاتكم الشخصية على الفيسبوك؟
  5. هل ناقشتم أن روسيا والنظام سيحاولان حكما استخدام هذه المفاوضات لتغطية أفعال عدائية في المستقبل تضمن للنظام الأسدي فرض شروطه؟ فها نحن نرى الآن كيف يستغل أزمة التدخل التركي واجتماعات اللجنة في استهداف إدلب والإعداد بإصرار واضح لمهاجمتها.
  6. هل سألتم لماذا تم استبعاد مجلس سوريا الديمقراطي من التشاور حول اللجنة؟ -بغض النظر عن اتهامات البعض له بأنه مع النظام أو مع حزب العمال الكردي التركي- فهو قوة سياسية وعسكرية سورية، وبكل الأحوال هو مُصنف دوليا وعند النظام كجهة معارضة.

النقاط المنسية في كلمات المشاركين

أن يقول أحدهم أو إحداهن ما يلي من نقاط وبتركيز ليس شروطا مسبقة، وليس خروجا على المتفق عليه مسبقا، بل هو حقهم الديمقراطي الذي هم في جنيف لتأسيس دستور يحميه، فالمفاوضات بدأت ولا معنى لكلمة شروط مسبقة. فما نسيَه المتكلمات والمُتكلمون يتلخص بما يلي:

  1. التنديد بتصريحات رئيس النظام الأسدي، حول عدم اعترافه بمرجعية نتائج الاجتماعات، ووصفه للمشاركين من خارج الوفد الذي يدعمه بالعملاء، ورفضه لأي إلزام يخرج عن اللجنة، لإنه كما قال فإن حكومته ليست ممثلة قانونيا في الاجتماع. ومن يظنّ أن الأمم المتحدة ستغضب لإنه تجاهل قراراتها، فلا حول ولا قوة.
  2. الاعتراض على كلمة الكزبري التي وصفت وفد النظام بأنه وفد “مدعوم” من النظام، وليس “مُمثلا” للنظام. فمصطلح “وفد مدعوم” غير معروف بكل الأعراف الديبلوماسية، ويحمل معنى واحدا واضحا، يتفق مع تصريحات بشار الأسد الأخيرة، حول عدم التزامه بأي مخرجات من هذا الاجتماع.

    بغض النظر عن استهتار نظام الأسد باللجنة، والشكوك الكبرى حول سياسة روسيا، لنناقش الموضوع مفترضين جدية ما سينتج عن هذه اللجنة.

  3.  أهم نقاط الخلاف بين الوفدين، هي في البنود المتعلقة بشكل السلطة السياسية والإدارية والأمنية للبلد، وهي التي يجب التركيز عليها وخاصة المحددين التاليين:
  • تحديد فترة رئاسة الجمهورية بدورتين كحد أقصى، وبمفعول رجعي. بمعنى ألا يحق لبشار الأسد الترشح.
  • الجيش والأمن بكل تركيباتهم يخضعون للمراقبة ولسلطة البرلمان والحكومة، وللبرلمان حق التدخل عبر لجان مختصة بالأمن القومي في شؤون الجيش والأمن. أي التخلص تدريجيا من خطر عودة الحكم العسكري الأمني.
  1. ثاني أهم نقاط الخلاف هي في آليات وتفاصيل عملية الانتقال المفترضة كنتيجة، لأن هذا الدستور بالنهاية هو دستور انتقالي وليس دائما، وبالتالي يجب أن يتعامل مع بعض التفاصيل الآنية. وهذه تتمحور حول ما يلي:
  • ضمان استقرار الأمن ومنع انفجار العنف المسلّح يجب أن يتم من خلال الاستعانة بقوات دولية بإشراف الأمم المتحدة وليس أي جهة دولية أخرى، ومشاركة دول ذات حيادية نسبية من الوضع السوري، وبعدد وصلاحيات كافية، وبمدة زمنية لا تقل عن سنة.
  • لا يتم إجراء أي انتخابات قبل الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين بإشراف الأمم المتحدة، والإعلان عن مصير المختفين منهم؛ وبحال تعذر ذلك منح التحقيق في مصيرهم أولية.
  • لا بد من إشراف كامل للأمم المتحدة على أي عملية انتخابية داخل وخارج سوريا. وهذا طبعا لضرب تصريحات بشار الأسد الأخيرة التي تعني عمليا أنه يريد انتخابات مثل التي شهدتها سوريا خلال 49 سنة ماضية.
  • كل الاتفاقيات الدولية التي وقَّعها النظام الأسدي بعد 2011 لا تُعتبر ملزمة إلا بعد خضوعها للتصويت من قبل البرلمان المنتخب بعد نهاية المرحلة الانتقالية. وطبعا هذا يشمل أساسا اتفاقيات النظام مع روسيا وإيران.
  • كل القرارات الإدارية والقضائية التي نالت ممتلكات وأموال السوريين خارج البلد أو داخله لأهداف سياسية تخضع للمراجعة القانونية من قبل السلطة القضائية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
  • مع بدء المرحلة الانتقالية وانتشار قوات دولية بإشراف الأمم المتحدة، تصبح كل الجيوش الأجنبية بوضع غير قانوني، وكل المقاتلين الأجانب سيعاملون كمرتزقة أجانب وإرهابيين، ولا يستثنى من ذلك من دعاهم النظام الأسدي.
  1. التأكيد على أن الدستور ليس مجرد كتاب مطبوع، فكل دساتير سوريا نصّت على حماية المواطن وتحقيق المساواة، لكن ذلك لم يتحقق خلال الخمسين سنة الماضية، فالسؤال الأهم في الافتتاح كيف يمكن للدستور أن يساهم في ضمان ألا يتم اختراقه كما جرت العادة سابقا؟
  2. أيضا كان متوقعا من النظام أن يُغفل أهم وأخطر كارثة تواجه سوريا، وهي مشكلة الانشقاقات الشاقولية العميقة بين مكونات الشعب السوري، طائفيا ودينيا وقوميا وسياسيا وحتى مناطقيا وطبقيا. فالحريّ كان الكلام بوضوح عن ضرورة وضع أسس واضحة قوية لإطلاق عملية المصالحة الوطنية الشعبية بين مكونات الشعب السوري، وإجراءات إعادة بناء الثقة، وبوسائل علمية مدروسة، وليس بتجاهل المشكلة أو دفنها في نظريات المؤامرة مثل النظام. والتوجه لوضع ضوابط واضحة تمنع أي جهة كانت من التحريض على مكون كامل من مكونات الشعب السوري. فهل هي أبراج عاجية لمن يتقدمون الصفوف باسم مثقفين، أم ضيق بالرؤية، أم ما لا نعلم؟

 

قد يقول البعض، لكن هذه النقاط لا تكون عادة ضمن الدساتير، وربما تضرب الاجتماع كله؛ وهذا صحيح إلى حد ما؛ لكن بالحالة السورية الراهنة، ووفق ما يتم طرحه حول أن الحل السياسي يبدأ في التوافق على دستور، فهذا يعني كما أشرت بالمقدمة، إن على هذا الدستور، الذي يوازي وثيقة توافق وطني لإنقاذ الوطن السوري، أن يتضمن بنودا حاكمة لأي عملية انتقالية. كما أن النظام على لسان رئيسه وأعضاء وفده المدعوم لم يقصروا برمي القنابل لتفجير الاجتماع والتحلل من كل مخرجاته مسبقا؛ كما أن التفاوض السياسي ينطلق دائما من سقف عالٍ كي لا يتنازل لما دون الأساسيات.

من ناحية ثانية عملية وواقعية، هذه اللجنة وهذا المسار لن يؤدي لأي حل سياسي طالما أن روسيا تتفرد بالإشراف عليه، فالحكومة الروسية أعجز من أن تؤسس لحل في سوريا، وفق إمكانياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. لذلك لا مشكلة في توجيه خطاب إعلامي واضح يبين الأسس التي لا غنى عنها للوصول لحل سياسي، على أمل البدء بإعادة تجميع عدد أكبر من السوريين حول خطة عمل واحدة واضحة، بعد أن شرذمتهم سُنون ثمانٍ عِجاف.

فللأسف أن قيادات معارضاتنا كلهم وبمختلف مشاربهم وتنوعاتهم عجزوا وفشلوا في الارتقاء لمستوى المسؤولية، بما يمكنهم من توجيه وقيادة حل شعبي سوري لهذه المأساة المستمرة تحت ضغط صراعات دولية متوحشة.

قد يُقال أيضا، لكن هذا طعن في الجهة المشرفة أي روسيا، ومرة ثانية ما هي المشكلة بذلك؟ ومن قال إن التفاوض السياسي يعني بالضرورة تجنب نقد أو حتى التنديد بسياسة الطرف الآخر؟ وأي عاقل سيصدق أن روسيا ستساعد على تأسيس حل سوري بالحد الأدنى من العدالة والموضوعية؟ بل إن هذا التوجه قد يفتح الباب للطرف الغربي أن يعيد التفكير بمواقفه المراقبة حاليا للوضع.

ومن استمع لما قاله رأس النظام الأسدي، وما قاله الوفد المدعوم من قبل النظام، يرى بوضوح أن غاية النظام هي التشتيت واستخدام التفاوض كغطاء وواجهة إعلامية أمام المجتمع الدولي. والأهم أن متكلميه لم يوفروا فرصة لتكرار شعارات النظام الأسدي المتاجرة بالوطن، وفي اتهام كل الحضور من خارج وفدهم بالإرهاب والعمالة.

ليس القصد هو مجاراة الإسفاف الوارد في كلمات المدعومين من قبل الأسد، لكن أيضا أن نعلم أيضا كيف يتم لعب هذه الألعاب السياسية، وأن نتعلم ألا نكون ملكيين أكثر من الملك، خاصة أن تاريخ كثير من وجهاء معارضتنا لم يكونوا بهذا الالتزام الكلامي والسلوكي فيما بينهم ومع الشارع السوري، ولم يقصّر بعضهم بتوجيه تهم الخيانة والعمالة والكفر لمعارضين آخرين.

بين البحرة والكزبري

في كلمتي الافتتاح لرئيسي الوفدين البحرة والكزبري، مرت الكثير من النقاط الأساسية التي يجب التوقف عندها.

ذكرت سابقا استخدام الكزبري لكلمة وفد “مدعوم” وليس “ممثلاً”. بالإضافة لذلك فالرجل كان واضحا بأن سوريا حسب تعريفه، وتعريف رئيسه بشار، تشمل فقط السوريين الموجودين في سوريا؛ وأن أهم القضايا هي محاربة الإرهاب، والذي يعرفه نظامه بأنه أي معارض له، بما يشمل حتى أعضاء الوفد المعارض والمدني.

 

مع تقدير وطنية وإخلاص هادي البحرة، ووطنية كلامه حول كل السوريين، على عكس الكزبري، وإشارته لمشكلة التشظي بين مكونات الشعب السوري؛ إلا أنه وقع بأخطاء أساسية لا يمكن الصمت عنها، تشمل ما قلته سابقا عن باقي الكلمات، ويُضاف لها باختصار:

  • كان من الواضح والمتوقع أن النظام ووفده كما هي عادتهم منذ سنين، سيركزون على مسألة الإرهاب، وعلى التذكير الدائم بادعائهم أنهم يحاربون الإرهاب؛ فهل كان أفضل رد ممكن للبحرة هو قوله “لا يمكن مجابهة الجريمة بجريمة أكبر… ولا الإرهاب بإرهاب مقابل“؟ هذا الكلام حمّال أوجه، ليس أقلها التوافق مع النظام على تعريف الإرهاب، وهذه كارثة بحد ذاتها، لإن النظام عمليا يرى حتى وفد المعارضة في اللجنة الدستورية إرهابيين أو داعمين للإرهاب.
    طبعا الافتتاح ليس للجدل والنقاش حول مفهوم الإرهاب، لكن هل يصح ما قد يُفهم من هذا التلميح وهو، أن النظام رد بإرهاب على إرهاب، وبجريمة على جريمة؟
  • لا يمكنني تجاوز أن أوجه سؤالا للسيد البحرة، لماذا استخدم ضمير المتكلم في بداية حديثه؟ المفترض أنه عضو من أعضاء وفد المعارضة، حتى لو كان رئيسه، وبالتالي الأجدر أن يستخدم ضمير نحن. ألم يكن من الأجدى قوله “نأمل أن نتمكن من نقل أصوات ونداءات…. وأن نستمر بكل جسارة مؤمنين” بدل قوله عن نفسه كشخص “آمل… أتمكن… أستمر… مؤمنا“؟ أم أن لذلك علاقة بثاني إعلان يعلنه جمال سليمان أنه ينوي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، في مقابلته الأخيرة مع بروكار برس؟

ختاما نصيحة لبعض المشاركين والمشاركات من جزئين:

جوهريا، صدقونا يا أهل بلدنا ليست هذه المنصة لإعلان برامج انتخابية، وليست تمهيدا لانتقاء حكومات ورؤساء قادمين، ولا مجالا لاستعراض القدرات الشعرية والبيانية، ولا الغاية أن يشكركم بيدرسون لجمال كلامكم الديبلوماسي، ولا الوسيلة الصحيحة هي الكلام وكاننا في نشرة أخبار رسمية على قناة حكومية.

وشكليا، هلّا راجعتم كلماتكم المُعدة بعناية مع اختصاصيي لغة عربية لتجنب تلك الأخطاء النحوية الكثيرة، وهذا يشمل طبعا وفد النظام، ورئيسي الوفدين بالذات؛ فالاجتماع يستحق بعض الاهتمام الشكلي على الأقل.

قد يهمك