إدلب تختصر عيوب النظام العالمي الجديد.
علاء الدين الخطيب
20/02/2020
لتنزيل الدراسة كملف بي دي إف انقر هنا: Idlib 2020
حتى نهاية العام الماضي، كانت الكثيرون في الإعلام والسياسة يبشرون بتوجه الصراع فوق سوريا للتهدئة، وانفتاح طريق جديد لتأسيس بداية حل مستدام في سوريا بعد 9 سنين من مآسي لم يشهد تاريخ سوريا مثيلا لها. لكن “لعنة سوريا” كما سمّاها نيك باتن وولش المحرر في قناة سي إن إن، تأبى أن تتراجع. فها قد عاد الصراع بين الدول المتورطة في سوريا ليقف أمام توتر ربما يكون هو الأسوء خلال تسع سنوات لجهة الصدام المباشر بين حكومات هذه الدول. لكن هل هي لعنة سوريا أم لعنة تركيبة دولية مختلة في عمقها يتم تسميتها النظام العالمي؟
نقاش ما يحصل في إدلب، وللوصول لقراءة موضوعية للصراع، يحتاج بداية لتنحية العواطف وحتى المعايير الأخلاقية والقانونية. فهذه المعايير لا مكان لها في الصراع الجيوسياسي الدولي، بل هي أدوات تستخدمها شاشات الفضائيات، حيث يلويها كل متحدث وفق انحيازه المسبق مع أو ضد أحد أطراف الصراع.
العلاقة الروسية التركية
لن نعود للتاريخ القديم، فاستحضار التاريخ القديم لفهم الحاضر هو عجز أو هروب من أسئلة الحاضر.
بدأ تحسن العلاقة الروسية التركية منذ قدوم حزب العدالة والتنمية للحكم، وثبات بوتين كقائد قوي لروسيا. تطورت هذه العلاقة في عدة مناحي أساسية تمثل مصالح مشتركة ذات أهمية استراتيجية عليا بالنسبة للبلدين، والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
المصالح الجيوسياسية الإقليمية
الدولتان وعلى مستوى الأمن القومي الاستراتيجي حساستان لمنطقة وسط آسيا ودول بحر قزوين، وهي منطقة مليئة بالبراكين المشتعلة تحت السطح. ويُعتبر التنسيق بين روسيا وتركيا وإيران بالإضافة للصين عاملا أساسيا في استقرار المنطقة وعدم تعريض أمن هذه الدول القومي للخطر.
كذلك فإن الدولتان مع إيران يتشاركون نفس الحساسية حول منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، وإن كانت تركيا وإيران أكثر تأثرا بحكم الاتصال الجغرافي المباشر.
المصالح الجيوسياسية الدولية
أدى تدهور العلاقة التركية الغربية خلال العقد الأخير، وكذلك زيادة التوتر بين الغرب وروسيا، خاصة بعد أزمة جورجيا وأوكرانيا، إلى فرض التحالف أو التفاهم بين روسيا وتركيا في مواجهة السياسة الغربية، وفق مبدأ عدو عدوي صديقي؛ وإن كنا لا نستطيع وصف علاقة البلدين بالغرب بالعدائية بمعناها المباشر.
ناهيك عن هدف روسيا الاستراتيجي، وهو أن تنجح في تحقيق اختراق كبير لحلف الناتو من خلال دفع تركيا خارجه، وهذا ما كاد أن يلوح على الأفق، خاصة بعد عقود شراء السلاح العسكري الروسي من قبل تركيا، وعقد توريد صواريخ إس-400 الروسية إلى تركيا.
المصالح الاقتصادية:
العلاقات الاقتصادية بين البلدين ضخمة بكل المقاييس، فروسيا ما زالت تمثل ثاني أكبر شريك تجاري لتركيا بعد ألمانيا، وتركيا هي خامس أكبر شريك تجاري لروسيا، حيث وصل حجم التبادل التجاري بينهما في العام 2019 إلى أكثر من 26 بليون دولار.
كذلك فإن السياح الروس يشكلون وسطيا 15 بالمئة من أصل حوالي 40 مليون سائح أجنبي دخل تركيا سنويا خلال السنوات السابقة. أشير هنا إلى أن نسبة السياح من الدول الغربية تتجاوز 30 بالمئة، ومن إيران تصل إلى 5 بالمئة.
تزداد أهمية هذه العلاقة في أكثر القطاعات الاقتصادية حساسية في البلدين، وهو قطاع الطاقة. فالاقتصاد الروسي يعتمد لحد بعيد على تصدير النفط والغاز الطبيعي؛ وتركيا لا تملك أي مصادر طاقة أحفورية على أراضيها، فهي مضطرة لاستيراد ما تحتاجه من نفط وغاز طبيعي من الخارج.
تستورد تركيا سنويا ما يقارب 50 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، يشكل المستورد منه من روسيا حوالي 50 بالمئة، ومن إيران حوالي 15 بالمئة. كذلك فإن تركيا تمثل ثالث أكبر مستورد للغاز الطبيعي الروسي بعد ألمانيا وإيطاليا. من ناحية ثانية فإن حوالي 25 بالمئة من النفط المستورد لتركيا يأتي من روسيا، وحوالي 18 بالمئة من إيران، وحوالي 17 بالمئة من العراق. لا بد هنا من الإشارة إلى أن حصة الغاز الطبيعي المستورد من قطر يمثل فقط حوالي 6 بالمئة.
بالإضافة لذلك فإن خط السيل التركي لتصدير الغاز الطبيعي الروسي يشكل ترسيخا للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين اقتصاديا. استطاعة هذا الخط حوالي 32 مليار متر مكعب سنويا، حيث من المخطط أن تستهلك تركيا نصف الوارد عبره، والباقي يتم ضخه إلى أسواق بلغاريا واليونان وهنغاريا وسلوفاكيا وصربيا.
كذلك فإن روسيا تبني أول محطة طاقة نووية في تركيا قرب مدينة مرسين، باستطاعة حوالي 4.8 غيغا وات، وبكلفة تقريبية 20 مليار دولار. علما أن استطاعة التوليد الكلية في تركيا تزيد عن 83 غيغا وات.
إذا العلاقات التركية الروسية تقوم على مصالح أمن قومي استراتيجية، وعلى مصالح اقتصادية ضخمة جدا، بالإضافة لما لتفاعل مصالح جيوسياسية وتشابكها بين الطرفين.
الخلاف الروسي التركي حتى منتصف شهر كانون ثاني/يناير 2020
شهد العام 2019 ثلاث توسعات عسكرية للنظام الأسدي، مدعوما من قبل المليشيات الإيرانية والغطاء الجوي الروسي، في محافظة إدلب، الأول كان في أيار/مايو، والثاني في تموز/يوليو، والثالث في تشرين ثاني/نوفمبر.
خلال كل التوسعات السابقة كانت النتائج متكررة: تراجع للميلشيا المعارضة، واحتجاج تركي سياسي وإعلامي، وقلق دولي حول الحالة الإنسانية. بالواقع حتى التقدم الأخير الذي بدأ في شهر 11 العام الماضي لم يزعج الأتراك كثيرا حسبما ظهر إعلاميا وسياسيا، بل إن الأخبار تواردت أن القيادة التركية أبلغت قادات الفصائل المعارضة في إدلب، بأن تركيا لن تستطيع فعل شيء حقيقي لإيقاف توسع سيطرة النظام لتشمل طريقي M4 وM5 الواصلين بين حلب وبين دمشق واللاذقية، فلم يكن سقوط معرة النعمان مثلا سببا لرد فعل تركي عنيف.
إذا فقد كان الأتراك إلى منتصف الشهر الأول هذا العام يعتقدون أنهم يستطيعون، من خلال علاقاتهم العميقة مع روسيا وإيران، أن يتجاوزوا نتائج التقدم العسكري للنظام الأسدي، وإعادة ضبط سير التطورات في إدلب.

الخلاف الروسي التركي منذ 20 كانون ثاني/يناير 2020
مع توجه النظام الأسدي وحلفائه في نهاية الثلث الثاني من الشهر الأول للاستيلاء على سراقب، وتجاوز التفاهمات السابقة مع روسيا حول القبول بسيطرة النظام الأسدي على الطريقين الدوليين؛ بدأ الأتراك يشعرون بخطر قادم، وربما باختراق لبنود سرية في اتفاقيات استانا وسوتشي بين روسيا وتركيا، فزادوا من وجودهم العسكري في المنطقة، لكن بدون تصعيد واضح من طرفهم؛ لأن القيادة التركية كانت ما تزال تعتقد بقدرتها على إقناع روسيا بضبط هذه الحركة.
لكن سرعة التوسع الأسدي بدعم إيراني وروسي، واستهداف قوات النظام الأسدي وحلفائه لجنود أتراك بدءا من الثالث من شباط/فبراير، ومقتل 13 جنديا تركيا خلال أسبوع واحد، كان الشعرة التي قسمت ظهر البعير، فاشتعل الموقف التركي غضبا على المستوى السياسي والإعلامي والعسكري.
خلال هذه الفترة، شهدت أنقرة إعادة فتح للخط الساخن مع الناتو والولايات المتحدة الأمريكية، بدأت مع زيارة الجنرال تود وولتر، قائد الأركان الأمريكية الأوروبية، في نهاية الشهر الأول لأنقرة لمناقشة التصعيد التوتر في سوريا. ثم توالت الاتصالات مع الغرب والبيت الأبيض، ولم يخف الناتو تأييده للموقف التركي بعد مقتل الجنود الأتراك؛ ثم كانت زيارة جيمس جيفري لتركيا التي قدم من خلالها دعما واضحا للموقف التركي.
لم تكتف تركيا بالتصريحات السياسية الملتهبة التي أطلقها الرئيس التركي، بل قامت بتحركات عسكرية ضخمة تعزز الاعتقاد بأنها تخطط لعمل واسع ودقيق في المنطقة. فقد نقلت حوالي 30 ألف جندي تركي إلى الحدود مع إدلب، وزادت عدد عسكرييها في داخل سوريا إلى ما يزيد عن 6 آلاف؛ مدعومين بأسلحة وآليات ثقيلة ونظم دفاعية وهجومية برية وجوية.
ولم تتوقف تركيا عند هذا الحد، بل توجه أردوغان لإرسال رسالة شديدة الغضب إلى حليفه اللدود بوتين خلال زيارته لأوكرانيا، حين أعلن أن تركيا ما زالت ترى أن جزيرة القرم جزء من أوكرانيا؛ والمعروف أن موضوع جزيرة القرم شديد الحساسية بالنسبة لروسيا، وأن احتلالها لجزيرة القرم كان قرارا استراتيجيا عالي الأهمية، ترافق مع تسريبات تؤكد أن روسيا مستعدة لحرب نووية دون أن تتخلى عن هذه المقاطعة الاستراتيجية بالنسبة لأمنها القومي.
على الجانب الآخر، لم يبدُ أن الروس كانوا بعيدين عن أهداف تحركات النظام الأسدي العسكرية، وأنهم بالواقع يدعمون توسيع سيطرته في إدلب؛ والأهم أنهم تجاهلوا تماما مقتل الجنود الأتراك، ولم يظهروا أي نوع من التعاطف الشكلي مع تركيا. بل حولوا كل الملامة على تركيا، واتهموها بأنها سبب توتر الموقف، وأن تركيا هي التي لم تلتزم باتفاقيات البلدين حول سوريا، التي شهدت ببعض منها توافقا ثلاثيا ضم إيران أيضا.

المناورات واللقاءات السياسية
يبذل كلا الطرفين التركي والروسي الكثير من الجهد السياسي للوصول لتفاهم مشترك بينهما، يقوم على أساس لا يمكن المساس به، وهو عدم الوصول للصدام المباشر عسكريا في سوريا، ولا إعادة خطأ المواجهة المباشرة اقتصاديا وسياسيا كما حصل بعد أزمة إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا قبل بضع سنين. وواضح أن المفاوضات صعبة جدا ومرهقة بين الطرفين، والنقاط المشتركة أقل من أن تشكل أساسا لمعالجة الأزمة، خاصة وأن قوات النظام الأسدي وحلفائه لم تتوقف على الأرض، بل تحاول المسارعة في توسيع سيطرتها.
لعل التطور الأهم سياسيا هو خروج ترامب عن صمته حول سوريا في تصريحات أطلقها في 18 شباط/فبراير، وقوله إن “أردوغان يقاتل على إدلب لأنه لا يريد لآلاف ومئات آلاف الناس أن يُقتلوا“، وأكد على أنه يعمل مع أردوغان لمعرفة ما يجب عمله حول ما يجري الآن”. أهمية تصريحات ترامب تأتي في سياق عدم وضوح الموقف الأمريكي من الأزمة في شمال غرب سوريا، فرغم رسائل الدعم السياسي التي أتت من مسؤولين أمريكيين، إلا أن تأخر ترامب في التصريح حول ذلك أدى لانتشار بعض الشكوك حول قوة الموقف الأمريكي خلف تركيا. مع ذلك لا يمكن الركون إلى أن هذه التصريحات الترامبية تعني موقفا أمريكيا حاسما.
الملفت للنظر في الإعلام التركي، وعبر وكالة أنباء الأناضول الرسمية، ظهور آراء تشير بأصابع الاتهام إلى إيران ودورها في تأزيم الموقف، لأنها عمليا هي من تدير المليشيات المساندة للنظام الأسدي على الأرض؛ وربط ذلك بالتغيرات الكبيرة التي حصلت بعد اغتيال قاسم سليماني وما أدى له من تغييرات في قيادات الحرس الثوري الإيراني وتوجهاته وسياساته على الأرض في مختلف البلاد التي تتواجد بها إيران عسكريا عبر هذه القوات والمليشيات التابعة لها.
إذا الوضع الجيوسياسي حول سوريا وإدلب لم يغادر دوامات التعقيد السياسي وتشابك المصالح الدولية التي رافقت المأساة السورية منذ 2011. والمؤكد أن مفاتيح هذه المرحلة موجودة في أنقرة وموسكو، لكن خلافات الطرفين حول سوريا ما زالت صخرة صعبة التجاوز من قبل الطرفين.
الموقف التركي
ساد الموقف التركي حتى نهايات العام الماضي، ورغم كل الأزمات المتلاحقة بما بها الأزمة في شمال شرق سوريا، تفاؤلا أن تركيا وروسيا بالدرجة الأولى ومعهما إيران سيسيرون لتحقيق نوع من صفقة ربح-ربح لكل الأطراف، كما ساد علاقات تركيا وروسيا خلال العقدين الماضيين. بل حتى أن المعارضة التركية، وليس فقط من باب الصراع السياسي مع أردوغان وكتلته السياسية، ذهبت بخطوات استباقية للتواصل مع نظام بشار الأسد، وفق توقعات التوجه إلى هذه الصفقة الثلاثية. لكن ما حصل منذ بدايات هذا العام قلب كل هذه الاعتبارات في داخل الدائرة التركية السياسية، بمن في ذلك المعارضة التركية؛ وجاءت حوادث قتل العسكريين الأتراك لتزيل كل وهم حول قدرة الثلاثي الروسي التركي الإيراني على تحقيق صفقة ترضي كل الأطراف.
التفسير التركي لكل مباحثات واتفاقيات آستانا وسوتشي قامت على أساس نظرية تقول: إن تركيا ستوافق على تحويل محافظة إدلب الكبرى وجزء ومن ريف حلب إلى خزان بشري يستقبل المبعدين، مدنيين ومقاتلين، من بقية مناطق المصالحة التي استعاد النظام الأسدي السيطرة عليها بدعم روسي وإيراني، وستمارس نفوذها على الفصائل المسلحة بمن فيهم جبهة تحرير الشام (النصرة سابقا)، لضبط الإيقاع عند اللزوم؛ مقابل الوصول لتوافق على حل سياسي للأزمة السورية مضمون من قبل الدول الثلاث؛ وبعد ذلك يتم معالجة حالة إدلب، بما في ذلك إعادة هيكلة الفصائل والمليشيا المعارضة ضمن تفاهم أوسع، حتى لو اقتضى ذلك أن تتولى تركيا تحمل الجزء الأكبر من هذه العملية.
وقد يمكن ربط هذا التصور بالخطة التركية التي طرحها أردوغان سابقا حول المنطقة الآمنة على الحدود الشمالية لسوريا، والتي تقتضي وفق تصوره إحلال نوع من العازل البشري المكون من عرب سوريين على حدود تركيا، كان من الممكن أن يشكل النازحون في إدلب أحد أهم مكوناته.
لكن هذه الخطة فشلت ولم تلقَ أي قبول أو دعم دولي، وبالذات أمريكي وغربي، وأيضا لم تلق دعما روسيا، وبالتالي تم تحجيم نتائج الهجوم التركي الأخير في العملية التي حملت اسم “نبع السلام”.
بغض النظر عن توجه الحكومة التركية السياسية، سواء حزب العدالة أو غيره، الحساب الواضح للمصالح التركية استراتيجيا يفرض محظورين لا يمكن تجاوزهما:
- عدم تحمل مسؤولية تدفق أعداد ضخمة من اللاجئين السوريين الإضافيين إلى تركيا، لأسباب كثيرة أهمها أن ورقة اللاجئين في الداخل التركي تحولت لورقة ساخنة في الصراع السياسي بين القوى السياسية التركية؛ ولأن تركيا تدرك أن ما حصل في 2015 و2016 من تدفق اللاجئين إلى أوروبا لن يتكرر، رغم كل تهديداتها بفتح طريق اللجوء إلى أوروبا. خاصة وأن هذا التهديد بتدفق مئات آلاف اللاجئين لأوروبا سيؤدي لترسيخ الشرخ بين تركيا وأوروبا، ويستدعي مواجهة مؤلمة بالنسبة لتركيا أكثر من أوروبا، على المستوى الاقتصادي والسياسي وربما العسكري من خلال الناتو.
من ناحية ثانية لا تنوي تركيا الاستمرار لأن تكون موطنا للسوريين الذين لا يراهم بشار الأسد منسجمين مع رؤيته لسوريا، وبالتالي تكون قناة يصرف من خلالها من لا يريدهم من سوريين.
- تركيا لن تتحمل لوحدها الدخول بفخ إعادة هيكلة فصائل ومليشيات المعارضة المختلفة، وبما يحمله ذلك من خطورة أن تضطر للتدخل عسكريا في إدلب بشكل مباشر، وبالتالي تتحمل لوحدها دور الشرطي وحرس الحدود لنظام بشار الأسد.
بنفس الوقت، لا يمكن لتركيا المخاطرة بقبول أن يتم خنق هذه الفصائل في مساحات أصغر مما كانت عليه حتى نهايات عام 2019، وبالتالي تحول هذه الفصائل لقنابل موقوتة على حدود تركيا، خاصة إن استطاع النظام تحصين نفسه من حركاتها.

إذا لا تملك الحكومة التركية الكثير من الخيارات التي يمكن التنازل عنها أمام روسيا. ولا يمكنها أيضا الركون إلى تفاهمات جزئية مرحلية كما حصل سابقا عدة مرات، لتعود التوترات للاشتعال، ويعود الوضع إلى سابق عهده مع توسع جغرافي أكبر للنظام الأسدي. فمن المتوقع مثلا أن يطرح الروس اقتراح وقف اطلاق النار لإطلاق المفاوضات، وتقديم ضمانات روسية لاي اتفاق؛ لكن تركيا لم تعد تملك أي ثقة بالضمانات والوعود الروسية بعد كل هذه التجارب المريرة، وبالتالي لن يكون مصلحتها القبول باي حل جزئي أو مؤقت.
الموقف الروسي
من الصعب في هذه المرحلة فهم أسباب الموقف الروسي الحالي، فرغم أن روسيا ترى نفسها دولة عظمى أمام تركيا، إلا أنها تدرك أيضا أن تركيا دولة كبيرة وقوية، بل ربما تكون الأقوى في محيط روسيا الجغرافي الممتد من وسط آسيا ودول السوفييت السابقة مرورا ببحر قزوين والشرق الأوسط وصولا إلى أوروبا الشرقية.
من السذاجة الركون للتصريحات السياسية الروسية والإعلامية حول حرصها على وحدة الأراضي السورية ومحاربة الإرهاب، فهذه الشعارات يرفعها الجميع في كل الصراعات الدولية.
ما الذي ستجنيه روسيا من دعم النظام الأسدي في توسعه العسكري الأخير الذي يهدف لحصر 3 ملايين سوري مدني، مع عشرات آلاف المقاتلين من مختلف الفصائل في إدلب، بمن فيهم مقاتلي التيار القاعدي مثل النصرة، وبالتالي الضغط على تركيا وتفجير أزمة كبيرة معها، سواء كان حاكم تركيا أردوغان أم المعارضة التركية، وهدم ما تم بنائه من ثقة نسبية خلال السنين الماضية بين روسيا وتركيا؟
- من الناحية الاقتصادية، سوريا بلد صغير مقارنة بتركيا، وعلاقة سوريا التجارية مع روسيا أقل بكثير من علاقة روسيا مع تركيا. ففي عام 2010 وقبل بدء الثورة السورية كان مجموع المبادلات التجارية السورية الكلي حوالي 27 مليار دولار، منها فقط مليار ومئتي مليون دولار مع روسيا؛ بينما كان مجموع المبادلات التجارية الروسية التركية 26 مليار دولار. وحتى في مجال الطاقة، فإن سوريا بكل ما تملكه من احتياطيات نفط وغاز طبيعي، على الأرض وتحت البحر، لا تشكل لاعبا ذا أهمية في السوق العالمي بأي شكل من الأشكال.
- ومن الناحية الجيوسياسية، فإن أهمية تركيا للأمن القومي الروسي أهم بكثير من سوريا. فتركيا ذات حضور فاعل وقوي في دول وسط آسيا ودول السوفييت سابقا ومنطقة بحر قزوين ودول البحر الأسود وصولا لأوكرانيا. هذا الخط الجغرافي يمثل أهم مصالح روسيا الأمنية القومية على المدى المتوسط والبعيد. بل إن تركيا أهم بكثير من إيران مقارنة بمصالح روسيا الأمنية القومية استراتيجيا، وتركيا بكل الأحوال أكثر استقرارا وقوة من إيران كحليف في الإقليم المحيط بروسيا.
كذلك فإن علاقة تركيا المتوترة بالغرب منذ عشر سنين، تضع تركيا كشريك قوي وفعّال لروسيا أمام الغرب، الذي بدوره له علاقات متوترة جدا مع روسيا.
- أما من الناحية العسكرية، فرغم ما يُقال عن مصالح روسيا العسكرية في بناء قواعد عسكرية على الساحل السوري، إلا أن هذه القواعد تقل أهميتها كثيرا إن كان الخط البحري الواصل بين روسيا وهذه القواعد تحت سيطرة تركيا الكاملة، وبالتالي فإن توتر العلاقة مع تركيا أو سقوط الثقة معها سيفقد القواعد العسكرية الروسية في سوريا أهميتها.
الآن، بافتراض أن روسيا حققت لنظام الأسد أهدافه، وسيطر عسكريا على غالبية محافظة إدلب وريف حلب، واستطاعت روسيا بقدرة قادر فرض حل سياسي يكون النظام الأسدي محوره؛ يبقى من المؤكد أن تركيا لا يمكن أن تتأقلم مع النظام الأسدي، الذي يشن حربا إعلامية شرسة على تركيا، أشرس من أي حملة إعلامية أخرى ضد الدول التي اعتبرها عدوا خلال السنين الأخيرة، بل إنه انتقل لخط اللاعودة في معاداة تركيا، سواء مع أردوغان أو المعارضة التركية، عندما أقرّ، منذ أيام، ما يُسمى مجلس الشعب السوري قانونا يدين جرائم إبادة الأرمن من قبل تركيا.
بالواقع لا يتوقف السؤال حول العلاقة الروسية التركية في سوريا فقط. فصدام الدور الروسي مع التركي أيضا واضح في ليبيا، حيث تقدم روسيا دعما كبيرا لجماعة حفتر مقابل حكومة السراج التي تدعمها تركيا.
كذلك فإن روسيا بدأت منذ السنة الماضية في إجراءات تحسين العلاقة مع السعودية والإمارات، دون المرور بقطر حليف تركيا الأساسي. وهنا قد يُقال إن ذلك ليس ذا دلالة كبيرة، وهذا صحيح مبدئيا؛ لكن بالربط مع توتر هذه العلاقة في سوريا وليبيا، فلا بد من استحضار هذا التقارب الروسي مع عدوي الحكومة التركية في المنطقة حكومتي السعودية والإمارات العربية المتحدة.
إذا فالسؤال ما زال قائما: ما هي مصالح ودوافع السياسة الروسية الحالية في الاصطدام مع تركيا في سوريا، ودفع العلاقة معها لتوتر خطير؟
لا يمكننا الجزم بهذه الدوافع والمصالح كما تراها القيادة الروسية، وقد يكون هناك خطط غير معلنة حول السياسة الروسية تدفع القيادة الروسية للسير في هذا الطريق.

ضعف روسيا وحاجتها للدعم الغربي
قد يكون السبب هو رؤية بوتين لموازين الصراع الدولي، خاصة حول روسيا بدءا من وسط آسيا مرور بالشرق الأوسط وصولا لأوروبا. فقد يكون فعلا مبتهجا بأنه أعاد شكليا المجد المعنوي للاتحاد السوفيتي أو القيصرية الروسية كقوة كبرى، استطاعت أو بدأت في محاولة ملئ الفراغ الناتج عن الخروج أو نية الخروج الأمريكي من هذه المناطق؛ لكن تجربته المكلفة في سوريا أكدت له أن روسيا أضعف من أن تملء هذا الفراغ كما يتخيله هو والقيادة الروسية. وبالتالي وجد نفسه يلعب دور الشرطي في ساحات صراع لا يوجد مربح مقابل لروسيا كاف، وبنفس الوقت دون نتائج مضمونة.
بالإضافة لذلك فقد فشل بوتين في اكتساب الدعم الغربي السياسي والمادي، مقابل أن يقوم هو بالعمل على الأرض ويمارس دور الشرطي أو الجلاد. فعلى مستوى إطلاق مشروع إعادة إعمار سوريا لم يستطع الحصول على أي تعهد غربي بالمساهمة المادية فيه، فكيف إن طلب ما هو أكثر؟ ولعلنا نذكر تهديداته المبطنة للمستشارة الألمانية ميركل السنة الماضية حول خطر موجة لجوء أخرى تأتي من مناطق لروسيا تأثير كبير فيها مثل سوريا والشيشان ودول وسط آسيا.
إذا قد تكون الرؤية البوتينية هي الوصول إلى حافة الهاوية في الصدام مع تركيا فوق سوريا، وما قد يستدعيه ذلك من استنفار غربي للتحكم بهذا الصراع وعدم توسعه باعتبار أن تركيا عضو أساسي في حلف الناتو. ومن تلك النقطة يستطيع بوتين الانطلاق لفتح المفاوضات على كل الملفات العالقة مع الغرب، سواء حول سوريا أو أوكرانيا أو إيران أو حتى البحر الأسود وخطوط الغاز.
ولعل الملف الإيراني الذي أعاده ترامب لنقطة الصفر سيكون أحد النتائج الجانبية التي تراها روسيا ضمن هذا التوتر؛ فمن المهم لروسيا أيضا مغادرة إيران هذا الحصار الخانق، لتستطيع البقاء حليفا قويا بيد الروس.
القرارات الانفعالية للقائد الشمولي
لكن من الممكن أيضا تفسير هذا الموقف على أنه سياسة ناتجة عن غرور أصاب القيادة الروسية، وتهور انفعالي لصناع القرار الروسي. وهذه ليست أول مرة تقوم روسيا بقيادة بوتين باتخاذ قرارات كبرى تضرب المصالح الروسية استراتيجيا، بسبب مواقف انفعالية وقصر نظر سياسي.
مثلا، في بداية عام 2009 أوقفت روسيا إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا الغربية نتيجة خلافاتها مع أوكرانيا، مما أدى لأكبر أزمة طاقة شهدتها أوروبا الغربية منذ أزمة الطاقة في منتصف سبعينات القرن الماضي. وقد أدى ذلك القرار لتغيير سياسة أوروبا الغربية في مجال الطاقة والأمن الطاقي بشكل كامل، وفقدان الثقة بالطرف الروسي، مما أثر وما زال يؤثر على علاقة روسيا بأوروبا في مجال الطاقة. ومن المعلوم أن أوروبا الغربية هي أكبر زبون للغاز الطبيعي الروسي وأيضا للنفط الروسي. فأوروبا تستورد ثلثي ما تصدره روسيا من النفط والغاز طبيعي، وهذا يكفي لإيضاح مدى تهور مثل ذلك القرار.
كذلك فإن روسيا، مثل تركيا، لم تتحلَ بالعقلانية السياسية إبان أزمة إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا في 2015. فاتخذت قيادتا البلدين قرارات متهورة حمقاء أدت لمواجهة سياسية اقتصادية بينهما استمرت حتى خريف 2016، وأدت لخسائر اقتصادية هائلة للطرفين، وبنتائج سلبية مازالت ممتدة إلى الآن.
إذا قد يكون أحد دوافع السياسة الروسية الحالية في سوريا، هو قناعة القيادة الروسية بأن تركيا قطعت خط اللاعودة في تأرجح موقفها ما بين روسيا والغرب، وأنه على تركيا ان تنتقل من خانة تحالف الند مع الند، إلى مرحلة الحليف التابع لروسيا مثل حال النظام الإيراني والسوري والبيلاروسي وبقية حكومات دول السوفييت السابق. فقد يكون القادة الروس مقتنعين بأن تركيا لا تملك خيارات كثيرة في سوريا، بل فقط خيارين: التجاوب مع الرؤية الروسية والسير تحت المظلة الروسية مثل إيران؛ أو أن خسارة تركيا ستكون هائلة بما لا تستطيع تحمله.
وضمن هذا السياق لا يمكن تناسي الطريقة التي كان بوتين يعامل بها بشار الأسد في لقاءاتهم الأخيرة، والتي خرجت على كل البروتوكولات الديبلوماسية المعروفة والمتداولة، والتي أظهرت استعلاء بوتين واستهتاره بشخص بشار الأسد كرئيس لسوريا في العرف الروسي. ولعل فكرة أن يرفع سماعة التلفون متصلا بأردوغان ليأمره بلقائه بدون سابق إنذار في قاعدة عسكرية روسية كما فعل مع بشار الأسد، تكون فكرة تناسب شخصية بوتين التي تحمل من ستالين السوفييت الكثير.
لعبة الصراع على السلطة في روسيا
قد تبدو سنة 2024 بعيدة، لكنها بالنسبة لبوتين ليست بذاك البعد. فهي السنة الأخيرة نظريا لرئاسته التي لن يستطيع تجديدها وفق الدستور الحالي، خاصة وأن شعبيته لم تعد بنفس القوة التي كانت عليها منذ عشر سنين.
ولعل سياسته مع جار روسيا الصغير بيلاروسيا أو روسيا البيضاء تبيّن أنه أيضا يتصرف بعنف مع أقرب حلفائه له. فبسبب رفض الديكتاتور البيلاروسي لوكاشينكو تفعيل معاهدة الاندماج أو الاتحاد بين روسيا وبيلاروسيا الموقعة في عام 1999، قرر بوتين في بداية هذا العام الضغط على جاره من خلال قطع الامدادات النفطية الروسية، والتي تشكل 80 بالمئة مما تحتاجه بيلاروسيا.
بوتين يريد هذا الاندماج أو الاتحاد لإن ذلك سيعني نشوء دولة جديدة في روسيا، وبالتالي فإن فترات رئاسته السابقة لا يمكن عدّها، وبالتالي يمكنه الترشح مرة ثانية وإعادة انتخابه.
فهل هذا التوجه السياسي العنيف نسبيا ضد بيلاروسيا، يمكن قياسه أيضا بسياسة بوتين مع تركيا؟ وهل يريد بوتين ضمان وصوله للعام 2024 مع حزمة انتصارات قبيل الانتخابات الروسية، وهو يرى أن أهم هذه الانتصارات يجب أن تتحقق في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفي كلا المنطقتين الطرف التركي يشكل عائقا مهما؟
قد تكشف الأيام والشهور القادمة حقائق أخرى لا نعرفها، وتتضح الصورة أكثر. لكن بالتأكيد ووفق المعطيات القائمة الآن والثابتة، فإن التوتر وخطورة الصدام الروسي التركي في سوريا هو سياسة غير عقلانية من الطرف الروسي أولا، من وجهة نظر المصالح الروسية.
بكل الأحوال، لا يهمنا هنا مناقشة نظريات المؤامرات السورية التي تسود الإعلام السوري والعربي ومنصات التواصل الاجتماعي، حول خط سرية روسية تركية تهدف لضرب السوريين ونصرة بشار الأسد، أو لضرب الأكراد من خلال منح تركيا حجة نقل المعركة لشرق الفرات وتوريط الأكراد. أو من قبيل مؤامرة روسية غربية لتفكيك تركيا وتقسيمها، وغير ذلك من خرافات نظريات المؤامرة. فمن يرتاح لهذا المنهج، لن يعدم أن يجد قصة خيالية تفسر كل شيء حسب اللحظة والمكان.
ما الذي سيحصل في الأسابيع والشهور القادمة؟
من المستبعد جدا حصول صدام عسكري مباشر بين تركيا وروسيا فوق سوريا. فالبلدان يدركان قوة الآخر وخطورة الصدام العسكري المباشر. مع أن احتمال حصول احتكاكات بسيطة نسبيا يبقى واردا، بهدف استدراج تدخل غربي أمريكي مباشر وقوي يؤدي لفتح ملفات الخلافات كلها مع الطرف الأمريكي والغربي.
من غير المستبعد أن تتحرك تركيا عسكريا لفرض شروطها على النظام السوري. لكن هذا التحرك لا يقتضي بالضرورة صدام عسكري بري مباشر بين الجيش التركي وجيش النظام الأسدي ومليشياته، بل قد يتجلى في التدخل العسكري الجوي التركي مع تحريك للفصائل المعارضة في المنطقة. وربما يعزز هذين الاحتمالين طلب وزير الدفاع التركي من الولايات المتحدة الأمريكية نشر بطاريات صواريخ باتريوت على الحدود الجنوبية التركية، بما يشير لتوقع تركيا للأسوء.
لن يقبل الأتراك ما قبلوه سابقا في اتفاقيات سوتشي وآستانا، لأن ثقتهم بضمانات الطرف الروسي قد انهارت. وبالذات لن يقبلوا أن يتفاوضوا بناء على مبدأ “الواقع على الأرض”. أي القبول بسيطرة النظام الأسدي كما هي الآن، والانطلاق لوقف إطلاق النار ولاستمرار المفاوضات لفرض الأمر الواقع. فالأتراك تعلموا أن روسيا ستغض النظر بعد عدة شهور أمام اختراقات أخرى للنظام وتوسع أكبر.
حاليا، ولكي يحصل انفراج سياسي وعسكري، ويتم تجنب التصعيد العسكري في إدلب وريف حلب، لا بد من تنازلات روسية، تشمل تراجع النظام الأسدي إلى مواقع ما قبل 25 كانون الثاني/يناير، لكي يمكن للحكومة التركية تقديم تنازلات بعدها والعودة لطاولة المفاوضات. لكن هذا الاحتمال كما يبدو لحد الآن ما زال مستبعدا من قبل روسيا. بل ربما ترى أن التصعيد سيوسع الأزمة ويجلب كل الأطراف إلى طاولتها، لأن الغرب بالذات لا يريد حربا كبيرة أخرى قرب حدوده، ولا ترامب في مزاج مثل هذه النزاعات.

من قد يستفيد من هذه الأزمة؟
الجواب هنا يعتمد على سؤال آخر: هل ستتحرك الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيون لاستغلال هذا الشرخ الكبير بالعلاقة التركية الروسية، واستعادة تركيا للصف الغربي وترميم توتر العلاقة معها؟ أم أنها ستنتهج أيضا مسارا انفعاليا وترى بهذه الأزمة فرصة تضرب قادات روسيا وتركيا معا، وتكتفي بالمراقبة والترقب؟
وبالتالي السؤال اللاحق بالضرورة: هل ستغير القيادة التركية سياستها تجاه الغرب وتخرج من دائرة الشك والريبة معه، وتقدم تنازلات تسمح للغرب بالدخول بقوة على خط الأزمة، بما في ذلك إعادة تموضعها ضمن حلف الناتو، والتخلي عن سياسة العلاقة العسكرية مع روسيا وصفقات الأسلحة معها؛ وأيضا بما يشمل ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي، وملف اللاجئين، وأيضا ملف شرق الفرات؟
ولعلنا هنا نسأل هل سترى قيادات المعارضة السورية فرصة سياسية سانحة ضمن هذا الجو للتحرك، ولو لمرة واحدة، ضمن رؤية استراتيجية للمصلحة السورية الوطنية؟ وهل سترى قيادات الإدارة الذاتية وقسد في سوريا هذا التوتر كفرصة لتحسين علاقتها مع تركيا، أم أنها ستتجه للاتجاه الخاطئ؟
لحد الآن فأن أقل المتضررين هو النظام الإيراني، فبعد تزايد الضغط الأمريكي على إيران، خاصة بعد قتل قاسم سليماني، فإن زيادة أزمات المنطقة بما يؤثر على الجميع وبمن فيهم الحلفاء، سيعطي إيران ميزة الاستفادة من احتدام الصراع. ولعل إصرار بوتين مؤخرا على ضم إيران للمفاوضات الروسية التركية يظهر أن إيران الصامتة نسبيا بما يخص هذه الأزمة، لكن الفاعلة على الأرض، سيكون لها حصة من احتمالات زيادة التأزم أو تراجعه.
الخاتمة
قد يكون الصراع الدولي فوق سوريا أعقد صراع جيوسياسي شهده العالم منذ نهاية الحرب الباردة، والأزمة الحالية في شمال غرب سوريا تتجاوز بكثير مساحة سوريا والقوى السورية، والوصول لإجابات مرضية ومقنعة حول هذا الصراع صعب جدا. بل أكاد أن أجزم أن قادات القرار السياسي في الدول المتورطة في هذا الصراع لا يملكون حقيقة استراتيجية واضحة حول المستقبل على المدى القريب والبعيد.
لكن مع ذلك يمكننا الجزم بأن هذا الصراع سيمتد بأكثر مما توقعه الكثيرون، وأن المأساة السورية لن تتوقف ولن تتراجع، ولن تفرق بين سوري مؤيد أو معارض، سني أو علوي أو شيعي أو مسيحي، عربي أو كردي أو سرياني. والمؤكد أيضا أن هذا الصراع هو من نتائج عيوب خطيرة وعميقة في النظام العالمي الجديد الذي نشأ بعد سقوط السوفييت. وليس الساحة السورية والسوريين سوى أول الضحايا لهذا النظام العالمي الفوضوي بعمقه.
للمزيد:








