علاء الخطيب
12/09/2022
لتنزيل الدراسة كملف PDF انقر هنا
المحتويات
مقدمة
العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط السوفييت
مقدمات الحرب الباردة الثانية
ظلال الحرب الباردة الثانية
الشرق الأوسط والحرب الباردة الثانية
ملف سوريا المؤجل في صراع الحرب الباردة الثانية
خاتمة
مقدمة
اشتعلت الصحف والتحليلات السياسية عربيا وغربيا خلال العقد الماضي حول انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من عدة مناطق حول العالم، أهمها منطقة الشرق الأوسط، وكُتب الكثير حول الفراغ ومن سيملؤه في الشرق الأوسط. وبناء على ذلك فُسرت كثير من التحركات الجيوسياسية على أنها محاولات ملء الفراغ بعد خروج المارد الأمريكي. وكانت سوريا في صلب هذه النقاشات والاستدلالات حين اعتُقِد أن الليونة الشكلية للسياسة الأمريكية هي بداية الانسحاب الأمريكي من المنطقة، وزاد هذه القناعة مع محاولات ترامب للانسحاب من سوريا، وأيضا انسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان وإعلان نية الانسحاب من العراق.
لكن كما يبدو فإن الولايات المتحدة الأمريكية بإدارتها الجديدة مع الرئيس الأمريكي جو بايدن لها نظرة مختلفة لا تعكسها التصريحات السياسية فقط، التي لا يمكن الركون لصدقيتها دائما، بل أيضا السياسات الخارجية. بكل الأحوال فقد قالها بايدن في مؤتمر القمة مع قادات عرب في السعودية الشهر الماضي؛ لقد قال بوضوح وبجزم: “لن نرحل ونترك فراغا تملؤه روسيا أو الصين أو إيران، الولايات المتحدة الأمريكية لن ترحل لأي مكان“[i].
لعل سوريا والصراع المحتدم فوقها بين مختلف الحكومات والدول لم يظهر بوضوح من خلال التصريحات، لكنه مقيم في قلب هذا المساومات والاصطفافات الجديدة التي بدأت في سوريا ويريد لها بايدن أن تصبح واضحة وحاسمة ضمن الفوضى العالمية المستمرة منذ بداية الألفية الثالثة.
العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط السوفييت
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن العشرين، وبالتالي انهيار الكتلة الشرقية، وانتهاء الحرب الباردة التي وسمت الحراك الجيوسياسي عبر العالم خلال النصف الثاني من القرن الماضي، احتفل المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة بانتصاره واحتلاله لمنصب الأقوى والأغنى والأكثر تقدما علميا وتكنولوجيا، فكان عالم القطب الواحد الأمريكي.
افتتحت الولايات المتحدة الأمريكية العصر الجديد بحرب تحرير الكويت من غزو صدام حسين[ii] التي انطلقت عملياتها العسكرية عام 1991. وقد كانت تلك الحرب بأحد أهم نتائجها إعلان للقوة الأمريكية عالميا، حيث أصبحت القوات الأمريكية ضامنة لأمن أهم منطقة مصدرة للطاقة في العالم، وبالتالي برهنت الولايات المتحدة الأمريكية عمليا على قدرتها وهيمنتها العسكرية على العالم، وبالتالي فهم العالم أنها مستعدة وقادرة على الحركة العسكرية حسبما تراه يناسب مصالحها. ثم اتضحت أهمية ومحورية القوة الأمريكية العسكرية في أنها كانت الوحيدة القادرة على إنهاء الحرب اليوغسلافية[iii] التي استمرت 10 سنوات في وسط أوروبا.
على المستوى الاقتصادي، بدأ المعسكر الغربي بفرض رؤيته للاقتصاد العالمي من خلال اتفاقيات تحرير التجارة الدولية وما صاحبها من تأسيس ودعم للمنظمات الاقتصادية الدولية لضمان انتقال العالم إلى ما تم تسميته النظام العالمي الجديد؛ الذي استطاعت من خلاله الولايات المتحدة الأمريكية تصدير النظام النيو ليبرالي الاقتصادي[iv] إلى كثير من دول العالم بما في ذلك الاتحاد الأوروبي.
صعد المحافظون الجدد[v] الأمريكيون في نهاية القرن الماضي بقيادة جورج بوش إلى البيت الأبيض ليجنوا ثمار انتصارات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية والاقتصادية في تسعينات القرن الماضي، حيث كانت الساحة الدولية ببداية الألفية الثالثة خالية من أي منافس حقيقي للأمريكيين لا اقتصاديا ولا عسكريا ولا سياسيا. فروسيا كانت ما تزال تعاني الأمرين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وفترة الفوضى العارمة في عقد التسعينات؛ والصين كانت ما زالت تصعد بهدوء وصمت وبدون إثارة توترات حقيقية. في ظل هذه الظروف انطلقت سياسة المحافظين الجدد، المُعنوَنة بشعار “القرن الأمريكي”، عسكريا لشن حرب أفغانستان 2001، وحرب غزو العراق 2003، واقتصاديا لمتابعة توسيع فروض تحرير التجارة وحرية حركة الرأسمال.
أدت سيطرة اتفاقيات تحرير التجارة الدولية عالميا، وتوسع النيو-ليبرالية الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الصاعدة اقتصاديا إلى الأزمة المالية العالمية 2008-2009، والتي كانت أكبر الصدمات التي أصابت العالم ما بعد انهيار السوفييت، وجرس الإنذار الأكبر حول بنية النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.
على الرغم من عدم نجاح الولايات المتحدة الأمريكية في تحقيق أهدافها في حربي العراق وأفغانستان، والأزمة المالية العالمية، إلا أن الولايات المتحدة لم تتخلَ عن هدفها بزعامة عالم القرن21، لكنها انتقلت إلى سياسة جديدة مع باراك أوباما، الذي بدأ حقبته بإعلان استراتيجية المحور الباسيفيكي، التي تتضمن بجوهرها هدف “استمرار الزعامة الأمريكية للعالم في القرن21”[vi]. وبقيت الصين في مركز هذه الاستراتيجية باعتبارها المنافس الأكبر والأخطر على الزعامة الأمريكية للعالم.
أثبتت سياسة المحافظين الجدد أن اليد العسكرية الأمريكية الضاربة لا تضمن نجاح مستقبل الاستراتيجية الأمريكية، فكان توجه أوباما نحو سياسة الاحتواء والعمل الديبلوماسي، وعدم الدخول بصدام مباشر إلا كحلٍ أخير، لم يلجأ له حتى عند احتلال روسيا لجزيرة القرم عام 2014.
استمر أوباما في التركيز على تحسين العلاقات مع الصين من خلال ثلاث زيارات للصين، فكان ثاني رئيس أمريكي بعدد الزيارات للصين بعد بوش[vii]؛ كذلك أطلق سياسة أكثر انفتاحا ومرونة اتجاه إيران لإيجاد حل ديبلوماسي للأزمة النووية معها، اعتمدت على سياسة طويلة النفس لتحقيق الاتفاق النووي مع إيران عام 2015[viii].
وعلى المستوى العربي، وبعد الربيع العربي، حرصت إدارة أوباما على ضمان انتقال شبه سلمي للسلطة في مصر، الدولة الأكبر والأكثر أهمية في المنطقة. بينما فضلت عدم الدخول بصدام مباشر مع إيران وروسيا في سوريا وبالتالي سلمت الملف السوري لحلفائها في المنطقة، دول الخليج العربي وتركيا، وحافظت على سياسة الاحتواء وإدارة الصراع[ix] في سوريا نظرا لأهمية الملف السوري كأول منطقة تشهد ما يُسمى الحروب بالوكالة [x]Proxy Wars، وما يمكن أن يؤدي له الصراع فوق سوريا من تأثير على مصالح الحلف الثلاثي الصين وروسيا وإيران[xi].
كما ذكرنا سابقا، لم يحاول الاتحاد الأوروبي الناشئ في بداية الألفية الثالثة مقاومة الانتقال للنيو ليبرالية الاقتصادية، وبقي سياسيا واقتصاديا وعسكريا مرتبطا بالولايات المتحدة الأمريكية ومشاركا لها في منافسة صعود الصين الاقتصادي السريع والكبير، وكذلك شريكا لها في ملء الفراغ الاقتصادي بعد انهيار السوفييت في روسيا الاتحادية ودول أوروبا الشرقية. واستفاد الاتحاد الأوروبي، مثل الأمريكيين، من الثمار الاقتصادية السريعة للنظام العالمي الجديد، والتي لم تنعكس بشكل عادل نسبيا على الشعوب الغربية، مقارنة بما كانت الحال في النصف الثاني من القرن العشرين. فكانت الأزمة المالية أيضا زلزالا هز الاتحاد الأوروبي، الذي تعامل بنفس الطريقة الأمريكية في تجاوز الأزمة المالية، فلجأ أيضا لحلول مؤقتة أشبه بترقيع الكسور والجروح الاقتصادية.
على وقع هذه التغيرات والأزمات والاستعجال الغربي للمحافظة على سيطرته عالميا، شهد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية صعودا سريعا نسبيا لليمين المتطرف، تكلل بوصول دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة بقوة في دول أوروبا الغربية، وسيطرتها على حكم بعض دول أوروبا الشرقية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
على الرغم من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استطاع إعادة تنظيم روسيا الاتحادية كدولة وارثة للاتحاد السوفييتي السابق، فأنهى كابوس حربي الشيشان[xii] المستمرة منذ 1994، وأزمة جورجيا[xiii]؛ وكذلك استطاع قيادة الاقتصاد الروسي للصعود القوي والسريع، بعد الانهيارات المريعة في عقد التسعينات؛ إلا أنه كزعيم أوحد لروسيا الفيدرالية وقع بما يقع به كل زعيم شمولي من أخطاء. فبقي الاقتصاد الروسي اقتصادا ريْعيا يعتمد بشكل أساسي على الثروات الطبيعية الروسية، وخاصة النفط والغاز الطبيعي، وعلى حركة الاستثمارات الأجنبية؛ ولم يحاول تأسيس دولة حديثة مؤسساتية ديمقراطية حقيقية تستطيع الدخول بتنافس حقيقي مع القوى الاقتصادية الكبرى، الغرب والصين، وببنية داخلية متماسكة وقوية وديناميكية. ناهيك عن جموحاته الشخصية غير المحسوبة التي بدأت باحتلال جزيرة القرم عام 2014.
توجه بوتين لتعزيز علاقات روسيا مع الصين وإيران وتركيا، حيث تشترك الدول الأربعة في جوار دول آسيا الوسطى التي تشكل بالنسبة لكل هذه الدول هاجسا وخطرا محتملا على أمنهم القومي بسبب الأزمات والمشاكل الكثيرة التي تواجهها هذه الدول. بالإضافة لذلك فإن روسيا تشترك مع إيران والصين في موقف معادٍ أو شبه معادي للحلف الغربي، والثلاثة يرون أنفسهم كأهداف مستمرة “للعدوانية” الغربية.
لكن بوتين أساء قراءة الحركة الجيوسياسية الغربية والأمريكية، وظن مثل كثيرين أنها اللحظة المناسبة للقفز خارج روسيا لملء ما بدا أنه فراغ أمريكي. وقد ثبت مبدئيا له أن هذه التقديرات صحيحة، خاصة بعد أن لمس أن معارضتهم لاحتلال جزيرة القرم كان أضعف مما توقع، وبعد أن لجأت إدارة أوباما إليه لإيجاد حل يحفظ ماء الوجهة الأمريكي ولا يورط إدارة أوباما عسكريا في سوريا بعد الهجوم الكيماوي الذي شنه نظام بشار الأسد على الغوطة عام 2013. بناء على هذه النجاحات قرر بوتين في عام 2015 توسيع الوجود العسكري الروسي حول العالم، واختبار ما بناه خلال عقد ونصف في روسيا على أرض الواقع، فكان أن قرر التدخل عسكريا في سوريا لتثبيت حليفه بشار الأسد، بعد أن فهم أن الأمريكيين لا يمانعون بذلك، بالإضافة لفرض يده العليا على التحالف المصيري لروسيا والصين من باب القوة العسكرية، فالصراع على سوريا أصبح ذا أهمية استراتيجية كبيرة لكل الدول المتورطة في سوريا.
تضخمت طموحات بوتين مع شركائه في السلطة التي بناها في روسيا مع وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض[xiv] عام 2016، والذي أظهر بشكل واضح دعمه لسياسة بوتين وحمايته داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية. لذلك كان التغيير الكبير في الإدارة الأمريكية مع قدوم بايدن[xv] تحديا كبيرا لخطط بوتين، فقرر خوض مغامرة عسكرية ثانية في أوكرانيا في بداية هذا العام، قبل أن تستطيع الإدارة الأمريكية الجديدة الخروج من مرحلة إصلاح ما أفسده ترامب. لكنه وجد نفسه متورطا بمستنقع حرب طويلة في أوكرانيا، وتحت عقوبات أمريكية وغربية هي الأقسى منذ سقوط السوفييت. فأفضل ما يمكن أن يصف مغامرة الرئيس الروسي بوتين في حربه الأخيرة على أوكرانيا هي مقولة: حسابات البيدر غير حسابات الحقل.
أما الصين فقد تنفست الصعداء مع خروج ترامب من البيت الأبيض، الذي خلق فوضى عارمة في العلاقات الأمريكية الصينية، فوق الفوضى التي كانت تسود السوق العالمي منذ بداية الألفية؛ رغم أن بايدن ليس رجلها المفضل مثلما كان أوباما، لكنه يبقى الأفضل للصين.
لكن غزو بوتين لأوكرانيا وضع الصين أمام خيارات صعبة مثل غيرها من دول. وقد قررت الصين، كما اعتادت خلال عقود، أن تستفيد من الشقاق الروسي الغربي وتلعب بين الطرفين. فتوجهت لعدم اتخاذ أي موقف حاسم وواضح من تلك الحرب، مما أغضب بايدن والحكومات الغربية.
أتت الأزمة الروسية الأوكرانية بعد أزمة كوفيد-19، حيث كانت الصين أقل الخاسرين نسبيا بسبب تلك الأزمة، فكانت تشعر بنفسها أنها بلغت مرحلة كبيرة من القوة الاقتصادية مقارنة بالغرب، وبالتالي اعتقدت أن قوتها الاقتصادية تضمن لها انتهاج السياسة التي تراها مناسبة أكثر دون أن يملك الغرب أدوات كافية للضغط عليها مثلما فعل مع روسيا. لذلك ورغم عدم تأييدها لحرب روسيا في أوكرانيا إلا أنها استغلت الفرصة لابتزاز الغرب سياسيا وإعلاميا وتحميله المسؤولية الأولى عن تلك الحرب.
مقدمات الحرب الباردة الثانية
اعتقد الكثيرون أن بايدن وحلفاء الولايات المتحدة الغربيون سيتراجعون أمام ضغط الأزمة الاقتصادية، وأزمة الطاقة، التي فجرها غزو بوتين لأوكرانيا في العالم. ولهذا الاعتقاد ما يبرره من حيث المبدأ كحسابات ربح وخسارة مباشرة على المستوى الاقتصادي. لكن على ما يبدو أن إدارة بايدن وعديد من حلفائه الغربيين لا يرون ذلك الرأي.
وضعت حرب بوتين في أوكرانيا الغرب بقيادة أمريكا أمام خيارين أساسيين:
- الخيار الأول هو انتهاج سياسة مشابهة لما انتهجوه بعد احتلال جزيرة القرم. أي تطبيق مزيد من العقوبات الاقتصادية على روسيا، وشن حرب سياسية إعلامية منددة بالغزو الروسي، واستيعاب اللاجئين الأوكرانيين، والدخول بنفق المناورات السياسية والمفاوضات والمقايضات السياسية.
- الخيار الثاني هو الانتقال إلى سياسة هجومية حاسمة على المستوى الاقتصادي والسياسي، وجعل طرق العودة شبه مستحيلة أمام بوتين ونظامه. فيزيد الغرب العقوبات الاقتصادية على روسيا إلى أكبر المستويات الممكنة، مما سيؤدي لخنق الاقتصاد الروسي؛ وبنفس الوقت يقدم الغرب دعما لوجيستيا وعسكريا كبيرا لأوكرانيا لمواجهة الحرب الروسية دون التورط المباشر بتلك الحرب؛ ورفع وتيرة الهجوم السياسي لمستوى النبذ شبه الكامل للحكومة الروسية.
لقد كان واضحا أمام القادة الغربيين أن الخيار الأول سيكون بالواقع عملية إنقاذ لبوتين من التورط في المستنقع الأوكراني، فروسيا تاريخيا معتادة على المناوشات والأزمات مع الغرب، في عهد السوفييت وما بعده، وبنفس الوقت سيرسخ من قوة بوتين وتأثيره حتى مع الخسائر الاقتصادية التي يمكن تجاوزها على الجانب الروسي.
أما الخيار الثاني فهو يمثل البطاقة الحمراء أمام أطماع بوتين، وبنفس الوقت إعادة ترسيخ لقوة ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عالميا. وهنا الثمن سيكون كبيرا بالنسبة للغرب، لكن سيبقى ثمنا يمكن تسديده من قبل هذه الدول، لأن الثمن سيكون اقتصاديا بشكل أساسي، فالتدخل العسكري المباشر في أوكرانيا ليس وارداً غربيا. وعلى المدى الطويل وخاصة بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية فمن الممكن لها أن تعوض خساراتها الاقتصادية.
مقاييس الربح والخسارة ليست دائما اقتصادية فقط، فعلى المدى الطويل المرابح الاقتصادية بالمقارنة بين الخيار الأول والثاني ليست ذات قيمة عالية تبرر التراجع الجيوسياسي أمام خطط بوتين الجامحة لفرض وجوده عسكريا. من ناحية ثانية كان هذا التصعيد في أوكرانيا الصدمة اللازمة لكي يدرك صانعوا القرار الأوربيين فداحة أخطائهم، وضرورة معالجتها وبسرعة وبشكل استراتيجي، خاصة أخطاء السياسة الأوروبية الاقتصادية مع روسيا بغض النظر عن التوتر أو التأزم السياسي مع روسيا.
فمثلا، من أهم المبادئ الحاكمة للاستراتيجيات الاقتصادية السياسية هي تحقيق الأمن الاقتصادي وأهمها أمن الطاقة والأمن الغذائي. ومن ضمن أساسيات تحقيق هذا الأمن هو توزيع مصادر التوريد إن لم يكن الإنتاج المحلي كافيا، بحيث لا يمكن لمُورِّد واحد أن يمتلك القدرة على استخدام يده العليا اقتصاديا لفرض مواقف على الطرف المًستورِد، خاصة إن كان المُورِّد ليس على علاقات سياسية مستقرة والطرفان لم يؤسسا لعلاقة ثقة بينهما. ولعل أكثر ما اشتُهر على مستوى التحليل والنقاش هو ارتهان إمدادات الطاقة الأوروبية للصادرات الروسية، حيث بلغت حصة الغاز الطبيعي الروسي أكثر من خمسيْ الغاز الطبيعي المستورد في الاتحاد الأوروبي، وببعض الدول مثل ألمانيا تجاوز نسبة النصف. اعتماد مصادر تزويد الطاقة على الطرف الروسي بهذا الشكل كان خطأً كبيرا من ناحية أمن الطاقة الذي لا يجب أن تقع به دول متقدمة وغنية مثل دول الاتحاد الأوروبي.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فهي ليست مرتهنة اقتصاديا لروسيا مثل حال الأوروبيين، وخسائرها الاقتصادية ستكون أقل من الأوروبيين، وبالتالي وكونها الأقوى في الصف الغربي وصاحبة الكلمة العليا ضمن الحلف الغربي، فأسباب المواجهة مع روسيا أصبحت أقوى.
من ناحية ثانية، وجود بايدن في البيت الأبيض فرض حالة تنافر مع روسيا بزعامة بوتين، حتى قبل غزو بوتين لأوكرانيا، بسبب مواقف متشددة لبايدن ضد بوتين منذ أن كان نائبا لأوباما، وقد عبر عن موقفه الشخصي عدة مرات من خلال وصفه لبوتين بأنه “ديكتاتور[xvi]” وأيضا قوله عنه أن “لا روح عنده[xvii]“. بعد دخول بايدن للبيت الأبيض كرئيس أمريكي، لانت مواقف بايدن تجاه روسيا، لكنها بقيت غير ودية اتجاه روسيا وخاصة بوتين، وبشكل أساسي بسبب غضبه الشديد من تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهو موضوع كان من بين المواضيع الأساسية التي أثارها مع بوتين في أول مكالمة هاتفية لهم بعد أسبوع من استلامه لمنصب الرئاسة رسميا.
إذا فقدت العلاقات الأمريكية الروسية مع بايدن حرارتها التي رافقت فترة ترامب، وأيضا تجاوزت بتوترها وبرودها مرحلة أوباما. وبكل الأحوال كان هم بايدن الأساسي على المستوى الخارجي هو إعادة ترميم علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها التاريخيين التي تعرضت لهزات قوية مع ترامب؛ وكذلك إعادة العلاقات إلى مستواها ما قبل ترامب مع الصين. فبالمحصلة روسيا وضمن واقع المصالح الأمريكية المرتكزة على العلاقات الاقتصادية روسيا تأتي ثالثا من حيث الأولويات الأمريكية.
لمجمل هذه الأسباب، ولكون بوتين تجاوز الخطوط الحمراء بشن حرب عسكرية كبيرة ضد دولة أوروبية أولا، وضد دولة ذات سيادة ثانيا، توجه بايدن وبدعم من القادة الغربيين للخيار الثاني وهو عدم التنازل أمام رغبات بوتين الجامحة في فرض الأمر الواقع على أوروبا والغرب بالقوة المسلحة.
في نفس الوقت من الواضح أن لا بايدن ولا أياً من القادة الغربيين يريدون المخاطرة بأي مواجهة مباشرة عسكرية مع بوتين كي لا تنفلت المعارك من عقالها لحرب أوسع، والتي لن تكون حكما بمصلحة الغرب، لأنها قد تؤدي لحرب عالمية ونووية لا منتصر بها.
هذه السياسة الأمريكية الغربية قابلت كما كان متوقعا تشدداً روسيا أكثر، ورفضاً من قبل بوتين للتراجع عن حربه ومطالبه في أوكرانيا، على الأقل حتى الآن وغالبا على مدى الشهور وربما السنوات القليلة القادمة.
بتتبع حركة الإدارة الأمريكية نجد أنها بدايةً حرصت على تأكيد التزاماتها مع حلفائها الأوروبيين، واستعدادها لدعمهم اقتصاديا وطاقيا لمواجهة تبعات المقاطعة الاقتصادية. هذه الجهود بالإضافة للجهود المنصبة على حرب أوكرانيا نفسها استغرقت من بايدن وإدارته فترة عدة شهور منذ بداية الحرب. حيث اكتفى القادة الغربيون بتلك المرحلة بالتصريحات الرسمية والإعلامية لحشد موقف دولي أوسع ضد روسيا. لكن واقع الحال الدولي لم يكن كما يشتهي صناع القرار الغربيون.
اختلفت مواقف الدول حول غزو روسيا لأوكرانيا. فبقيت الصين، كما أشرنا سابقا، ضمن سياستها السابقة القائمة على السير بين الطرفين، فلا هي أعلنت تأييدها للغزو الروسي، بل بالعكس رفضته من حيث الشكل؛ لكنها أيضا لم تقف ضده بحزم بل حملت مسؤولية تلك الحرب على الجانب الغربي، ورأت حرب بوتين مبررة لحد كبير أمام سياسة الغرب التوسعية والطامعة. لقد أرادت الصين استغلال الموقف لمصلحتها ما بين ابتزاز الغرب سياسيا، وما بين زيادة اعتماد روسيا على الدعم الصيني وخاصة الاقتصادي، والذي بالمحصلة سيرسخ معادلة أن اليد العليا بين الدولتين هي للصين.
وجدت الهند بقيادة حكومتها اليمينية المتطرفة أن ترسيخ علاقتها بروسيا أهم لها من الدخول بمواجهة مع روسيا لحساب الموقف الغربي. بالإضافة لذلك فإن التوتر التاريخي المستمر بين الهند والصين وضع دافعا كبيرا عند الهند للوقوف مع روسيا كي لا يتحول موقف الصين الداعم لروسيا إلى نقطة قوة صينية ضدها، خاصة وأن الغرب أبقى نفسه لعقود خارج موازين هذا التوتر.
أما في الشرق الأوسط؛ وبعد أن خاب أمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أخذ دعم روسي أكبر لرؤيته حول الأزمة المستمرة في سوريا، والتي تتلخص في وضع الشريط الحدودي السوري الشمالي تحت إشراف تركيا بهدف تحديد قوة الأحزاب الكردية السورية المناوئة لتركيا؛ بالإضافة لخيبة أمل الحكومة التركية بموقف روسيا المعارض لموقفها في أزمة أذربيجان وأرمينيا، وفي ليبيا أيضا. بالاتجاه الآخر تركيا أيضا تحركت وفق مصالحها إبان غزو روسيا لجزيرة القرم عام 2014، فأدانت الغزو، وحافظت على علاقات جيدة جدا بالحكومة الأوكرانية كدولة مجاورة لها على البحر الأسود.
لذلك كان الموقف التركي من الأزمة الروسية الأوكرانية ميالا إلى الموقف الغربي أكثر، لكنها حافظت سياسيا وديبلوماسيا على شكل الوسيط الحيادي ضمن هذه الأزمة. ناهيك عن أن الغربيين وباستقرار المنظور الاستراتيجي لهم مع بايدن أصبحوا أكثر حاجة لعلاقات أفضل مع تركيا في مواجهة الغزو الروسي لتركيا.
تباينت مواقف الدول العربية من الأزمة الروسية الأوكرانية، وإن غلب عليها الميل للموقف الروسي، على الأقل إعلاميا، وخاصة من طرف مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة؛ بل إن حكومتي السعودية والإمارات لم تبديا ترحيبا بل تمنعتا عن تعويض سوق الطاقة العالمي بسبب اهتزازته نتيجة تصاعد الأزمة الروسية الأوكرانية. بينما حافظت قطر على حيادية أكثر استقرارا نوعا ما.
ظلال الحرب الباردة الثانية
توقع الكثيرون أن الإدارة الأمريكية ستتراجع في مواقفها أمام مطالب دول الخليج العربي، خاصة السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأمام الصين بهدف ضمهم لحلفها ضد الحرب الروسية. لكن زيارة بايدن للسعودية والقمة التي عقدها مع عدد من زعماء الدول العربية[xviii] أبرزت أن بايدن قدم أقصى ما يراه مناسبا وهو تطبيع العلاقة الشخصية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأن رفض السعودية أو تمنعها عن زيادة الإنتاج النفطي لن يجبر بايدن على تلبية المطالب السعودية والإماراتية المتمحورة حول طلبين أساسيين، أولهما هو موقف مؤيد بشكل حاسم لسياستهم في اليمن، والثاني موقف أكثر صلابة ضد إيران. لكنه بنفس الوقت أكد بشكل قاطع أن الأمريكيين لن ينسحبوا من الشرق الأوسط، نافيا بذلك كل الإشاعات التي تواترت منذ مرحلة رئاسة أوباما الثانية[xix].
أبرزت الإدارة الأمريكية عدم تقبلها لأي ابتزاز أو مقايضة من قبل الصين على أطراف الأزمة الروسية الأوكرانية من خلال تحركين سياسيين بالغيْ الأهمية أتيا خلال أسابيع. التحرك الأول كان زيارة رئيسة البرلمان الأمريكي[xx] النائبة الديمقراطية نانسي بيلوسي لتايوان في بداية شهر آب\أغسطس، وبذلك تكون بيلوسي أعلى مستوى سياسي لشخصية سياسية أمريكية تزور تايوان خلال الخمس وعشرين سنة الماضية؛ والتحرك الثاني كان زيارة عدد آخر من المسؤولين والنواب الأمريكيين لتايوان[xxi] بعد ثلاث أسابيع من زيارة بيلوسي، والتأكيد على الالتزام الأمريكي بضمان سلامة وحماية تايوان. وضمن الأزمة المقيمة والمعقدة بين الصين وتايوان فإن هذه الزيارات بالإضافة لتواتر التواصل بين تايوان وأمريكا على كل المستويات بما في ذلك العسكرية، يؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تريد فقط استفزاز الصين إلى أقصى حد، بل تريد أيضا توجيه رسالة أمريكية واضحة للصين بأن الغرب لن يقبل بموقف صيني ضبابي يريد جنْيَ كل المرابح الاقتصادية والسياسية الممكنة من المواجهة الغربية الروسية، والتنصل من أي التزام واضح ضمن هذه الأزمة.
لكن التعامل مع الصين لحد المواجهة ليس بتكاليف المواجهة مع روسيا من وجهة نظر المصالح الأمريكية، لذلك فإن بايدن حرص على إطلاق استراتيجية جديدة موازية للحركة الديبلوماسية مع تايوان قد توجع الصين أكثر، وهي حرمان الصين من أن تكون مصنع العالم الوحيد أو الأهم للكثير من الصناعات الحيوية المطلوبة لسلاسل الإنتاج والتوريد. فأعلنت الإدارة الأمريكية مؤخرا عن تخصيص ميزانية ضخمة بلغت 280 مليار دولار[xxii] لدعم صناعة تقنيات الشرائح الالكترونية للتخلص من الاعتماد الهائل على الصين، وقد أعلنت الإدارة رسميا أن سياستها هذه تهدف للتخلص من التبعية الغربية للمصانع الصينية. وهذه قفزة استراتيجية ضخمة على مستوى البنية الاقتصادية في الغرب، بعد أن شعر الغرب بحساسية تعرض سلاسل الإنتاج والتجارة أن تكون محكومة بنسبة كبيرة من قبل الصين خلال أزمة كوفيد-19، حين اكتشفت الدول الغربية أنها لم تكن جاهزة حتى لتلبية حاجاتها المحلية من أقنعة التنفس، فاضطرت للجوء إلى الصين.
من المهم هنا الإشارة إلى أنه رغم التصريحات النارية للمسؤولين الصينيين بما خص الأزمة مع تايوان، إلا أن الجميع يدرك أن الصين ستفكر ألف مرة قبل القيام بأي مغامرة عسكرية غير مضمونة في تايوان. فرغم أن الصين أكبر وأضخم بكثير سكانيا واقتصاديا وعسكريا وجغرافيا من تايوان، التي للآن لم يتم الاعتراف بها دولة مستقلة في الأمم المتحدة، إلا أن واقع الحال يقول إن تايوان دولة حديثة ديمقراطية غنية مؤسساتية ومتقدمة تكنولوجيا وعسكريا، والأهم تحظى بدعم كبير من قبل الأمريكيين والغرب؛ لذلك فإن شن أي حملة عسكرية صينية ضد تايوان، حتى لو كان الانتصار نتيجتها، فإن التكلفة ستكون هائلة حتى مقارنة بالصين، وربما تؤدي للتورط بحرب طويلة كما حصل مع الأمريكيين والروس سابقا عندما غزو دولا أصغر وأضعف منهم بكثير.
ضمن هذه الزلازل الجيوسياسية والاقتصادية من الواضح الآن أن الدول الغربية مع حلفائهم التاريخيين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، يثقون بقوتهم الاقتصادية وغناهم ويريدون السير بالأزمة مع روسيا إلى منتهاها بما في ذلك التداعيات الاقتصادية لإعادة تشكيل السوق العالمي بما يضمن أمن هذه الدول اقتصاديا، وبنفس الوقت ينهي تهديد ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم، روسيا، عن أن تتربص الفرص لفرض سطوتها عسكريا.
هذه الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية ستكلف العالم تكاليف باهظة، اقتصادية وسياسية وإنسانية؛ لكن من سيدفع الثمن الأمَر هم الدول النامية والفقيرة بالإضافة لروسيا. أما الدول الغنية مع الصين فإنها خسائرها ستكون مؤلمة لكن قابلة للاحتواء والتجاوز، كما يرى أو يأمل القادة الغربيون.
بالمحصلة لا يبدو أن بايدن وإدارته، ومعهم القادة الغربيون، يريدون متابعة سياسة أوباما للاحتواء والمراقبة ومحاولة التوسط بالحلول، وبالتأكيد لا يريدون السير في سياسة ترامب المتقلبة والمزاجية. هم يريدون، وخاصة إدارة بايدن، من العالم أن يصطف بشكل واضح في أي خندق، مع أو ضد المعسكر الغربي أمام روسيا، وبالتالي العمل على حرمان من يريدون البقاء ضمن موقف حيادي أو ضبابي، أو الأقرب لروسيا، من جنيَ الأرباح نتيجة هذه المواجهة الروسية الغربية، وهي المواجهة الأشد والأكثر حجماً منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة.
الشرق الأوسط والحرب الباردة الثانية
من الواضح أن إسرائيل ملتزمة بتحالفها التاريخي مع الغرب، وقد أعلنت رسميا رفضها لحرب روسيا في أوكرانيا، لكنها بنفس الوقت أبقت على خيط التواصل الرفيع لكن المتين مع روسيا. وضمن هذه المناورة فالساسة الغربيون يقبلون هذا الموقف ولا يتوقعون أعلى منه.
أما تركيا، فإنها ورغم علاقاتها الممتازة مع أوكرانيا ورفضها لحربي روسيا على أوكرانيا، إلا أنها أيضا أبقت على علاقاتها بمستوى جيد مع روسيا. بكل الأحوال، كان دخول بايدن للبيت الأبيض الأمريكي ورحيل ترامب مصدر راحة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي لم يعرف كيف يتعامل مع مزاجيات ترامب، رغم بعض المكاسب التي جناها منه. وبتلك اللحظة توجهت تركيا والغرب لإعادة الدفء للعلاقات بين الطرفين بعد سنوات من التوتر والأزمات السياسية، وصلت إلى حد استيراد صواريخ إس-400 الروسية من قبل تركيا.
لقد أثبتت حرب روسيا على أوكرانيا حاجة تركيا والغرب لبعضهما البعض كحليفين استراتيجيين، فمن الواضح أن الخيار العسكري بالرؤية الروسية مع بوتين بات خياراً مفضلا أكثر فأكثر في صياغة علاقاته الدولية والإقليمية؛ وهذا سيشكل باعثا جديا لقلق الطرفين في حال نجح بوتين بالنهاية في فرض سياسته في أوكرانيا، لذلك فإن تقارب تركيا مع الغرب أمر حتمي من الناحية الاستراتيجية للطرفين، والحكومة التركية كما يبدو باتت على يقين من ذلك.
لكن ما زالت تركيا تريد من الغرب دعما أكبر في أعقد ملف تواجهه قرب حدودها وهو الملف السوري، حيث لم يتغير الموقف الأمريكي والغربي من موضوع المواجهة المستمرة مع الأحزاب الكردية السورية المناوئة لتركيا، ولا من خطة أردوغان لفرض مظلة تركية على الشمال السوري. لذلك تتحرك تركيا في هذه الشهور لبذل المحاولات الأخيرة مع روسيا وإيران لدعم خطتها في سوريا؛ لكن مع إدراك روسيا وإيران أن تركيا ستبقى حليفا قويا للغرب، وأنها تقاربت مع الغرب على وقع حرب أوكرانيا، فمن الصعب تخيل أن الحكومة التركية ستحظى بما تريد من دعم من قبل روسيا وإيران.
حاولت إيران ببداية الحرب الروسية على أوكرانيا أن تقف بعيدا قليلا عن روسيا على أمل اكتساب تقارب ما مع الغرب، لكن تصاعد الأزمة فرض على النظام الإيراني أن يخرج بموقف واضح يلتزم بالتحالف مع روسيا وتأييد تلك الحرب، خاصة وأن مفاوضات الملف النووي لم تقدم آفاقا إيجابية من وجهة نظر إيرانية. بكل الأحوال إيران مرتبطة استراتيجيا وفق سياسة نظامها الحاكم بتحالف الضرورة مع روسيا والصين، وبعلاقات تفاهم جيدة مع تركيا[xxiii].
رغم أن السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر لم يعلنوا موقفا مؤيدا لروسيا في حربها على أوكرانيا، إلا أن موقفهم بقي ميالا للناحية الروسية، وهو ما أغضب الأمريكيين والغربيين. وقد ظهرت أهمية موقف دول الخليج في أزمة الطاقة مما زاد من إحساس الساسة الغربيين بخطورة الموقف العربي والخليجي العربي، لكن بنفس الوقت ورغم صعوبة الأزمة الاقتصادية والطاقية إلا أن أوروبا الغربية والحلف الغربي قادرون بالمحصلة على تجاوز أزمة الطاقة، لكن السؤال هل هذا الموقف السعودي الإماراتي سيكون بمصلحة هذه الدول على المدى المتوسط والبعيد، خاصة مع زيادة أزمة الثقة بين الغرب وبينهم؟
لعل قطر كانت الأكثر حذرا في موقفها من الصدام الغربي الروسي، فحاولت الاحتفاظ بموقف محايد وبعيد عن تأييد روسيا، لكن ليس بمواجهة حادة مع روسيا، وهذا على ما يبدو كان كافيا لإرضاء الطرف الأمريكي.
ملف سوريا المؤجل في صراع الحرب الباردة الثانية
لم يشكل الملف السوري أولوية في الرؤية الأمريكية مع بداية حكم إدارة بايدن للبيت الأبيض[xxiv]، لكن الصدام المتصاعد مع روسيا أعاد الملف السوري ليحتل موقعا أكثر أهمية في الرؤية الأمريكية، وزاد من تراجع إدارة بايدن عن سياسة الاكتفاء بإدراة الأزمة التي تم انتهاجها منذ رئاسة أوباما[xxv]، ومنح روسيا حرية كبيرة نسبيا في التحكم بالصراع فوق سوريا.
بكل الأحوال لا يعني ذلك أن الإدارة الأمريكية تعمل على تعجيل إيجاد حل نهائي في سوريا، لكنها لن تسمح لروسيا باستثمار نفوذها في سوريا لصالح الصدام الأمريكي الروسي في أوكرانيا. وقد ظهر واضحا أن الولايات المتحدة الأمريكية عادت للتصلب أمام روسيا وإيران في سوريا من خلال الأحداث الأخيرة مثل الضربة العسكرية الأمريكية الأخيرة داخل سوريا والتي تكلم عنها بايدن شخصيا؛ ولهذه الضربة العسكرية وتعليق بايدن[xxvi] عليها رسالة واضحة لنظامي روسيا وإيران تؤكد أنهما يجب ألا يعتمدا على التفاهمات السابقة مع الأمريكيين.
هذا الموقف الأمريكي أيضا لم يجد رضا عند الحكومة التركية، فما زالت إدارة بايدن لا توافق على رؤية أردوغان لشمال سوريا، وبالتالي التخلي عن حلفائها في منطقة الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطي. لذلك فإن تحركات تركيا ما بين روسيا وإيران وحتى إرسال الرسائل لنظام الأسد لا يخرج عن محاولة إيجاد سبيل آخر لتحقيق الرؤية التركية، قبل أن تتصاعد الأزمة العالمية وبالتالي تضطر تركيا لمسايرة الرؤية الغربية أكثر. لكن هذا الحراك السياسي التركي لن يصل لنتيجة مرضية لتركيا، لإن تركيا حاولت سابقا عندما كانت روسيا وإيران بموقع أقوى مقارنة بحالهما الآن تحت ضغط توتر علاقاتهما مع الغرب إلى حد غير مسبوق.
كذلك فإن روسيا وإيران تريان أهمية أكبر الآن لسوريا من باب مواجهتهما مع الغرب، لكن مع تصاعد الصراع خلال هذه السنة مع الغرب، النظامان فقدا إمكانية بسط سلطتهما عبر نظام الأسد وبالتفاهم مع السياسة الأمريكية كما بدا أنه كان ممكنا قبل سنة.
أما في سوريا، فقد كان بشار الأسد من أوائل من أعلن تأييده الكامل لحرب بوتين على أوكرانيا[xxvii]، وبالتالي قطع آخر خيط، مهما كان واهنا، مع الغرب. ولم يكتفِ بذلك بل أيضا أرسل نظام الأسد آلاف المقاتلين السوريين التابعين له إلى أوكرانيا لمساندة الجيش الروسي، وبالتالي توريط هؤلاء المقاتلين بالأعمال الخطيرة والقذرة في تلك الحرب.
لم تتغير سياسة مؤسسات وهيئات المعارضة السورية خلال هذه الزلازل التي تهز العالم وتقسمه إلى قسمين، فما زالت بعيدة عن الصراع الدولي عموما، وحتى الصراع الدولي المحتد فوق سوريا. فلا يمكن التعويل على هذه الهيئات في اتخاذ أي خطوات، حتى لو شكلية، لإعلان موقف حاسم وقاطع في هذا الصراع[xxviii]، ولا للاستفادة من بوادر الحرب الباردة الثانية.
خاتمة
السياسة الأمريكية مع حلفائها تتجه إلى السير بالأزمة التي فجرتها حرب بوتين على أوكرانيا إلى مداها الأقصى دون التورط بمواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، وبنفس الوقت لا تريد السماح لجهات آخرى أن تستفيد من اللعب على الحبلين بين الغرب وروسيا وجني أرباح سهلة لهذه الصراع. فعلى ما يبدو أن التحركات الأمريكية تسير إلى إطلاق حرب باردة ثانية تقسم العالم ما بين مؤيد للسياسة الروسية بقيادة بوتين ونظامه وما بين الغرب. وهذا ما أظهرته صلابة موقف إدارة بايدن مع الصين ومع دول الخليج العربي، واستعدادها لأخذ كل المخاطر الكامنة للأزمة الاقتصادية العالمية. بشكل أو آخر السياسة الأمريكية مع حلفائها تتوقع من بقية دول العالم تحديد مواقف إما معنا أو ضدنا. وسيكون الموقف الصيني هو أهم المحددات التي ستزيد أو تقلل من مخاطر اشتعال هذه الحرب الباردة، وهذا الموقف لم يتضح لحد الآن من الجهة الصينية على الأقل.
على مستوى منطقة الشرق الأوسط يبدو أن تركيا وإسرائيل وقطر يسيرون بمسار أقرب للغرب، وأكثر توازنا أمام احتمالات هذا الصراع. أما السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر فعلى ما يبدو ما زالوا لم يصلوا لرؤية واضحة تجنبهم السقوط بفخ اختيار الطرف الأضعف.
لم تكن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية والغرب يوما في مصلحة الشعوب، وبالعقود الأخيرة ولم تكن حتى بمصلحة شعوبها؛ ولا يمكن إنكار أو التغاضي عن دور هذه السياسات في ترسيخ أزمات هذه المنطقة، وتعقيد الحالة السورية، بل وصدّ الثورة السورية بوجهها وعمقها الوطني والديمقراطي الذي سيطر في بداية الثورة. لكن، وبما أن سوريا يزداد ارتهان مصيرها لتطورات الصراع الدولي، فإن الواقعية السياسية، ومقارنة سياسة نظامي روسيا وإيران في دعم نظام الأسد مع سياسات الحكومات الغربية، وميزان القوى الدولي يقولون إن الخندق الأقوى والذي يسيطر على الساحة الدولية هو الطرف الغربي بقيادة أمريكية، والمغامرة بالانحياز للموقف الروسي هي سياسة شديدة الخطورة على الدول، وعلى موقع الثورة السورية التي تم فرض تمثيلها عليها بمؤسسات وهيئات المعارضة. موازين الصراع تميل لمصلحة الغرب وموقف الحياد بهذه الحالة لكثير من القوى السياسية، وللمعارضة السورية هو موقف خطير وغير قادر على المبادرة ولا محاولة اكتساب أية مرابح تساعد مستقبلا في الوصول للحل النهائي في سوريا.
لقد كانت سوريا أول دولة تشهد حربا بالوكالة بهذا الحجم والتعقيد والتداخل بين مصالح الدول الكبرى والدول الإقليمية في واحدة من أهم المناطق في العالم. وقد دفع السوريون الثمن الأقسى والأكثر مأساوية لهذا الصراع الدولي. وكانت أوكرانيا هي الدولة الثانية لحرب الوكالة الثانية الأكبر خلال عشر سنين فقط، وعلى وقع هذين الصراعين بدأت بوادر الحرب الباردة الثانية التي ستعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية الدولية.
لمتابعة الورقة كفيديو
——————–
[i] مقولات الرئيس بايدن في قمة مجلس التعاون الخليجي+3، موقع البيت الأبيض الأمريكي، 16/07/2022
[ii] في 2 آب/ أغسطس سنة 1990 غزت قوات صدام حسين الكويت بعد إشكالات شكلية حول حقول النفط بين العراق والكويت.
[iii] سلسلة من الصراعات العرقية والعصيان وحروب الاستقلال المنفصلة، وحدثت على أرض يوغسلافيا سابقًا في الفترة بين عامي 1991 و2001، مما أدى إلى انقسام دولة يوغوسلافيا إلى سلوفينيا، البوسنة والهرسك، صربيا، كرواتيا، كوسوفو، مونتينغرو، شمال ماكدونيا.
[iv] النيو ليبرالية تشير إلى النظام الاقتصادي الذي يتبنى سياسة اقتصادية تقلل من سيطرة الدولة وتوسع من سيطرة القطاع الخاص على الاقتصاد بحجة أن ذلك يزيد من كفاءة الاقتصاد وأداء الدولة. تعود جذورها النظرية إلى النصف الأول من القرن العشرين، لكن انطلاقتها الفعلية كانت خلال إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيسة الحكومة البريطانية مارغريت تاتشر.
[v] المحافظون الجدد تيار سياسي بدأ في الظهور في الولايات المتحدة الامريكية خلال عقد الستينات من القرن الماضي. وهو تيار نشأ بين المحافظين أو الجمهوريين الأمريكيين، ويرى أن القوة هي السبيل الأفضل، حتى بفرض الديمقراطية والسلام عبر الحروب. تصاعد تأثير هذا التيار تدريجيا في الإدارات الأمريكية حتى بلغ أقصى قوة له في إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، 2000-2008، ومن أشهر سياسييه بول وولفويتز، وإليوت أبرامز، وريتشارد بيرل، وبول بريمر.
[vi] “محور الباسيفيك الأمريكي”، دافيد بتلمان، جيستور جورنال، 2012، Vol. 67, No. 4, Canada after 9/11 (Autumn 2012), pp. 1073-1094
https://www.jstor.org/stable/42704948
[vii] موقع البيت الأبيض الأمريكي الرسمي
[viii] “الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي”، علاء الخطيب، موقع بيت السلام، 11/05/2018
[ix] “السياسة الأميركية ليست بحاجة إلى حسم الأزمة السورية”، علاء الخطيب، موقع بيت السلام – مركز حرمون، 11/06/2016
[x] الحروب بالوكالة هي حرب تقع بين دولتين، أو بين دولة قوات عسكرية غير نظامية، حيث يكون أحد أو كلا الطرفين مرتبطان بلاعب خارجي مؤثر يريد تحقيق أهدافه ومصالحه من خلال حروب على أراضي الغير.
[xi] ” الصراع الدولي والأزمة السورية: الأسباب والنهايات”، علاء الخطيب، موقع بيت السلام، 01/09/2018
[xii] دارت رحى حربي جمهورية الشيشان ضمن الاتحاد الروسي مع روسيا خلال مرحلتين: الحرب الأولى 1994-1997 والثانية 1999-2009
[xiii] حرب جورجيا أو حرب أوسيتيا الجنوبية 2008.
[xiv] ” الظاهرة الترامبية والردة الأصولية العالمية”، علاء الخطيب، موقع بيت السلام، 18/04/2017
[xv] ” Remarks by Vice President Joe Biden on European Energy Security to the Atlantic Council Energy and Economic Summit”، Istanbul, Turkey، 22/11/2014
[xvi] تصريحات جو بايدن باجتماع للحزب الديمقراطي على وقع أخبار تدخل روسي في الانتخابات الأمريكية، وكالة سي-إن-إن الأمريكية، 19/07/2016
[xvii] تصريحات بايدن لمجلة نيويوركر تعليقا على زيارته لموسكو في 2011، وكالة رويتررز، 19/06/2014
[xviii] “الرئيس بايدن يلتقي زعماء من الشرق الأوسط في السعودية”، صحيفة واشنطن بوست، 16/09/2022
[xix] المرجع 1
[xx] “نداء تحذير، زيارة بيلوسي أساءت للعلاقات الصينية الأمريكية بشكل غير قابل للإصلاح”، آمي غونيا، مجلة تايم، 05/09/2022
[xxi] “نواب أمريكيون يصلون تايوان، والصين غاضبة”، تقرير إخباري، وكالة رويترز، 26/09/2022
[xxii] “جو بايدن يوقع فاتورة بقيمة 280 مليار دولار بخطة الشرائح لدعم الولايات المتحدة الامريكية امام الصين”، تقرير إخباري، صحيفة بزنس إنسايدر، 09/08/2022
[xxiii] ” روسيا والصين وإيران حلف مستمر”، علاء الخطيب، شبكة جيرون، 15/12/2016
[xxiv] فيديو “كيف ستكون سياسة أمريكا مع بايدن في الشرق الأوسط؟ من هم الزعماء الفرحون ومن هم القلقون مع قدوم بايدن؟”، علاء الخطيب، 26/01/2021
[xxv] دراسة “السياسة الأميركية ليست بحاجة إلى حسم الأزمة السورية”، علاء الخطيب، مركز حرمون، 11/06/2016
[xxvi] ” فيديو يُظهر لحظة قيام أمريكا بتسديد ضربة انتقامية لجماعات مدعومة من إيران في سوريا “، تقرير اخباري من السي إن إن عربي، 26/08/2022
[xxvii] “الرئيس السوري الأسد يدعم بوتين في أوكرانيا”، تقرير إخباري، وكالة رويترز، 25/02/2022
[xxviii] ” لماذا لا يزور السوريون أوكرانيا دعمًا وتضامنًا؟”، علاء الخطيب، مركز حرمون، 08/02/2022













