علاء الخطيب
11/02/2023
“لا عالماً يستطيع التنبؤ بالزلازل” هذا كان تصريح رسمي من مؤسسة البحث الجيولوجي الأمريكي U.S. Geological Survey USGS، وهي من أكبر المؤسسات البحثية العلمية المختصة بالعلوم الجيولوجية في العالم وذات مصداقية عالية عند المختصين بهذا المجال.
امتلأت المنصات الإعلامية الكبيرة والصغيرة بخبر أن رجلا هولنديا يُدعى فرانك هوغربيتس Frank Hoogerbeets تنبأ بالزلزال الكارثي الذي ضرب وسط وجنوب تركيا وشمال سوريا، وأودى بحياة ألاف الضحايا وإصابة عشرات الآلاف وتشريد الملايين من منازلهم بعد تدمير آلاف المساكن. لقد كان الخبر الذي تداوله الكثيرون مصدقين أن هوغربيتس عرف متى وأين سيقع الزلزال، وبالتالي تم صياغة الكثير من القصص الوهمية حول مؤامرات وأسرار.
وكان هوغربيتس قد نشر تغريدة في الثالث من شباط/فبراير، أي قبل أيام من وقوع الزلزال، قال فيها بالضبط: “آجلا أو عاجلا سيضرب زلزال بقوة 7.5 درجة على مقياس ريختر هذه المنطقة وسط وجنوب تركيا، سوريا، لبنان، الأردن” وأرفق التغريدة بخريطة وضع بها دائرة حمراء حول المكان الذي ضرب به الزلزال فعلا.
من هو فرانك هوغربيتس؟
هو هاوٍ هولندي يبحث حول الزلازل، متحمس لفكرة التفسير الكوني الروحاني للزلازل. فهو يعتقد أن الزلازل على الأرض مرتبطة بكواكب المجموعة الشمسية وهناك علاقة بين الزلازل على هذه الكواكب والأقمار بالزلازل على الأرض.
لكن من الناحية العلمية، فكلامه يُعتبر عند العلماء المتخصصين بهذه الدراسات نوعا من الفكاهة لا أكثر. ولا يوجد أي مؤسسات علمية تأخذ كلامه على محمل الجد. وهو يبرر ذلك بأن المؤسسات العلمية تتآمر عليه لإنها ترفض نظرياته.
هل فعلا تنبأ هوغربيتس بزلزال تركيا وسوريا؟
استطاع العلماء ومراكز البحث والرصد المتخصصة بالدراسات الجيولوجية والزلازل تحديد ما هي المناطق الأكثر عرضة للزلازل من غيرها، فقد تم وضع خرائط الصفائح التكتونية Plate tectonics والفوالق فيما بينها؛ وانتشرت مراكز وأجهزة رصد الزلازل بما فيها الأقمار الصناعية، التي أعطت المتخصصين مجالات أوسع لتقييم الأماكن أشد خطرا وعرضة للزلازل الكبيرة، من خلال رصد كل أنواع الزلازل التي تتدرج في قوتها. مثلا وحسب وكالة المسح الجيولوجي الأمريكي في شهر حزيران\يونيو عام 2022 شهد العالم 1217 زلزلاً بشدة أكثر من 4 على مقياس ريختر، منها 1096 زلزلا بشدة بين 4 و4.9، و117 زلزلا بشدة بين 5 و5.9، و4 زلازل بشدة أعلى من 6.
بناء على دراسات الطبقات الأرضية وحركتها، وعلى تواتر حدوث الزلازل وغيرها من معلومات، يستطيع المتخصصون ومراكز البحث العلمي تحديد ما هي المناطق على سطح الكرة الأرضية الأكثر عرضة للزلازل من غيرها، وهذه المناطق أيضا مصنفة حسب احتمالات شدة وقوة هذه الزلازل، فمثلا من المعلوم أن ولاية كاليفورنيا الأمريكية عرضة لزلازل كبيرة لأنها تمتد فوق فالق سان أندرياس الذي يشكل الحدود التكتونية بين صفيحة أمريكا الشمالية وصفيحة المحيط الهادي.
فما قاله هوغربيتس عن الزلزال الكبير في وسط وجنوب تركيا وشمال سوريا الغربي هو بالواقع معلوم لكل المتخصصين لأن هذه المنطقة قائمة فوق فالق شرق الأناضول الذي يفصل بين صفيحة الأناضول وبين الصفيحة العربية، ويمتد من شرق إلى جنوب وسط تركيا ويتفرع لفالقين في المنطقة القريبة من غازي عنتاب. وبسبب الضغط الذي تشكله الصفيحة العربية من الجنوب على صفيحة الأناضول، والمقاومة من الصفيحة الأوراسية من الشمال فإن فالقي شرق وشمال الأناضول هما خطان يمثلان احتمالات أعلى لزلازل كبيرة. والدائرة التي رسمها هوغربيتس بالقرب من غازي عنتاب لا تختلف عن كل الدراسات التي أكدت أن هناك احتمالات عالية نسبية لزلزال كبير يصيب تلك المنطقة.

كما أن هوغربيتس لم يقل كما أشاعت الأخبار متى سيحدث الزلزال، بل قال أنه بالضبط “عاجلا أو آجلا”، وكون تغريدته خرجت قبل بضعة أيام فذلك لا يمثل سوى صدفة بحتة قد تحدث مع غيره من المهتمين بموضوع الزلازل ويصدرون كل يوم توقعات حول كوارث طبيعية وزلازل وبراكين وأعاصير، وقد يحدث أن يصح تنبؤ بعضهم أو أحدهم.
مثلا توقع هوغربيتس عام 2015 أن يحدث زلزال مدمر في ولاية كاليفورنيا وحدد له موعدا دقيقا باليوم والساعة، وتوقع أن يكون بشدة 8.8 على مقياس ريختر. لكن لا شيء حدث ولم يضرب الزلزال، فنسي الناس الأمر. هو كما ذكرنا توقع زلزلا في كاليفورنيا التي يعلم الجميع أنها منطقة مهددة بزلازل كبيرة.
ألا يمكن فعل شيء للتعامل مع الزلازل؟
العلم يقول بوضوح وجزم أنه لا يمكن بأي حال التنبؤ متى وأين سيحدث زلزال وكم ستكون قوته وتأثيره. ما يقوله العلم أنه يمكننا تصنيف المناطق على الكرة الأرضية حسب احتمالات حدوث الزلازل، فنعلم مثلا أن المناطق الممتدة فوق فوالق شمال وشرق الاناضول وفالق البحر الميت هي مناطق معرضة للزلازل وباحتمالات مختلفة.
خريطة تبين توزع احتمالات وقوع زلازل حول البحر الأبيض المتوسط (المرجع FM Global)
فما يجب على الدول أن تفعله هو أن تضع مقاييس وشروط على البناء والمنشآت والطرق والجسور والسكك الحديدية والسدود وغيرها تضمن أن تستطيع هذه المنشآت مقاومة الآثار المدمرة للزلازل، وبالتالي التخفيف من الخسائر البشرية والمادية.
كما أن متابعة مراقبة حركة الطبقات التكتونية من خلال مراكز رصد الزلازل وتحسين أدواتها، وربطها بنظام مؤتمت متكامل قد يعطينا فرصة معرفة أن زلزلا سيحدث قبل فترة وجيزة جدا تتراوح بين عشرة إلى عشرين ثانية فقط كما تقول سوزان هوغ الباحثة في وكالة المسح الجيولوجي الأمريكية. وهي توضح أن هذه الثواني التي تبدو قليلة جدا ولا تسمح للناس أن تغادر بيوتها، يمكن أن تشكل فرقا كبيرا ينقذ حياة الكثيرين. فبوجود نظام متكامل في المناطق المعرضة للزلازل الكبيرة يمكن خلال هذه الثواني إيقاف القطارات أو التخفيف من سرعتها، وإيقاف المصاعد الكهربائية عند أقرب طابق، وإنذار المطارات وحركة الطيران، البدء بإيقاف أو إيقاف عمل الكثير من المنشآت الخطيرة التي قد تسبب أضرارا إضافية.
لعل من أشهر الأمثلة على كيفية الاستعداد لزلزال كبير هو مدينة طوكيو في اليابان، المدينة الأكثر ازدحاما في العالم تتوقع زلزالا بشدة أكثر من 7 درجات على مقياس ريختر قبل العام 2050. طوكيو وضعت أكبر خطة لمواجهة الزلزال تشمل التوعية المستمرة للمقيمين بها، وتحصين المنشآت بكل أنواعها السكنية والخدمية، وتجهيز أكبر جهاز طوارئ في العالم. والطلب من القاطنين بها الحرص على التوزيع الأمثل لأثاث البيوت والمواد القابلة للكسر، والحرص على إبقاء حقائب طوارئ بها ما يكفي من ماء وطعام ودواء وبطاريات وأجهزة اتصال احتياطية، بل وحقائب مراحيض متنقلة. ويتوقعون بحال حصول هذا الزلزال فإنه من 37 مليون نسمة يعيشون في المدينة أن يصل عدد الضحايا إلى حوالي عشرة آلاف وإصابة 150 ألف، وباليوم التالي إخلاء حوالي 3 ملايين شخص، ثم 5 ملايين كل يوم.
لكن السؤال المرير يبقى، ماذا يفعل الفقراء في الدول الفقيرة المحكومة غالبا من قبل حكومات فاسدة؟ وماذا كان يمكن فعله لآلاف السوريين الذين عانوا الأمرين خلال 12 سنة من نظام أسدي فاسد دموي وإرهابي ومن فصائل مسلحة ناهبة إرهابية، ومن فقر وتشرد وبرد؟ السؤال يبقى كبيرا أمام السوريين وإعادة البناء، كيف سيكون؟ وكيف نستطيع أن نتحمل زلزالا آخر لا نعرف متى يأتي؟









