
Apr 4, 2023
علاء الخطيب
مدخل
تواترت القراءات على المستوى العربي والعالمي التي ترى أن بقاء بشار الأسد في الحكم هو خيار وحيد بحكم الواقع، خاصة بعد تواتر الإعلانات عن عودة العلاقات السعودية والإماراتية مع النظام الأسدي. وهذه القراءات بالواقع موجودة منذ بداية الثورة السورية عام 2011، لكنها تواترت أكثر بالسنوات الأخيرة، وهي قراءات استندت لرؤى من زوايا مختلفة بمعظمها اعتمدت على استمرار ضبابية الموقف الغربي والأمريكي من سوريا، وقوة الإصرارالروسي الإيراني الصيني على إبقاء بشار الأسد.
من ضمن ما نشر كانت ورقة نشرها البروفيسور إيال زيسر نائب رئيس جامعة تل أبيب على الموقع الرسمي للجامعة، وعنونها “بعد كل ما حدث: بشار الأسد”، حيث كتب من وجهة نظر إسرائيلية إلى أنه “بشكل أو بآخر، يجب على إسرائيل، وكذلك الجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة، أن تأخذ بشار مرة أخرى في الاعتبار، وأن تفترض أنه سيعود للعب دور أكثر أهمية في سورية -داخليًا وخارجيًا- حتى لو تطلّب الأمر وقتًا طويلًا. في غضون ذلك، يجب على إسرائيل أن تبقي أعينها مفتوحة على إيران، وتعمل على تعميق الحوار مع موسكو حول هذه القضايا.”
تستند معظم هذه الحجج المساقة لتبرير طرح أن بشار الأسد ونظامه هو الخيار الوحيد العملي لحكم سوريا إلى قراءات أحادية الجانب، حتى لو كان بعضها منطلقا من خلفية تدين أو ترفض نظام الأسد. فهذه القراءات تركز على مشاكل الطرف الآخر وأخطائه دون محاولة قراءة الظروف بشكل شامل، ودون تحليل موضوعي لبنية نظام الأسد، وتتجاهل أزمات مشابهة مرت بها دول أخرى في العالم والمنطقة.
ما يزيد هذا الاضطراب بالرؤية هو تحرك حكومتي السعودية وإيران لتطبيع العلاقات بين بلدهما، وانقلاب الموقف السعودي الرسمي تجاه النظام الأسدي، لاحقا لتطبيع الإمارات العربية المتحدة معه. فقد رأى البعض أن الحركة السعودية الإماراتية تجاه النظام الأسدي يؤكد فكرة أن بشار الأسد خيار الأمر الواقع إقليميا ودوليا.
في هذه القراءة سنتناول مدى واقعية هذا الطرح من ناحيتين أساسيتين، الأولى من الناحية الدولية وموازين القوى الدولية والإقليمية وتغير وجه العالم بعد غزو بوتين لأوكرانيا والأزمات الاقتصادية الخانقة. والثانية من الناحية السورية ما بين حقائق بنية نظام الأسد والمعارضة والفصائل المسلحة والأهم إرادة وآمال الشعب السوري الذي دفع ثمنا باهظا خلال كل هذه السنين.
الصراع الدولي فوق سوريا قبل 2020
لم يشهد العالم تدخلا دوليا في دولة بحجم سوريا خلال الخمسين سنة الأخيرة، ففي سوريا ومنذ اندلاع الثورة السورية 2011 وقفت روسيا والصين وإيران في جانب واحد خلف نظام بشار الأسد، وعلى الجانب الآخر وقفت بشكل أساسي الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ودول الخليج العربي، لكن بدون أهداف محددة ولا تنسيق فيما بينها، وبدون سياسات حاسمة لإنهاء الأزمة، وما بين المعسكرين كثير من حكومات العالم تحركت لاختيار أحد المعسكرين.
جعل الحلف الأسدي مع النظامين الإيراني والروسي سوريا خط الدفاع الأول لحلف الضرورة القائم بين إيران وروسيا. وهذا ما عبر عنه بشار الأسد بوضوح في لقائه مع “داريا أصلاموفا” مراسلة صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الروسية عام 2016، حيث استخدم تعبير “خط الدفاع الأول” لأول مرة بشكل واضح.
حلف الضرورة بين إيران وروسيا والصين
تشترك إيران وروسيا والصين بالإضافة لتركيا في مخاوف من خطر استراتيجي على أمنهم القومي يتمثل في البراكين المستعرة تحت السطح في دول وسط آسيا، أي الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق. هذه المخاوف أجبرت هذه الدول الكبيرة المستقرة نسبيا حول وسط آسيا أن تضع حداً أدنى من التفاهم والتنسيق، فهذه الدول تشكل مربع ضمان استقرار هذه المنطقة. بالإضافة لذلك فإن إيران والصين وروسيا تشترك في عدائها أو خوفها من الغرب، وهنا يبرز العامل الأساسي باختلاف الموقف التركي لأن تركيا حليف استراتيجي قديم للغرب.
إن دخول إيران بأزمة داخلية عميقة سواء بسبب الحصار الجغرافي المحكم حولها، إن تم إخراج سوريا من نطاق سيطرة نظامها، أو بسبب الانتفاضة الشعبية التي كان يمكن أن تنفجر بحال انتصار الثورة السورية، سيؤدي لضعف إيران وبالتالي فقدان السيطرة على دول وسط آسيا وانهيار مربع ضمان استقرار هذه المنطقة وبالتالي انفجار أكبر تهديد للأمن القومي الصيني والروسي، ولعل هذا يفسر حقيقة أن الصين استخدمت حق النقض (الفيتو) سبع مرات للدفاع عن النظام الأسدي منذ اندلاع الثورة السورية، وكلها كانت مزدوجة مع روسيا، بينما استخدمته ست مرات فقط منذ 1945 حتى العام 2010[6].
الحلف الأمريكي الغربي
اتبع الرئيس الأسبق الأمريكي باراك أوباما في سياسته الدولية سياسة الاحتواء، التي بدأها في العام 2011 بإعلان استراتيجية محور المحيط الهادئ لإحكام الحصار على الصين من خلال تعزيز النفوذ الأمريكي العسكري في المحيط الهادئ وفي منطقة وسط آسيا.
واتضحت سياسة الاحتواء الأمريكية في أسلوب تعاملها مع النظام الإيراني ودفعه باتجاه إبرام إطار عمل الاتفاق النووي الإيراني في 2015. انعكست هذه السياسة بشكل واضح في سوريا، فالقرار الاستراتيجي الحاسم لإدارة أوباما كان الاكتفاء بإدارة الأزمة واحتواء نتائجها الإقليمية من خلال حماية حلفاء أمريكا في المنطقة وعلى رأسهم إسرائيل، بالإضافة للأردن ولبنان ودول الخليج العربي وتركيا. لذلك كان التدخل العسكري الأمريكي ضمن ما يُسمى الحرب على الإرهاب بغاية محاربة داعش محسوبا بدقة كبيرة ولا يضع باعتباره أي تدخل ضد النظام الأسدي. فالولايات المتحدة الأمريكية لم ترَ مصالح كبيرة بما يكفي في سوريا تستدعي منها استخدام قواها السياسية والاقتصادية وربما العسكرية للمساعدة على حسم الأزمة السورية.
أما ترامب الذي كان منحازاً لرؤية صديقه الرئيس الروسي بوتين، فقد كانت إدارته تمهد لتسليم الملف السوري كاملا لروسيا.
لم يخرج الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وبريطانيا من العباءة الأمريكية، وأيضا لم يضع أهدافا واضحة تختص بالحل في سوريا ولا اتبع سياسات حاسمة في هذا الاتجاه، ولعلنا نشهد الآن على وقع غزو روسيا لأوكرانيا نتائج تخبط السياسة الأوروبية الخارجية.
دول الخليج العربي
بعد أن تبيّن أن النظام الأسدي كان أضعف وأقل تماسكا من أن يقمع الثورة السورية، تحركت دول الخليج العربي لتصطف بالبداية ضد النظام الأسدي بوضوح. هذا الموقف كان أيضا مدفوعا بالتخوف من توغل إيراني أعمق في سوريا عما كان عليه خلال العقود الأخيرة مما يشكل تهديدا مباشرا لأمن دول الخليج العربي.
لكن سياسة دول الخليج العربي لم تكن واضحة الأهداف، ولا قائمة على تنسيق عميق فيما بينها. ومما زاد من ضبابية هذه السياسة هو الخلافات فيما بين هذه الدول والتي انتقلت إلى الداخل السوري المعارض. لكن أهم ما زاد من تردد دول الخليج العربي كان السياسة الأمريكية التي لم تظهر استعدادها لتقديم كل الدعم المطلوب سواء لجهة إسقاط النظام الأسدي أو لدعم المعارضة السورية، أو للحسم بمواجهة مطامع النظام الإيراني في المنطقة. لذلك مع إدارة ترامب واتضاح أهدافه بالانحياز للرؤية الروسية، بدأت عمليات إعادة النظر لدى الحكومتين السعودية والإماراتية، وانطلقت محاولات فتح خطوط عودة مع النظام الأسدي.
على ما يبدو أن حكومتي السعودية والإمارات قررتا المضي قدما في تقديم التطمينات للنظام الإيراني، والتي ربما تبدو كرشوة مسبقة مقابل التوصل لاتفاقات ثنائية. فقد قررت الحكومتان الاتجاه الأوضح سياسيا بالتطبيع مع نظام الأسد وإعادة فتح العلاقات السعودية الأسدية الرسمية.
تركيا
التزمت تركيا صفا رافضا للنظام الأسدي، وبالتنسيق بشكل أساسي مع قطر كان لها دور أساسي في دعم المعارضة السورية. لكن أيضا بسبب ضبابية الموقف الغربي، وعلاقات تركيا الاستراتيجية مع إيران وروسيا بقيت السياسة التركية بعيدة عن الإصرار على هدف نهائي واضح بما يخص بقاء بشار الأسد في السلطة، خاصة وأن تحملها لهذا الهدف دون موقف غربي واضح قوي سيضعها بوجه المدفع أمام شريكين مهمين جدا لتركيا هما روسيا وإيران.
انقلاب موازين القوى العالمية منذ العام 2020
كانت خسارة ترامب لسباق الرئاسة الأمريكية عام 2020 ووصول بايدن للبيت الأبيض أثراً كبيراً على العلاقات الدولية، وهذا التغيير انعكس بشكل واضح في سوريا حيث عاد بايدن لتمسكه بالموقف الأمريكي الذي اتبعه أوباما، لكن مع رفض أشد وأكثر حسما لبشار الأسد ونظامه.
أتى بايدن برؤية وسياسة مختلفة عن سياسة الاحتواء التي اتبعها أوباما، وكذلك بعيدة جدا عن السياسة المتهورة لترامب والمجاملة لروسيا-بوتين. ومع غزو بوتين لأوكرانيا ترسخت قناعات إدارة بايدن بالتزام سياسة حذرة ومناهضة لروسيا، فهذه الحرب تشكل أكبر خطر عسكري مباشر على الناتو وأوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
تحركت إدارة بايدن بسرعة لكن بخطوات واثقة ومدروسة بالاشتراك مع حلفائها في الناتو لمواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا على كل الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكن دون التورط بصدام مباشر مع روسيا تجنبا لمخاطر حرب عالمية ثالثة نووية.
منذ الأزمة المالية العالمية 2008-2009 بدأت سلسلة أزمات اقتصادية ضربت العالم كله، لتزداد حدة مع كارثة وباء كورونا، ثم أتى غزو بوتين لأوكرانيا ليضاعف من حدة هذه الأزمات الاقتصادية حول العالم. هذه الأزمات تزيد من حدة الأزمات السياسية وتدفعها نحو الحروب، وبالتالي فالمواجهة الغربية مع روسيا وإيران تتزايد خطرا ولا تتراجع.
لا يمكن وصف التقارب السعودي مع النظام الأسدي مؤخرا بأنه انقلاب بموازين القوى، ولا حتى مدعوما بموقف إماراتي، لإن كلا الحكومتين بدئتا تغيير سياستهما منذ عام 2017، وهما كما أوضحنا منذ البداية لم يكن لهما موقفا حاسما حول النظام الأسدي.
المساومات الدولية فوق سوريا
أصبح الموقف الغربي بعد الحرب الروسية على أوكرانيا أكثر ابتعاداً عن أي طرح روسي في سوريا، وأكثر رفضاً لدور للنظام الأسدي في أي حل يضمنه أو يدعمه الغرب، خاصة وأن بشار الأسد كان من أوائل من دعم بوتين بحربه على أوكرانيا، بل وأرسل مقاتلين سوريين للاشتراك بتلك الحرب.
هذا الموقف الغربي والأمريكي ليس فقط مدفوعا برغبة الانتقام من بوتين أو بشار الأسد، بل الأهم أنه مدفوع بسياسة تشديد الحصار على بوتين وحكومته، وحرمانه من إحراز أي نصر خارجي يستثمره بدعايته الشعبوية في روسيا وخارجها، وأيضا إحكام الحصار على النظام الإيراني.
أما التصريحات التركية حول التطبيع مع النظام الأسدي برعاية روسية، ورغم تواترها، فهي لا تخرج عن كونها مناورة سياسية لأسباب داخلية تتعلق بالانتخابات القادمة في تركيا، وكذلك انسجاما مع موقفها المعقد ما بين كونها الحليف الاستراتيجي للغرب والناتو، وما بين مصالحها الاستراتيجية مع روسيا وإيران.
قد يراهن البعض على انقلاب بالموقف التركي إذا لم يستطع أردوغان الاحتفاظ بمنصبه في الانتخابات القادمة في منتصف شهر أيار/مايو القادم. لكن هذه المراهنة أيضا منوطة فقط بالدعاية الانتخابية وشعاراتها التي يتبخر معظمها بعد انتهاء الانتخابات كما هي حال غالبية الدول. ناهيك عن أن الموقف التركي في الملف السوري ليس مرتبطا بشكل كامل بمن يحكم تركيا بل بمصالح وعلاقات وتحالفات تركيا الاستراتيجية.
موازين القوى الدولية لا تميل باتجاه بقاء بشار الأسد
من الثابت أن روسيا وإيران تصران على أن أي حل يجب أن يكون برئاسة وزعامة بشار الأسد ونظامه، حتى لو تم تركيب حكم به مشاركة شكلية لمعارضة سورية، ليضمنا استمرار السيطرة الكاملة على سوريا. والمؤكد أن السبب ليس تمسكهم بشخص بشار الأسد، ولا حتى طائفته كما يدعي الكثيرون، بل سبب متأصل في بنية النظامين الإيراني والروسي. فكلا النظامين نظاما حكم شمولي لا يؤمن بالحرية ولا الديمقراطية ولا يحترم شعبهما، وبالتالي فلا قدرة لهما على تعديل بنية نظام حاكم يشبههما مثل نظام بشار الأسد. فمثلا ورغم قوة تأثير روسيا في أوكرانيا تاريخيا، والأهمية القصوى لأوكرانيا بالنسبة لروسيا، إلا أن بوتين لم يستطع ومنذ الثورة البرتقالية[13] في أوكرانيا أن يأتي بتسوية تضمن له بقاء أوكرانيا دولة جارة وحليفة، بسبب عجزه عن رؤية أي بديل لحليفه فيكتور يانوكوفيتش الرئيس الأسبق لأوكرانيا، وها هي روسيا تتورط بحرب مفتوحة تهدد استقرارها الداخلي.
إقليميا ورغم ارتفاع بعض الأصوات عربيا لفتح قنوات إعادة التطبيع مع نظام بشار الأسد، والتي بدأت بإعادة فتح العلاقات السعودية الرسمية مع نظام الأسد. إلا أنها تبقى محاولات لن تنال المباركة الأمريكية التي أصبحت بعيدة جدا منذ بداية العام الماضي. فالميّل الديبلوماسي الشكلي لقبول بشار الأسد من قبل دول الإقليم العربية لا يشكل عاملا مُرجّحا لصالح بشار، والمحاولات التركية لا تملك الزخم الكافي من الإرادة السياسية التركية لترجيح كفة الطرح الروسي الإيراني لإبقاء بشار الأسد.
كما قدمنا سابقا، إن لم تقدم الولايات المتحدة الامريكية ومعها الاتحاد الأوروبي دعمها الكامل والحاسم لأي حل توافقي دولي في سوريا فلا أمل لأي توافق بتحقيق أي استقرار على الأرض. فالكتلة الغربية ورغم كل الأزمات التي ضربتها أيام ترامب والأزمات الاقتصادية التي ازدادت حدة بعد وباء كورونا، أثبتت قوتها وتماسكها بعد حرب روسيا على أوكرانيا رغم ضخامة الأزمة الاقتصادية والسياسية التي سببتها ورغم أكبر أزمة طاقة تصيب أوروبا منذ أزمة الطاقة في سبعينات القرن الماضي. والدول الغربية بقيادة أمريكية حسمت أمرها اتجاه بقاء بشار الأسد واتجاه منح بوتين نصرا سياسيا في سوريا، وكلا الخيارين أصبحا خارج الأجندة الغربية. وهنا لا بد من الإشارة لوجود أصوات أمريكية وغربية ترى أن حكم الواقع في سوريا بحاجة لبقاء بشار الأسد، لكن حتى بفرض صحة رؤية هذه الأصوات إلا أن السؤال الأهم هل يريد الحلف الأمريكي الغربي السيْر حاليا في المسار السوري المعقد بدون أدوات حسم كافية؟ المؤكد أن الملف السوري ليس أولوية غربية ولا أمريكية حاليا فحتى هذه الأصوات تبقى ضمن فضاء الجدل السياسي الافتراضي[14] إلى حين حسم الصدام الروسي الأمريكي الغربي فوق أوكرانيا والذي لن ينتهِ قريبا، وإن وصل لنهاية فستكون مع تغير كبير في موازين القوى الدولية.
وحتى بالنسبة لإسرائيل ورغم انقسام الرؤية بالداخل الإسرائيلي حول سوريا، وميل نتنياهو وجناحه لبقاء بشار الأسد، إلا أن هذا الجناح بات يفضل بقاء سوريا ضمن هذه الفوضى لأنه لا يرى إمكانية لحل مستدام في سوريا بدون بشار الأسد، وبنفس الوقت لا يريد سيطرة كاملة لبشار الأسد الحليف الأقرب للنظام الإيراني وحزب الله. فحالة الفوضى في سوريا تمنح إسرائيل حرية الحركة في سوريا طالما أنها على علاقات جيدة مع روسيا والغرب في نفس الوقت.
إذا خيار بشار الأسد هو الخيار الوحيد المطروح روسياً وإيرانياً في سوريا، وهو احتمال يمكن التعامل معه تركياً وعربياً، لكنه خيار مرفوض أمريكيا وغربيا على المدى المنظور، وأمام موازين القوى الدولية فما يُقال عن أن بشار الأسد ونظامه هم نتيجة تفاهم دولي لا يتجاوز مساحة الافتراضات السياسية التي تفترض مقدمة خاطئة وهي أن الدول المتدخلة في سوريا تسعى كلها لحسم الموضوع السوري وفرض حل مستدام. وعند قدوم اللحظة السياسية التي سيكون فيها إرادة دولية شاملة لإيجاد حل في سوريا فسيتم ذلك تحت موازين قوى مختلفة تماما عما هو قائم الآن، والتي ستكون غالبا لمصلحة الرؤية الأمريكية الغربية التي أثبتت صلابتها خلال السنتين الماضيتين أمام الأزمة الاقتصادية وحرب روسيا في أوكرانيا، وبالتالي فسيبقى خيار بشار الأسد دوليا خيار ضعيف كما يتخيله الجانبين الروسي والإيراني.
العامل الأهم بأي حل دولي في سوريا هو أن تقدم الولايات المتحدة الامريكية ومعها الاتحاد الأوروبي دعمهم الكامل والحاسم، وهذا بات مستبعدا جدا. والمؤكد أن الملف السوري ليس أولوية غربية ولا أمريكية حاليا، فحتى الأصوات الغربية التي تطرح اسم بشار كمنفذ للأزمة تبقى ضمن فضاء الجدل السياسي الافتراضي[16] إلى حين حسم الصدام الروسي الأمريكي الغربي فوق أوكرانيا والذي لن ينتهِ قريبا.
نظام الأسد عاجز بنيويا وشعبيا عن ضمان أي حلً مستدام في سوريا
موانع طرح بشار الأسد كخيار عملي لإيجاد حل ما في سوريا ليست متعلقة فقط بالصراع الدولي فوق سوريا والوضع الجيوسياسي العالمي والإقليمي، بل إن الموانع الأهم تكمن في بنية نظام الأسد بحد ذاته. فبنية هذا النظام التي كانت تسمى مجازا دولة كان متهالكة ومنخورة بالفساد وفشل الإدارة قبل ثورة 2011، وبعد الثورة وسياسة النظام التي كانت السبب الأساسي الأكبر لتفجير هذه الحرب الداخلية الدموية والدمار الهائل، وبالتالي فالنظام الأسدي كبنية ورؤية وخبرة ذاتية أو مكتسبة من حلفائه الخارجيين عاجز عن أن يقدم الحد الأدنى للخروج بسوريا من هذه الحالة، حتى لو التزم المعسكر الغربي الحياد. يتجلى هذا العجز في عدة عوامل أساسية نتناولها باختصار هنا.
تشتت وانهيار بنية النظام الأسدي
لا أحد ينكر أن مؤسسات وهيئات المعارضة السورية لم تنجح في تحقيق ما كان يُفترض منها ضمن الرؤية الشعبية السورية، من حيث التوحد في العمل وتوجيه حركة الثورة الشعبية، وأيضا من حيث وضع خارطة طريق واضحة ومفصلة لشكل سوريا المستقبلي.
لكن هذا الحكم على المعارضة يجب أن يرى أن المعارضة السورية، بكل تنوعاتها ومؤسساتها، خرجت فجأة للعمل السياسي والإعلامي والشعبي، فهذه المعارضة لم تخرج كمعارضة سياسية ذات خبرة وبنية هيكلية منظمة مثلها مثل المعارضات السياسية في الدول الديمقراطية الحقيقية.
من ناحية ثانية ما هي المعارضة السياسية التي استطاعت بناء هيكلية سياسية مستقرة وموحدة في دولة يحكمها نظام حكم ديكتاتوري عنيف بوليسي؟ بالمقارنة مثلا مع المعارضة المصرية، وحال مصر أقل تأزماً وكارثية بكثير من سوريا، سنجد أن المعارضة المصرية للآن لم تستطع تشكيل أي بنية سياسية معارضة فعالة ومنظمة وذات رؤيا. حتى المعارضة الإيرانية لم تصل بتنظيمها للمستوى المطلوب رغم خبرتها ودعم الغرب لها منذ أربعة عقود. بكل الأحوال هذا الكلام ليس تبريرا لتقصير وفشل هيئات المعارضة السورية، بل هو تفهم لأسباب قوية حكمت عملها ضمن رؤية نقدية.
أما نظام الأسد، فهو رغم أنه مؤسس طوال أربعين عاما من الحكم الشمولي، وامتلك كل الوقت الكافي لامتلاك الخبرات السياسية والإدارية إلا أنه بواقع الحال لم يرقَ لمستوى إدارة دولة كما تبيّن بعد الثورة السورية بشكل واضح.
المؤكد أن مركزية بشار الأسد كرئيس للنظام لا تستند لسيطرة مركزية كما كانت الحال أيام استقرار حكم أبيه حافظ الأسد، ولا حتى بعهده لما قبل الثورة السورية. فالنظام نفسه من حيث ولاء مكوناته العسكرية والأمنية والمليشاوية والاقتصادية تتوزع بين قوى عديدة قد لا تكون مختلفة أيدلوجيا لكنها متصارعة من حيث المصالح حسب الجهات التي تتبع لها في الداخل والخارج السوري، وبالذات بين النفوذ الإيراني والروسي. ولعل أوضح دليل على ذلك هو تمرد ساعد بشار الأسد الأيمن أي ابن خاله رامي مخلوف منذ سنوات، وهو كان من هو بقوته المسيطرة على قطاع الأعمال الاقتصادية والاستثمارات والأموال.
وبالمقارنة لو عدنا لفترة الثمانينات ورغم أن ما حصل في سوريا من صدام بين نظام الطاغية الأب حافظ الأسد وجماعة الإخوان المسلمين كان أقل كارثية بكثير مقارنة بما حصل بعد 2011، إلا أن حافظ الأسد احتاج لعشر سنوات لإعادة سيطرته الكاملة على النظام نفسه والدولة، ولعل أشهر صدام واجهه كان مع أخيه رفعت الأسد. فكيف سيستطيع بشار الأسد وهو أضعف بكثير مما كان عليه أبيه، وأكثر نبذاً على المستوى السياسي العالمي والإقليمي، أن يستعيد السيطرة على الأجهزة والجماعات المشتركة معه الآن في المعركة داخل سوريا؟
الناحية الأهم والتي يعرفها السوريون ممن عاشوا فترة ثمانينات القرن الماضي، والتي يعرفها كل دارس لحال الدول التي تصاب بما أصاب سوريا، هي نشوء طبقة تجار الحرب التي تحكم سيطرتها على الدولة من النواحي الاقتصادية والإدارية والعسكرية. هذه الطبقة من التجار تبني مصالحها مستفيدة من حالة الفوضى وانعدام الأمن داخل الدولة، وتتشابك مع السلطة أو السلطات المسيطرة حسب مصالحها، ومع جماعات خارج الدولة. فكيف يمكن لنظام كان أساسا مبنيا على فساد متأصل فيه التعامل مع هذه الطبقة؟
كذلك لو عدنا لفترة الثمانينات فسنجد أن حافظ الأسد استعان أيضا بمليشيات ارتزاقية أعطاها أسماءً مختلفة ذات طابع وطني من بين المدنيين. هذه الجماعات، وبعد خوضها حرب النظام القذرة ضد كل معارضي النظام، استمرأت عمليات التشبيح والبلطجة على السوريين، وظهر مصطلح الشبيحة[19] لأول مرة بتلك الفترة في سوريا، وقد احتاج حافظ الأسد عدة سنوات ليستطيع التخلص منها وإعادة السيطرة عليها، بل إنه شنّ شبه حرب قادها ابنه باسل الأسد في تلك المرحلة. فلنا أن نتوقع كيف سيستطيع نظام بشار الأسد بجيشه المنهك والضعيف وقواه الأمنية المشتتة بين عدة ولاءات أن يسيطر على مليشيات شبيحة أكثر عددا وخبرة وغنى بُنيت على اقتصاد الحرب. وكيف له أن يسيطر على المليشيات الارتزاقية التي أرسلها ويدعمها النظام الإيراني، خاصة أن لا إيران ولا أي دولة ستسترجع مليشيا ارتزاقية استأجرتها ببلدان أخرى إلى أراضيها؛ ناهيك عن أن هذه المليشيا أيضا بنت شبكة علاقات ومصالح ضمن جسد النظام ستعطيها قوة أكثر بكثير مما كان الحال عليه في ثمانينات القرن الماضي. فحتى حلف الناتو بكل قوته فشل في التعامل مع بقايا مليشيا القتال والحرب في أفغانستان، فكيف سيكون الحال بسوريا؟
أما ما ادعاه التقرير المشار إليه بالمقدمة وغيره من تحليلات تظهر هنا وهناك أن النظام الأسدي حافظ على شكل الدولة، فهو بالواقع حكم من السطح وكأن من كتب لم يتابع دولا أخرى مرت بأزمات مثل أو أشد مما مرّت به سوريا. فلو عدنا لحرب لبنان الأهلية التي امتدت حوالي العقدين، وكانت الدولة مقسمة بين عدة مناطق نفوذ حسب التوجه السياسي والطائفي والداعم الخارجي، وشهدت عدة حروب ومواجهات مع إسرائيل؛ سنجد مع كل ذلك أن مؤسسات الدولة اللبنانية التي تسيّر أحوال الناس وحتى البنوك بقيت تعمل بشكل أو آخر، حتى لو كانت خدماتها سيئة جدا ولم تلبِ كل حاجات الناس. نفس الحالة مرت بالعراق، الذي شهد تفكيكا رسميا لكثير من مؤسسات الدولة العراقية بقرار من حاكم العراق الفعلي بعد الغزو الأمريكي 2003 وهو بول بريمر[20]؛ لكن مع ذلك بقي شكل لمؤسسات الدولة العراقية تعامل مع الواقع الصعب، وأيضا بأداء ضعيف لكن موجود. باختصار إن الحفاظ على مؤسسات الدولة بشكلها وبعملها بحده الأدنى ليس عملية إعجازية أو غير مسبوقة قام بها نظام الأسد، فمؤسسات الدولة السورية من وزارات ومديريات ومؤسسات خدمية وغيرها ستتابع العمل مهما كانت الحالة لإن من يعمل بها والناس بحاجة لها، لكن هل عمل هذه المؤسسات كان أفضل حالا مما قدمته إدارة الدولة في مثل هذه الحالات في لبنان أو العراق أو يوغسلافيا السابقة خلال وبعيد الحرب الأهلية؟ واقع حال السوريين في مناطق سيطرة النظام يؤكد أن هذه المؤسسات ازدادت ضعفا عما كانت عليه قبل العام 2011، وتعمق الفساد والفوضى والعجز بها لحد كبير مقارنة حتى بما كانت عليه الحال قبل العام 2011، وما تقدمه من خدمات هو نتيجة عمل موظفيها وحاجة المجتمع إليها. ولعل كارثة الزلزال الأخير الذي ضرب وسط وجنوب تركيا وشمال سوريا كان أوضح دليل على سوء أداء ما تبقى من أجهزة الدولة.
الديكتاتور يُفرِّق ليسود ولا يحمِ الأقليات
تمسك الطرف الروسي إعلاميا وسياسيا بشعار أن نظام الأسد يحمي الأقليات في سوريا خوفا من طغيان السنّة العرب على باقي الطوائف، وقد تمسك النظام الأسدي بهذه الدعاية واستثمر بها منذ العام 2011 بادعاء أن الثورة السورية هي “تمرد طائفي وهابي إرهابي”.
نقاش الأزمة الطائفية في سوريا أو أي بلد نقاش يطول، لكن يمكن الاستناد لحقيقة تاريخية أن تنوع سكان سوريا دينيا وطائفيا وقوميا وعرقيا لم يكن يوما تهديدا حقيقيا لوجودها سواء بشكلها الحالي في العصر الحديث أو عبر التاريخ حتى وهي محكومة من قبل غزاة أو مستعمرين.
المؤكد أن نظام الأسد الأب والابن استثمرا الكثير في ترسيخ الطائفية والاستفادة منها لمصلحة سلطتهما، واستغلا ذلك منذ بداية الثورة السورية. وعمليا فقد استعان بشار الأسد بنظام حكم ديني طائفي هو النظام الإيراني، وبمليشيا ذات شعارات طائفية مثل حزب الله وغيره من مليشيات تدعمها إيران؛ فحتى سيطرة نداءات طائفية في فصائل مسلحة قاتلت النظام لم يواجهها الأسد بمنظور الدولة بل بمنظور المافيا التي تتاجر بكل شيء حتى الدين والطائفة والوطنية.
سوريا ليست محكومة بالاختيار بين نظام الأسد والإسلاميين
أحد أسس الدعاية الأسدية هو أن نظام الأسد هو نظام علماني يحارب ما يُسمى “الإرهاب الإسلامي” ويواجه “التشدد الإسلامي”؛ لذلك فقد كان وما زال طرح بشار الأسد وحلفائه أنه الخيار الأفضل بين “السيئين”: الديكتاتور العلماني أو الإسلاميين المتطرفين.
لا يمت نظام الأسدين للعلمانية بصلة، فهما أسسا نظاما ديكتاتوريا عسكريا أمنيا لا طعم له ولا رائحة، فلا هو علماني ولا ديني، لا اشتراكي ولا رأسمالي؛ وهذه حال كل الدول الديكتاتورية في العالم[24].
من ناحية ثانية، ورغم كل الدعم الذي تلقته الجماعات الحاملة للراية الإسلامية المتشددة، ورغم سيطرتها على قيادة العديد من الفصائل المسلحة، فإن الرفض الشعبي السوري لهذا الشكل المتطرف من الحكم باسم الدين لم ينجح حتى في المناطق التي سيطرت عليها فصائل مثل داعش وجبهة النصرة. فتاريخيا وجغرافيا التنوع والوسطية مفروضة على الشعب السوري، والتشدد الديني لا يمكن له حكم البلد.
استحالة أن يستمر مجرم الحرب في الحكم
حدث عبر التاريخ أن طغاة أوقعوا الويلات والمجازر بشعوبهم واستمروا في حكمهم باستخدام القوة والعنف والتخويف؛ لكن أيضا حدث ذلك مع سيادة النظم الديكتاتورية في كل أو كثير من دول العالم وامبراطورياته، حيث كانت حقوق الحاكم لا تخضع للمعايير القانونية أو الأخلاقية. لكن هذا الزمن قد ولّى مع انتشار قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب.
لن ندخل الآن بجدل عقيم للرد على من يكافئ بين جرائم نظام الأسد وحلفائه في سوريا مع جرائم الفصائل المسلحة المتطرفة التي ادعت معارضتها وقتالها للنظام الأسدي. لكن يمكننا العودة لبضعة حقائق يثبتها التاريخ والواقع البشري.
- الحقيقة الأولى، هي أن لا قوة بالعالم مهما بلغت من الجبروت تستطيع تدمير أي دولة يحظى حكامها بثقة غالبية أو نصف شعبها، مهما قيل عن مؤامرات سرية وقوى شريرة تعمل ضدها. فمن المستحيل على كل قوى العالم اختراق سوريا بهذا الشكل والتسبب بكل هذه المجازر والمآسي والدمار لو كان حتى نصف الشعب السوري يؤيد قلبا وقالبا نظام الأسد.
- الحقيقة الثانية، هي أن نظام بشار وأبيه من قبله قد أسس سلطة مطلقة له خلال أربعين سنة، وبعد كل هذه العقود كان نظام الأسد يمتلك السيطرة الكاملة على كامل الجيش وقوى الأمن وإدارات الدولة والاقتصاد والإعلام وحتى رجال الدين من كل الأديان والطوائف، وقد كان جيشه وقواته الأمنية مزودة نسبيا بأفضل أنواع الأسلحة إقليميا، وأجهزته الأمنية كانت قد أحكمت قبضتها على كل مفاصل الدولة والحياة اليومية للناس. بينما بدأت كل المعارضة السياسية والفصائل المسلحة عملها وهي مشتتة، بل ومتصارعة فيما بينها. كما أن قوة الدعم الخارجي الذي تلقاه بشار الأسد من إيران وروسيا والصين كان دعما مطلقا وواضحا على كل الصعد؛ بينما كانت الدول التي قالت إنها تدعم الثورة السورية مترددة ومختلفة فيما بينها وغير واضحة الأهداف.
أي أن نظام الطاغية الأسد كان الأقوى بما لا يقارن مع الطرف الآخر، وبالتالي فمن الحقائق الموضوعية في هذه الحالات أن المسؤول الأكبر والأول عن كل هذه الخسائر البشرية والمادية في الوطن السوري هو من كان أقوى في العام 2011.
- الحقيقة الثالثة، من الناحية التقنية العسكرية، هي أن الدمار الكبير الذي أصاب سوريا لا يمكن أن يحدثه سوى الأسلحة الثقيلة التي لا يملكها سوى النظام الأسدي وحلفاؤه.
- الحقيقة الرابعة، هي أن تاريخ نظام الأسدين في سوريا يؤكد أن استخدام العنف المفرط والقتل والاعتقال العشوائي من أهم أسس بنية هذا النظام، وبالتالي فإن استخدام العنف المفرط جدا من قبل النظام الأسدي ليست حالا عابرة ولا ردة فعل. بل إن حليفيه نظامي إيران وروسيا لم يترددا باستخدام العنف المفرط في دولهم كما فعل بوتين مثلا في حرب الشيشان، ومثلما فعل حكام إيران بمواجهة الشعب الإيراني بثوراته المتكررة منذ العام 2009.
- الحقيقة الخامسة، هي أن غالبية المنظمات الدولية والإنسانية والقانونية أدانت وتدين النظام الأسدي وتحمله مسؤولية ما جرى في سوريا. والشخصيات المسؤولة مع النظام التي صدرت بحقها أحكام قانونية أو أمام المحاكم الدولية شخصيات كثيرة ومن عمق بنية النظام الأسدي.
إذا من المؤكد موضوعيا وقانونيا أن نظام بشار الأسد هو المسؤول الأكبر والأول عن مقتل أكثر من مليون سوري، وتشريد ما يزيد عن اثني عشر مليونا داخل سوريا وخارجها، وتدمير أكثر من ستين بالمئة من البنية التحتية في سوريا، والانهيار الاقتصادي والمؤسساتي والأمني في سوريا.
رغم كل مآسي الشعب السوري، إلا أنه تجاوز كل جدران الخوف وحطمها، ولم يعد يستطيع أن يتقبل حكما ديكتاتوريا مثل حكم نظام بشار الأسد، ولا حتى حكم إسلاميين متشددين أو متطرفين، ولا القبول بالتجارة بالوطن والأديان.
إذا لماذا يتم طرح اسم بشار الأسد، حتى من جهات دولية هي أساسا ليست من حلفائه الإيرانيين أو الروس؟ الإجابة على هذا السؤال طويلة ومتداخلة وبحاجة لأخذ كل حالة لوحدها. لكن بشكل عام هناك خوف وترقب عالمي من تزايد الأزمات والصدامات المسلحة حول العالم، خاصة بعد غزو بوتين لأوكرانيا وعودة أشباح الحرب العالمية النووية، وبالتالي هناك تمنٍ أكثر منه رؤية واقعية موضوعية للحال السورية، لذلك يلجأ بعض المحللين أو المهتمين للبحث عن حلول يتوهمون أنها واقعية وسهلة وليس عن حلول مستدامة، خاصة وهم يرون أن القوة الأكبر عالميا، أي الغرب، ليست بوارد السعي لإنهاء الأزمة، فيتكلون على أن القوة الروسية والإيرانية كافية لفرض حل في سوريا، واستحضار اسم بشار الأسد يتماشى معها. كما أن أحد أوجه الفشل الكبير للمعارضة السورية السياسية أنها لم تنجح في إقناع العالم ولا السوريين أنها قوى سياسية منظمة قادرة على تحمل مسؤولية إدارة دولة من حيث المبدأ.
ماذا لو انتصر الطرح الروسي الإيراني وبقي بشار الأسد؟
هذا السيناريو غير وارد في ظل موازين القوى الدولية وانتقال العالم إلى حرب باردة ثانية بعد غزو بوتين لأوكرانيا، واتخاذ الغرب قرارا استراتيجيا بتحجيم قوة روسيا وعدم العودة لعلاقاته معها إلى سابق عهدها، واليأس تقريبا من التفاهم مع النظام الإيراني. لكن بافتراض أن حدثا سياسيا ضخما حصل خلال السنين القليلة القادمة، وعادت العلاقات بين روسيا والغرب، وبافتراض أن الإدارة الأمريكية والغرب قرروا عدم معارضة تحقيق الرؤية الروسية الإيرانية في سوريا وبالتالي إبقاء بشار الأسد في السلطة، فإن ذلك لن يكون أحسن حالا من التوافقات الدولية التي أعادت استقرارا شكليا للبنان بعد الحرب الأهلية الطويلة في بداية تسعينات القرن الماضي، ولا من الاستقرار الشكلي للعراق بعد الغزو الأمريكي. بل سيكون التوافق الدولي أصعب بكثير والتوليفة التي سيتوصلون لها ستكون أضعف وأسوء مما حصل في العراق ولبنان.
كذلك فإن هذه التوافقات إن حصلت فإنها لن تصل لمرحلة أن يثق الغرب ولا حتى دول الخليج، التي هناك مبالغة حول قدراتها المالية، في الشكل الناتج لحكم سوريا، وبالتالي لن يقدموا الدعم الاقتصادي اللازم لإعادة بناء سوريا. وبدون الدعم الاقتصادي من هذه الأطراف فإن لا إيران ولا روسيا يملكان أساسا ما يقيم أود شعوبهما كي يقدما دعما اقتصاديا بهذا الحجم. كما أن أي شكل للدولة السورية سيواجه تحديات ضخمة جدا لا يملك نظام الأسد ولا حلفائه أي قدرات أو خبرات تساعدهم على مواجهتها.
فمثلا إن إعادة توطين ملايين اللاجئين خارج سوريا، والمشردين داخل سوريا بعد كل هذا الدمار بحاجة إلى تخطيط واستراتيجيات مدروسة، وطبعا استثمارات ضخمة، لا يملكها النظام السوري. وهنا لا بد أن نشير إلى حقيقة منسية وهي أن روسيا الاتحادية نفسها لم تستطع حل مشكلة المواطنين الروس الذين هربوا من روسيا طلبا للجوء خارجها ومنهم حوالي 170 ألفا قدموا طلبات لجوء في دول الاتحاد الأوروبي ما بين العامين 2010 و2020، فكيف لمن يعجز عن طمأنة شعبه وإعادة اللاجئين من شعبه أن يساعد في حل أزمة اللاجئين والمشردين من بيوتهم السوريين.
الناحية المهمة أيضا هي حقيقة أن نظام الأسدين اعتمد بتبرير شرعيته وسلطته المطلقة على المتاجرة بالقضية الفلسطينية والعداء مع إسرائيل لاستعادة الجولان السوري المحتل. إن تحقق هذا السيناريو الافتراضي لن يتم إلا بوجود ضمانات غير مسبوقة لأمن إسرائيل وإخراج سوريا حتى من المواجهة الإعلامية مع إسرائيل، والتخلي عن تخندقها فيما يسمى صف الممانعة والمقاومة الإيراني السوري مع حزب الله، فما زالت إسرائيل عاملا مفصليا في هذا النوع من التسويات والمساومات. وهنا سيفقد النظام الأسدي أقوى الأدوات في فرض حكمه لأنه لن يجد عدوا خارجيا يخيف به الشعب السوري ويبرر من خلال هذا العداء حكمه الديكتاتوري.
الخاتمة
إن واقع موازين القوى الدولية بعد غزو بوتين لأوكرانيا واشتعال الحرب الباردة الثانية، وواقع الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تهز العالم أضعفت داعمي نظام الأسد أكثر مما كانوا ضعفاء، وأكدوا للطرف الأمريكي والغربي أن سوريا ما زالت ورقة مهمة لن يسمحوا لروسيا وإيران أن يحوزوا فيها على انتصار سهل في ظل هذا الصدام الدولي.
كما أن واقع سوريا قبل العام 2011 وبعدها يمنع بأي شكل بقاء نظام بشار الأسد، أو بقاء بشار نفسه، لأنه نظام عاجز بنيويا وموضوعيا عن حكم سوريا، ولإن كمية الرفض الشعبي له باتت أكثر مما كانت قبل 2011، بل حتى من لا يرفضونه سياسيا بين السوريين لا يملكون الثقة بقدراته. كما أن سوريا وعبر هذه الظروف والمآسي قد غادرت نهائيا احتمالات قيام حكم إسلامي متشدد أو متطرف أو طائفي كما يدعي الكثيرون، بتأثير انتشار ما يُسمى الإسلاموفوبيا.
باختصار إن طرح سيناريو بقاء بشار الأسد هو من باب ترف التحليل السياسي أو الانحياز المسبق من قبل بعض المحللين، ومن باب المساومات السياسية سواء لأسباب تتجاوز الوضع السوري أو لمصلحة النظام الأسدي وحلفائه الأساسيين ومحاولة تجميل صورة لا يمكن تجميلها ولا تزويرها.
—
—
المراجع
[1] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” الصراع الدولي والأزمة السورية: الأسباب والنهايات” – 01/09/2018
[2] قضية بعنوان: بعد كل ما حدث؛ بشار الأسد، جامعة تل أبيب، النشرة الفصلية الأولى 2022،
https://strategicassessment.inss.org.il/articles/bashar_al_assad/
[3] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” الصراع الدولي والأزمة السورية: الأسباب والنهايات”، موقع بيت السلام، تاريخ 01 أيلول/سبتمبر 2018
[4] مقابلة بشار الأسد مع “داريا أصلاموفا” مراسلة صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الروسية، تاريخ 14 تشرين أول/أكتوبر 2016
https://www.kp.ru/daily/26594/3610014/
[5] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” لماذا تدعم الصين النظام الأسدي؟ “، موقع بيت السلام، تاريخ 13 تشرين ثاني/نوفمبر 2019
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/china_assad
[6] لإدراك معنى هذه الأرقام، نعود لسجلات مجلس الأمن، لنجد أن الدول الدائمة العضوية قد استخدمت حق النقض الفيتو 254 مرة منذ 1945 إلى اليوم، وذلك لنقض 206 قرارات. منهم 114 مرة من قبل روسيا والاتحاد السوفييتي سابقا، 81 مرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، 29 مرة من قبل المملكة المتحدة، 16 مرة من قبل فرنسا، و14 مرة من قبل الصين.
http://research.un.org/en/docs/sc/quick/veto
[7] ديفيد بيتلمان، ورقة بعنوان “محور المحيط الهادئ الأمريكي America’s Pacific pivot”، المجلة الدولية، تاريخ 2012
https://www.jstor.org/stable/42704948
[8] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” السياسة الأميركية ليست في حاجة إلى حسم الأزمة السورية”، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، تاريخ 11 حزيران/يونيو 2016
[9] علاء الخطيب، ورقة بعنوان “السياسة التركية بين الواقع والخيال”، موقع بيت السلام، تاريخ 30 آذار/مارس 2017
https://www.infosalam.com/geopolitics/studies/turkish-policy-between-reality-and-fiction
[10] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” القيصرية الروسية هل تعود للتمدد؟ طبول الحرب على حدود أوكرانيا”، موقع بيت السلام، تاريخ 16 كانون ثاني/يناير 2022.
https://www.infosalam.com/geopolitics/studies/russia_expand
[11] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” الحرب الباردة الثانية، بدأت في سوريا واشتعلت في أوكرانيا”، موقع بيت السلام، تاريخ 12 أيلول/سبتمبر 2022
https://www.infosalam.com/geopolitics/studies/cold_war_2
[12] ستيفن كوك، مقال بعنوان “ما هو خطأ الجميع حول تركيا”، فورين بوليسي، تاريخ 18 كانون الثاني/يناير 2023
[13] اندلعت الثورة البرتقالية (2004-2005) في أوكرانيا عقب جولة إعادة الانتخابات الرئاسية، التي شابها الكثير من التزوير والترهيب، والتي أدت لفوز حليف روسيا القوي فيكتور يانوكوفيتش، والتي كانت عمليا ثورة ضد السيطرة الروسية على أوكرانيا وطلبا للتوجه غربا نحو الاتحاد الأوروبي.
[14] كالا هومد، تقرير للكونغرس الأمريكي بعنوان “الأزمة المسلحة في سوريا، نظرة عامة على الرد الأمريكي”، خدمة الأبحاث في الكونغرس الأمريكي، تاريخ 08 تشرين ثاني/نوفمبر 2022. Congressional Research Service RL33487 · VERSION 170 · UPDATED
https://sgp.fas.org/crs/mideast/RL33487.pdf
[15] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” نتنياهو وبشار الأسد وبوتين بين رؤيتين إسرائيليتين”، موقع بيت السلام، تاريخ 02 حزيران/يونيو 2019
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/netanyahu-assad-putin
[16] كالا هومد، تقرير للكونغرس الأمريكي بعنوان “الأزمة المسلحة في سوريا، نظرة عامة على الرد الأمريكي”، خدمة الأبحاث في الكونغرس الأمريكي، تاريخ 08 تشرين ثاني/نوفمبر 2022. Congressional Research Service RL33487 · VERSION 170 · UPDATED
https://sgp.fas.org/crs/mideast/RL33487.pdf
[17] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” سورية حتى العام 2011، ما بين الابن وأبيه”، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، تاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر 2022
[18] المرجع 17
[19] الشبيحة ومفردها شبيح، من كلمة شبح العربية. انتشرت في سوريا للدلالة على العصابات والأفراد الخارجة عن القانون والتي تمارس مختلف الجرائم من تهريب وتهديد واعتداء جسدية وجنسية. وبداية ظهورها كانت في مناطق الساحل السوري وجباله للإشارة لعصابات تابعة لأفراد من عائلة الأسد. ويُقال أن اسم الشبيحة اتى من لقب سيارة المرسيدس إس600 السوداء التي كان زعماء وأفراد هذه العصابات يستخدمونها بعملياتهم.
[20] بول بريم، 1941، سياسي أمريكي من الحزب الجمهوري، عينه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن مبعوثا خاصا له إلى العراق كمشرف على شؤون العراق، وعمليا كحاكم أمريكي للعراق.
[21] المرجع رقم 15
[22] المرجع رقم 15
[23] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” هل سورية بين خيارين فقط: النظام أو الإسلاميون؟”، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، تاريخ 01 آب/أغسطس 2016
[24] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” الكذبة الكبرى: عَلمانية نظام الأسد”، موقع بيت السلام، تاريخ 18 تشرين ثاني/نوفمبر 2018
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/fallacy-assad-regime-secular
[25] منظمة حقوق الإنسان، التقرير العالمي 2023، أحداث سوريا 2022.
https://www.hrw.org/ar/world-report/2023/country-chapters/syria
[26] علاء الخطيب، ورقة بعنوان ” روسيا واللاجئون السوريون، فاقد الشيء لا يعطيه”، موقع بيت السلام، تاريخ 01 آب/أغسطس 2018
https://www.infosalam.com/immigrants-refugees/studies/russia-refugees














