الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الإعلان الدستوري السوري أصغر من سورية، وعلى مقاس الشرع

جاء نص الإعلان الدستوري مخيبا للآمال، ومناقضا لأهداف الثورة والشعب السوري، بل هو لا يمثل سوى إطار تجميلي شكلي لسلطة مطلقة يسعى احمد الشرع لضمانها لنفسه ولمجموعته المقربة.

15.03.2025

علاء الخطيب

لم يأتِ الإعلان الدستوري مفاجئاً بمحتواه، لأن المقدمات التي سبقته كانت ترجح كفة أن السلطة الحالية في سورية تسير في طريق الحكم الشمولي باستخدام الغطاء الديني الإسلامي، والمنطلقة من رؤية طائفية تستغل المشكلة الطائفية المقيمة في سورية خاصةً ما بين السنة والعلويين والشيعة.

ربما لم تكن سورية التي أرادها السوريون بثورتهم على عصابة الحكم الأسدي عام 2011 متضحة المعالم ومحددة بشكل واضح، لكن أسباب وسياق الثورة، خاصةً ببداياتها قبل أن يستولي على صوتها قادات الفصائل المسلحة الإسلامية، كانت واضحة بشعارات الثورة: الحرية، الكرامة، العدالة. هذه الشعارات عند ترجمتها بالتنظير السياسي تعني فالحرية تعني الديمقراطية الحقيقية، والكرامة تعني سيادة مبادئ حقوق الإنسان وحقوق المواطنة، والعدالة تعني تحقيق العدالة الاقتصادية المعقولة بمعايير وقتنا الحالي، والتي على الأقل ستحاول ردم الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء من خلال سياسة اقتصادية ومؤسساتية أكثر عدلاً وشفافية.

الإعلان الدستوري لم يعكس ولم يعبر عن هذه المطالب البسيطة للسوريين، والأساسية لأي مجتمع بشري يريد العيش بظل دولة قابلة للتطور والتقدم والازدهار.

مقدمة الإعلان الدستوري

يؤكد الإعلان الدستوري أن المقدمة جزء لا يتجزأ من الإعلان الدستوري، فهي ليست مجرد مدخل يمكن إهماله. تحتوي المقدمة بحد ذاتها افتئات واستقواء على حقوق السوريين، فالمقدمة تضع ضمن مرجعياتها الأساسية “مؤتمر النصر” بتاريخ 19 كانون أول\ديسمبر 2024. فهذا المؤتمر ضم فقط قادات الفصائل الإسلاموية التي شاركت بعملية “ردع العنوان” بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقا) وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة)، والجميع يعلم أن هذه الفصائل لم تنل تأييد الغالبية الشعبية خلال الأربعة عشر سنة منذ انطلاق الثورة السورية، ولا أدعي هنا أن التأييد الشعبي كان صغيرا. فأن يكون إعلان النصر صادراً من جماعة عليها من الأسئلة والشكوك ما عليها هو استقواء على حق السوريين، ثم أن يتم ترسيخ هذه الشرعية المدعاة لأمراء الفصائل الإسلامية المشاركة من خلال مقدمة الإعلان الدستوري لا يحترم حق السوريين بالحرية والكرامة.

تنص المقدمة على أربع مخرجات لما سُميّ “مؤتمر حوار وطني”، والنقطة الرابعة تقول: “تنظيم شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية وفق مبادئ الحكم الرشيد.” وعبارة الحكم الرشيد هنا عبارة غائمة وعائمة ولا مرجع يحددها. وما هي مبادئ الحكم الرشيد؟ ومتى يكون الحكم رشيدا؟ فالحكم الرشيد قد يشير للمقابل الإنجليزي Good Governance والمعتمد أيضا في أدبيات الأمم المتحدة، وقد يشير لمفهوم إسلامي، فصل به العديد من الإسلاميين والمفكرين الإسلاميين بالعصر الحديث؛ وما بين الفهمين خلافات كبيرة، فأي حكم رشيد وأي مبادئ؟

تبدأ المقدمة بتأسيس أحد أهم مشاكل هذا الإعلان، بعبارة: “فإن رئيس الجمهورية يُصدر الإعلان الدستوري الآتي، والذي تعد مقدمته جزءًا لا يتجزأ منه“، فحتى لم يحاول المؤلف استبدال هذه العبارة بعبارة “فإن رئيس الجمهورية صدَّق على الإعلان الدستوري المُقَدم من قبل لجنة إعداد الدستور”.

إقحام الإسلام في الإعلان الدستوري

ورد المادة 3، بالنقطة الأولى دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع.

هذا النص، وما يشبهه من نصوص في دساتير سورية السابقة ودساتير بعض الدول العربية، هو هدم لمفهوم المواطنة من أساسه، والتي يؤكد الإعلان عن أن الدولة ستكون دولة المواطنة. ومن ناحية ثانية سيبقي أي ديمقراطية أو عدالة ناقصة ومشوهة لأنه أساساً يميز بين المواطنين على أساس الدين. وقد يُقال إن هو إلا نص واحد، ومنصب واحد، لكن هذه الحجة تغفل أن هذا المنصب هو أهم منصب بالدولة، والأكثر سلطة وقوة.

أما اعتبار الفقه الإسلامي هو “المصدر الرئيس للتشريع“، وليس حتى مصدرا من مصادر التشريع، ولا حتى “مصدراً للتشريع”. بل حتى ليس “المصدر الرئيسي للتشريع”، فالفرق بين العبارة الأولى “الرئيس” وبين الأخيرة “الرئيسي” هو أن صفة “الرئيس” تعطي صفة القيادة والزعامة للفقه الإسلامي على ما سواه من شرائع دينية، أي الاستهانة ببقية الأديان مقارنة بالإسلام؛ بينما صفة “رئيسي” قد تعطي معنى “الأساسي، أو الأولوية”.  

من ناحية ثانية فمصطلح الفقه الإسلامي مختلف عليه بين فقهاء وشيوخ الإسلام، وحتى لو أخذنا بالمعنى الأكثر انتشارا وهو: ” الأحكام الشرعية المستندة لأدلة تفصيلية في أفعال المكلفين: بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة” حسبما قال ابن خلدون في مقدمته، فما زال التعريف ضبابيا وعائما. لذلك ففهم السلطة لهذه الفقرة سيعتمد على مرجعية هذه السلطة، وبما أن السلطة الحالية ذات توجه إسلامي سلفي جهادي غالب عليها، فلنا الحق باستنتاج أن هذا الفقه سيكون أقرب لفقه ابن تيمية أكثر من قربه لفقه أبو حنيفة مثلاً، أو حتى ابن حنبل.

لكن مع ذلك المشكلة ليست مقتصرة على ضبابية المصطلح، فحتى لو فرضنا وجود فقه واحد وبمفهوم واحد، فإن هذا الفقه، والمقصود هنا هو “فقه المعاملات” لا يناسب زماننا ومكاننا. وهنا لا بد من التنبيه إلى أن الإسلام كدين مكون من:

  • الإيمان والعقيدة،
  • الطقوس الدينية كالصلاة والصيام،
  • الأخلاق،
  • التشريع الدنيوي.

فإن ما يناسب كل زمان ومكان هو الإيمان والعقائد والطقوس، والقيم الأخلاقية. لكن فقه المعاملات او التشريع الدنيوي لا يمكن أن يناسب كل زمان ومكان.

الناحية الأهم في هذه الفقرة هي أنها تتجاهل أن سلاح التحريض الطائفي بين الطوائف والأديان واللاأديان كان أمضى وأخطر سلاح استخدمته عصابة الأسد وحلفاؤها بمن فيهم المليشيات التي تسترت براية الإسلام الشيعي، وكذلك أمراء الفصائل الذين اختبأوا خلف راية المسلمين السنة. وقد شهد السوريون مؤخرا من يوم 6 آذار\مارس 2025 أبشع مجزرة بسبب شدة وقوة خطاب التحريض الطائفي. ففرض هذه الفقرة هو بالواقع ترسيخ للمشكلة الطائفية وزيادة في الاحتقان، وبالتالي إبقاء المجتمع السوري ضعيف أمام أي أزمة كبيرة، وأمام تدخل أصحاب القوة والمصالح في استغلال هذا الهيجان الطائفي.

كذلك فإن فقرة تحديد دين رئيس الجمهورية، أهم منصب في الدولة، يؤكد أن أهلية وكفاءة المسلم أفضل من غيره من مواطنين، فمنصب رئيس الجمهورية يجب أن يحظى، لو حتى نظريا، بأقسى وأهم امتحان لمؤهلات وكفاءات من سيتقلد هذا المنصب. أي أنه أيضا يضع أفضلية حسب الدين.

إقحام القومية العربية

لا تضع كل الدول المصنفة عالميا “عربية” في اسمها. وفي سورية فإن زيادة وصف “عربية” على اسم الجمهورية يرسل رسالة واضحة بعدم احترام غير العرب. بينما غيابها ليس إهانة أو انتقاصا من الأكثرية العربية.

شكلانية الحقوق الأساسية

تنص المادة 23 على ما يلي: “تصون الدولة الحقوق والحريات الواردة في هذا الباب، وتمارس وفقاً للقانون، ويجوز إخضاع ممارستها للضوابط التي تشكل تدابير ضرورية للأمن الوطني أو سلامة الأراضي أو السلامة العامة أو حماية النظام العام ومنع الجريمة، أو لحماية الصحة أو الآداب العامة.

هذه الصياغة تمنح السلطة التنفيذية، المتركزة في يد الشرع أو رئيس الجمهورية، صلاحيات واسعة للحد من الحريات والحقوق الواردة بالدستور. خاصةً وأنها تستخدم حججاً غير معرفة وغير واضحة تذكرنا بفقرات مشابهة أيام الديكتاتورية الأسدية. ويضاف لها فقرة “الآداب العامة” التي يمكن استخدامها بأية لحظة للاعتداء على حريات المواطنين وفق قراءة السلطة التنفيذية التي لا يمكننا تجاهل أساسها الأيدلوجي والعقائدي والمستند بأحد دعائمه على نظرة فوقية لأخلاق الآخرين.

الطاولة على يسار الشرع في حفل توقيع الإعلان الدستوري ضمت عدة شخصيات إسلامية متشددة، ولم يصدر أي إعلان رسمي عن صفتها أو وظيفتها.

النص يرسخ سلطة رئيس الجمهورية المطلقة

تنص المادة 24 على ما يلي:

يشكل رئيس الجمهورية لجنةً عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب.

تقوم اللجنة العليا بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتقوم تلك الهيئات بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب.

يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب لضمان التمثيل العادل والكفاءة.

هذه الفقرة تعني بكل وضوح أن ما يُسمى “مجلس الشعب” مُسيطَر عليه من قبل رئيس الجمهورية، ففقرة تعيين لجنة عليا لاختبار أعضاء مجلس الشعب، تقوم باختيار ثلثي أعضاء المجلس، والرئيس يعين الثلث الباقي تؤدي بالمحصلة إلى أن الرئيس بيده تعيين جميع الأعضاء. وبالتالي فإن مجلس الشعب قد فُرِّغ من مضمونه وسلطته قبل تشكيله.

تنص المادة 35 على ما يلي: “يعين رئيس الجمهورية الوزراء ويعفيهم من مناصبهم ويقبل استقالتهم.” أيضا لا نرى دورا لمجلس الشعب.

تتحدث المادة 39 عن علاقة الرئيس بمجلس الشعب في آلية تشريع القوانين. والتي بالمحصلة تعني أن مجلس الشعب لا يستطيع إصدار أي قانون يعترض عليه الرئيس. فشرط موافقة ثلثي أعضاء المجلس على القانون لتجاوز موافقة الرئيس هو إجراء شبه مستحيل، خاصة مع حقيقة أن المجلس تم تعيينه بكامله من قبل الرئيس بشكل مباشر (الثلث) او غير مباشر (عبر اللجنة العليا).

تمنح المادة 41 صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية بعيدا عن مجلس الشعب. فهو ومجلس الأمن القومي (الذي يعينه الرئيس أيضا دون أي رقيب) يملكون قرار الحرب والسلام. كما أنهم بالتشاور (وليس أخذ الموافقة) مع رئيس مجلس الشعب (وليس مجلس الشعب) ورئيس المحكمة الدستورية العليا (وليس كامل المحكمة) يملكون حق فرض قانون الطوارئ لمدة ثلاثة شهور.

السلطة القضائية

رغم أن المادة 43 تنص على استقلال القضاء، لكن المادة 47 تعود لتضرب هذه الاستقلالية من خلال منح الرئيس صلاحية تعيين قضاة المحكمة الدستورية العليا، دون مشاورة أي جهة بالدولة.

والمحكمة الدستورية العليا هي المفترض صاحبة الصلاحية والسلطة لحماية استقلال القضاء، بينما هي بحد ذاتها مرهونة بقرار الرئيس لوحده.

قصور العدالة الانتقالية

تنص المادة 49 على ما يلي: “تستثنى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية وكل الجرائم التي ارتكبها النظام البائد من مبدأ عدم رجعية القوانين.

وهذا مبدئيا مفهوم ومُبرر، لكن السؤال الكبير: وماذا حول من مارس جرائم كبرى ضد الإنسانية من قبل بعض قادات الفصائل التي كانت تعلن أنها معارضة لعصابة الأسد، فالسوريون والمنظمات الدولية تحتفظ بسجل حافل بحق قادات هذه الفصائل، ومن حق السوريين أن يتم شملهم بهذه الفقرة، لتقرر فيما بعد أجهزة العدالة الانتقالية في التهم الموجهة لهم.

ما الذي سقط من نص الإعلان الدستوري:

  • النص لم يشر لا من قريب ولا بعيد للديمقراطية، التي هي مطلب سوري جماهيري واضح، ومطلب إنساني بالواقع بكل الدول. كما أن النص تجنب حتى صياغات الدساتير السابقة حول كون الشعب هو مصدر السلطات.
  • لم يضمن النص تساوي حقوق المواطنين السوريين السياسية والاجتماعية والاقتصادية بغض النظر عن دينهم أو قوميتهم أو طائفتهم أو جنسهم.
  • أهمل ملفات عالية الأهمية بحاجة للبدء بإطلاق مشاريع ضخمة لمعالجتها مثل: ملف التعليم بما يشمل من تعليم مجاني وإلزامي، وملف البنية التحتية للقطاع الصحي، والملف الاقتصادي.
  • أهمل النص أكبر تحدي ومشكلة تواجه سورية وهي مشكلة الشروخ الشاقولية الطائفية والقومية والسياسية، والتي ظهر مدى خطورتها في المذبحة البشعة ضد العلويين في الساحل السوري خلال الأسبوع الثاني من شهر آذار\مارس.
  • يفتقد الإعلان الدستوري لوضع أي آلية مراقبة ومحاسبة للسلطة التنفيذية، فكل السلطات مركزة بيد الرئيس وحده، وهو الوحيد صاحب الحق بتعيين الوزراء وإعفائهم من مناصبهم، بينما مجلس الشعب لا يملك سوى حق الاستماع. وطبعا لا يوجد أي آلية لمحاسبة أو مساءلة رئيس الجمهورية لا في مجلس الشعب ولا عبر المحكمة الدستورية العليا.
  • لا يضع الإعلان أي حدود لصلاحيات الحكومة المؤقتة. فخلال خمس سنوات ستجابه سورية مشاكل أو أسئلة كبرى تستلزم قرارات استراتيجية تتجاوز صلاحيات ومؤهلات الحكومة المؤقتة. ولا وضع الإعلان آلية لتوسيع آلية اتخاذ القرارات الكبرى. فعلى المدى الطويل قد يستحيل أو يصعب جدا تعديل أو إصلاح قرارات استراتيجية يمكن أن تتخذها الحكومة المؤقتة.
  • لم يضع النص أي شروط للمناصب العليا مثل الرئاسة والحكومة ومجلس الشعب، وبالذات خلو السجل العدلي للمرشحين لهذه المناصب.

خاتمة

جاء نص الإعلان الدستوري مخيبا للآمال، ومناقضا لأهداف الثورة والشعب السوري، بل هو لا يمثل سوى إطار تجميلي شكلي لسلطة مطلقة يسعى احمد الشرع لضمانها لنفسه ولمجموعته المقربة.
فالنص أعطى الرئيس صلاحيات واسعة جدا، ووضع صياغات إشكالية تقوض كل فقرات ومواد حماية حقوق المواطن السوري، وحجب أي آلية واضحة للمحاسبة أو المراقبة من خلال مجلس الشعب؛ بل إن الإعلان حمى سلطة رئيس الدولة من خلال آلية تعيين لأعضاء المجلس متهالكة.

يمكنكم متابعة هذا الموضوع على اليوتيوب:

 

 

قد يهمك