الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

كيف تعمل نظم الدفاع الصاروخية المضادة للصواريخ، ولماذا تفشل؟ الحرب الإيرانية الإسرائيلية

علاء الخطيب

16/06/2025

يعيش العالم والمنطقة على وقع أخبار الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي تعتمد على السلاح الجوي والصاروخي الإسرائيلي، والسلاح الصاروخي الإيراني بشكل أساسي. ونسمع كل ساعة الأخبار عن إطلاق صواريخ إيران الباليستية، وكم صاروخاً وصل منها لإسرائيل، وكم صاروخاً أصاب هدفه، وكم صاروخا استطاعت “القبة الحديدية” الإسرائيلية صده ومنعه من الوصول لهدفه.

أحاول بهذا المقال توضيح بعض الأساسيات في حرب الصواريخ، مع بعض الأشكال التوضيحية. لكن يجب أن ينتبه القارئ إلى أن المسافات في هذه الأشكال توضيحية وليست قياسية، بمعنى أن الأبعاد الحقيقية مختلفة جدا عن الواقع.

الشكل 1، مخطط توضيحي لنظام الدفاع الصاروخي ضد الصواريخ الباليستية.

إطلاق الصواريخ

بمجرد إطلاق صاروخ باليستي في الهواء، لا يملك المدافع سوى دقائق لتحديد مساره بدقة ومحاولة إسقاطه (الشكل 2). والهدف، وهو رأس حربي للعدو، موجود داخل جسم بحجم سيارة تقريبًا (الشكل 3)، يطير عادةً عبر حافة الفضاء بسرعة تفوق سرعة الصوت بعدة مرات.

الشكل 2، الكشف المبكر لإطلاق الصاروخ الباليستي يشكل عاملاً حاسماً في التصدي لهذه الصواريخ، فالوقت محدود جداً قبل وصول الصاروخ الباليسيتي لهدفه.

الصواريخ الباليستية، كتلك التي أطلقتها إيران، تتسارع بسرعات هائلة عند سقوطها عائدةً إلى الأرض. ويقدر المحللون أن وصول الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل استغرق حوالي 12 دقيقة فقط. لكن الوقت المتاح لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن كيفية إيقافها كان أقل بكثير.

الشكل 3، يتخلص الصاروخ المهاجم من المراحل الأولى التي توصله إلى مساره قبل انقضاض الرأس المتفجر على هدفه، الذي يقارب حجمه حجم سيارة.

اعتراض الصواريخ المهاجمة

في غضون ثوانٍ، يجب أن ترصد الأقمار الصناعية البصمة الحرارية المنبعثة من إطلاق الصاروخ. يجب أن تعثر الرادارات على الصاروخ وتحاول حساب مساره الدقيق؛ حيث تعمل عدة نظم فرعية (أقمار صناعية، طائرات استكشافية، أنظمة بحرية، أنظمة أرضية) لمراقبة إطلاق الصواريخ المهاجمة (الشكل 4).

الشكل 4، أنظمة الكشف الرادارية التي تشكل خط الدفاع الأول لكشف اطلاق الصاروخ الباليستي ثم تتبعه.

قرار الاعتراض

يجب إطلاق صاروخ دفاعي يُسمى صاروخًا اعتراضيًا بعد كشف انطلاق الصاروخ الباليستي بوقت قصير للوصول إلى الصاروخ القادم في الوقت المناسب.

هذا صعب بما فيه الكفاية مع صاروخ واحد. لكن إيران أطلقت وابلًا كبيرًا ما يقرب من 200 صاروخ باليستي في أقل من ساعة. يبدو أن الهدف هو التغلب على الدفاعات الإسرائيلية.

لا تستطيع الرادارات تتبع سوى عدد محدود من الأهداف في وقت واحد، وقد تحتاج منصات الإطلاق، بعد إفراغها، إلى نصف ساعة أو أكثر لإعادة تعبئتها.

إضافةً إلى ذلك، إذا كانت الدول المستهدفة قلقة بشأن هجمات مستقبلية، فقد تحتاج أيضًا إلى اتخاذ قرار حاسم في جزء من الثانية بتخصيص صواريخ اعتراضية قيّمة فقط للصواريخ القادمة التي يبدو أنها ستُحدث أكبر قدر من الضرر.

في الحرب القائمة بين إسرائيل وإيران، قالت إسرائيل إن أنظمتها الدفاعية أسقطت العديد من الصواريخ، ويبدو أن الصواريخ التي أصابت الأهداف قد تسببت في أضرار محدودة. لكن صور الأقمار الصناعية تُظهر أن القصف، الذي قال محللون إنه استخدم صواريخ أكثر تطورًا، خلّف عشرات الحفر. لو سقطت تلك الصواريخ في منطقة مأهولة بالسكان، لكان الموت والدمار واسع النطاق، وبالواقع هنا أحد مشاكل تخلف التقنية الإيرانية الصاروخية وهي مشكلة الدقة في إصابة الأهداف.

الاعتراض

يُطلق كلٌّ من الصاروخ المُعترض والصاروخ المُعادي مُعززاتٍ تُشغّلهما في الفضاء. ولا يتبقى سوى مُركبتين أصغر حجمًا، تندفعان نحو بعضهما البعض. يبين الشكل 5 توضيحا لهذا الاشتباك، لكن لا ننسى أنه رسم توضيحي فقط، لكن واقعيا لنا أن نتخيل نقطتان صغيرتان تتحركان بسرعة عالية في حجم هائل، والصاروخ المدافع يحاول الاقتراب قدر ما يستطيع من الصاروخ المُهاجم ليفجره.

الشكل 5، اشتباك الصاروخ المهاجم مع الصاروخ الاعتراضي خارج الغلاف الجوي

تعمل أكثر الأنظمة تطورًا، وهي صواريخ اعتراضية بعيدة المدى مثل “Arrow 3، آرو 3″، في الفضاء، حيث تقضي الصواريخ الباليستية، مثل تلك التي أطلقتها إيران، معظم وقتها. إنها الفرصة الأولى لإيقاف صاروخ. وهنا يجب ألا ندع الرسم التمثيلي يخدعنا، فبالواقع نحن نتكلم عن حجم هائل تطير به نقطة صغيرة، وأي انحراف بسيط أو خطأ في تحديد نقطة الصدام يعني الابتعاد عشرات الكيلومترات عن الهدف.

تستخدم أنظمة التوجيه نظم مؤتمتة وموديلات رياضية معقدة، تعالج بسرعة هائلة المعلومات المتوفرة من الرادارات والظروف الفيزيائية (الارتفاع، السرعة، …) لتقرر أكثر النقاط احتمالاً لاعتراض الصاروخ المهاجم. وهذا القرار، الذي تتخذه منظومة التحكم المؤتمتة المدافعة، يبقى خاضعا لغيمة من الاحتمالات، لا تصل أبداً إلى قرار دقيق يتجاوز السبعين بالمئة.

صُمم نظام الدفاع الإسرائيلي الأشهر، القبة الحديدية، لإيقاف الصواريخ قصيرة المدى، وهو بطيء ومحدود للغاية عندما يتعلق الأمر بالصواريخ الباليستية. ولذلك، تعتمد إسرائيل على عدة طبقات دفاعية أكثر تطورًا مصممة لمواجهة الصواريخ الباليستية في مراحل مختلفة من الطيران.

طبقات الدفاع

يسعى المُعترض إلى توجيه ضربة مُباشرة لتدمير الرأس الحربي. وللتصويب، يحمل المُعترض مُستشعراتٍ لتتبع صاروخ العدو ومُحركاتٍ للتحرك نحوه. ولكن عندما يستشعر المُعترض هدفه على بُعد كيلومتر واحد، لا يتبقى لديه سوى جزءٍ من الثانية للتكيف.

ذلك لأن الصواريخ، مثل أحدث صاروخٍ إيراني، لا يتجاوز عرضها عند القاعدة متر واحد عندما تكون في الفضاء، وتقطع مسافة 3 كيلومتر تقريبًا في الثانية.

وإذا لم يكن ذلك صعبًا بما فيه الكفاية، فإن بعض الصواريخ الباليستية تحمل طُعومًا لتضليل المُعترض. كما يُمكن للحطام المُتبقي من المُعززات أن يُربكه.

الشكل 6، طبقات الدفاع الصاروخي الإسرائيلي الثلاث، الصواريخ بعيدة المدى تحاول إصابة الصاروخ الباليستي خارج المجال الجوي، متوسطة المدى تحاول الاعتراض في الطبقة الجوية العليا، قصيرة المدى هي خط الدفاع الأخير تحاول الاعتراض بارتفاعات أقل.

ليس من الواضح مدى نجاح عمليات الاعتراض فوق الغلاف الجوي. تميل الحكومات إلى تجنب الكشف عن مُعدلات الاعتراض المُحددة، ولديها كل الأسباب لتقديم صورة إيجابية، حتى عندما تفشل عمليات الاعتراض. وكذلك تفعل الشركات المُصنّعة للأنظمة باهظة الثمن. عند دمجها مع أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية في المنطقة، تمتلك إسرائيل حاليًا أكبر طبقات الدفاع الصاروخي في العالم. إذا فشلت دفاعات الطبقات الخارجية (الشكل 6) في إيقاف صاروخ، فقد تُتاح للأنظمة الأقصر مدىً التي تعترض الصواريخ الأقرب إلى الأرض فرصة أخرى.

لكن الوقت ينفد بسرعة. كلما اقترب الصاروخ الباليستي، زادت خطورته. وحتى لو نجح اعتراضه على ارتفاع أقل، فإن الحطام الناتج عنه قد يكون مميتًا.

إذا نجح الصاروخ الباليستي في العودة إلى الغلاف الجوي، فغالبًا يتبقى أقل من دقيقة لتحاول الصواريخ الأخرى اعتراض الصاروخ المهاجم.

يجب على الدفاعات التي تعمل في الغلاف الجوي العلوي – مثل نظام “آرو2 Arrow2” الإسرائيلي أو نظام “ثاد THAAD” الذي أرسلته الولايات المتحدة إلى إسرائيل – إطلاق صواريخها الاعتراضية في غضون ثوانٍ.

مع اقتراب الصاروخ من الأرض، توفر الدفاعات قريبة المدى، مثل نظام “باتريوت Patriot” الأمريكي، فرصة أخيرة لإيقافه. لكن هذه الأنظمة يبلغ مداها حوالي 12 ميلًا، ولا يمكنها حماية سوى مناطق محدودة.

يمكن للمهاجم الاعتماد على مجموعة متنوعة من التكتيكات. لتشتيت انتباه العدو، يمكنه إطلاق وابل من الأسلحة الأرخص الموقوتة للوصول في نفس وقت وصول الصواريخ الباليستية. هذا ما حاولته إيران في هجومها في أبريل/نيسان 2024، لكن يبدو أن إسرائيل وحلفاءها تمكنوا من التمييز بين الأسلحة الأسرع والأبطأ، باستخدام دفاعات أخرى مثل الطائرات المقاتلة لمواجهتها.

صعوبة الاعتراض

يمكن بتبسيط شديد توضيح صعوبة اعتراض الصواريخ المتوسطة أو بعيدة المدى أن التنبؤ بمسارها صعب جداً وهي على مسافة ووقت كافيين لاعتراضها، تزداد دقة التنبؤ كلما اقترب الصاروخ المهاجم من هدفه، لكن ذلك يعني أيضا أن الوقت المتاح للاعتراض أقل بكثير.

لنا أن نتخيل كم يمكن أن يختلف مسار الصاروخ لو تغيرت زاوية ميله بدرجة واحدة عندما تكون المسافة طويلة، ولذلك فإن نظم الدفاع الصاروخية يجب ان تعالج الكثير من المعلومات والمعطيات، وتحسب بنفس الوقت المسارات الأكثر احتمالية، وتقوم بعملية التحديث طوال مراقبة المسار (الشكل 7).

لا بد أيضا من ملاحظة أن هذه الصواريخ لا تتخذ خطاً مستقيما، أو موازيا لسطح الأرض، بل تتخذ مساراً منحنياً فوق سطح الأرض، وببعض الحالات ترتفع إلى ما فوق المجال الجوي مما يزيد المسافة التي يقطعها الصاروخ المهاجم، ويزيد من صعوبة التنبؤ بمساره. لذلك فالمسافة، مثلا، بين إيران وإسرائيل أقصر بكثير من المسافة التي يقطعها الصاروخ الباليستي.

الشكل 7، مخطط تبسيطي للمسارات الممكنة للصاروخ الباليستي بعد الإطلاق.

خاتمة

سيظل الخلل الأساسي في حرب الصواريخ قائمًا: إطلاق صاروخ باليستي أسهل بكثير من إيقافه. وصنع صاروخ باليستي أرخص وأسرع من صنع صاروخ اعتراضي لإسقاطه. والخلل الأهم في النظام الإيراني هو أنها تفتقد للدقة المطلوبة، والقدرة التفجيرية. فعلى مدار صراع طويل الأمد، قد يصبح السؤال هو أي طرف سينفد صواريخه أولاً.

قد يهمك