الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الكيس الأسود الرقمي: هندسة اللامبالاة

علاء الخطيب

03/03/2026

استحضار “الغطاء الأسود

في عصور الإعدامات السابقة، كان وضع كيس أسود على رأس المحكوم عليه ضرورة إجرائية، لكي يستطيع الجلاد أن يؤدي وظيفته وينفذ حكم الإعدام. فرؤية عيني الضحية، وجه الضحية، كانت تعني استحضار إنسانيتها، وهذا يوقظ فينا حساً أخلاقياً لا إرادياً يمنعنا من القتل. اليوم، نحن نعيش في “عصر الغطاء الرقمي”.

الشاشات التي نحملها في جيوبنا هي ذلك الكيس الأسود الذي يغطي وجه العالم. هي لا تحجب الرؤية، بل تحجب “المسؤولية الأخلاقية”. إنها تغطي وجه الآخر “الضحية” وكذلك تغطي وجهنا “الجلاد”.

التنظير البنيوي (زيجمونت باومان و”الأديافورا”)

يسمي عالم الاجتماع زيجمونت باومان هذه الحالة بـ “الأديافورا (Adiaphora)“؛ وهي المناطق التي يتوقف فيها الضمير عن العمل بسبب المسافة. على الإنترنت، يغيب “الحضور” المادي، وتتلاشى العواقب المباشرة.

نحن لا نرى ارتجاف الضحية أو انكسار صوتها، بل نرى “تعليقاً” أو “بيانات”. هذا التحول يحول البشر من “ذوات حية” إلى “أرقام” في إحصائيات المعاناة. عندما تتقلص المسافة بيننا وبين الآخر، تزدهر الأخلاق، وعندما تتباعد المسافة، يولد الوحش الذي يمارس التنمر خلف اسم مستعار، معتقداً أن المسافة تحميه من حقيقة إنسانيته.

اختزال الإنسان إلى “داتا”

إن التناقض القاتل في عصرنا هو أننا نرى كل شيء، لكننا لا نشعر بأي شيء. تحولت الحروب والمآسي إلى محتوى رقمي نمرر أصابعنا فوقه بسرعة. العقل البشري، الذي تطور ليتعاطف مع من يراهم في دائرة مجتمعه الصغير، يقف عاجزاً أمام فيض المعلومات الذي يحول الآخرين إلى مجرد ‘محتوى’.

نحن نمارس التنمر ليس لأننا أشرار في جوهرنا، بل لأن البنية التقنية التي نتحرك فيها صُممت لتلغي ‘المسافة الأخلاقية’، وتجعل الفعل الإنساني مجرداً من أثره الواقعي.

الخاتمة – نداء الوعي

السؤال الاستراتيجي اليوم هو: كيف نستعيد ‘القرب’ في عالم الرقمية؟ كيف نخترق غطاء الرأس الرقمي الذي نرتديه؟ النجاة الأخلاقية لا تأتي من التكنولوجيا، بل من القدرة على إعادة ‘تأنيس’ الرقم. إن لم ندرك أن خلف كل شاشة، وكل إحصائية، توجد حياة مساوية لحياتنا، فإننا سنستمر في عملية المسخ الجماعي، حيث يظل ‘الجلاد الرقمي’ يضغط على زر النشر دون أن يرى في عيون ضحاياه أي شيء سوى انعكاس لشاشته الخاصة.”

قد يهمك