الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

هل يمكن أن يكون الله عبثياً؟ العبث والحكمة

علاء الخطيب

22/03/2026

منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يعي ذاته، وهو يطرح سؤالاً بسيطاً في ظاهره، لكنه مرعب في عمقه: هل لهذا الوجود معنى؟ هل نحن جزء من نظام محكم تتحقق فيه غايات، أم أننا مجرد نتيجة عمياء لحركة لا هدف لها؟

نحن عادةً نستخدم كلمة “عبث” بشكل عابر، فنقول إن شيئاً ما بلا معنى أو بلا فائدة. لكن إذا أردنا تعريفاً أدق، فالعبث ليس مجرد غياب المعنى، بل هو انفصام العلاقة بين الفعل والغاية. أن يحدث فعل، صادر عن كائن يمتلك الإرادة والعلم، دون أن يقود إلى نتيجة تبرر وجوده. ببساطة: أن يكون هناك “ما يحدث”… دون أن يكون هناك “لماذا يحدث”.

في التراث الإسلامي، لم يكن النقاش يدور حول كلمة “العبثية” بصيغتها الحديثة، بل حول مفاهيم أدق مثل “السفه” أو “خلو الفعل من الغرض”. السؤال المركزي كان واضحاً: هل أفعال الخالق لها غاية؟ المعتزلة والحكماء قالوا نعم، بل ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن الحكمة واجبة عقلاً، وأن العبث نقص، والنقص محال على الكامل. أما الأشاعرة، فرغم رفضهم لفكرة الإلزام العقلي، لم يقولوا بالعبث، بل أكدوا أن الفعل الإلهي لا يخلو من حكمة، حتى لو لم تكن هذه الحكمة مدركة لنا. ورغم الخلاف، بقي هناك اتفاق عميق: العبث، بمعناه الحقيقي، ممتنع في حق الخالق.

لكن الفلسفة الحديثة قلبت زاوية النظر. مع ألبير كامو، لم يعد العبث صفة في العالم نفسه، بل أصبح حالة إنسانية. العبث هو التوتر بين رغبة الإنسان العميقة في إيجاد معنى، وبين صمت الكون تجاه هذا السؤال. هنا لا يكون السؤال: هل يوجد معنى؟ بل: لماذا لا نجد جواباً؟

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. نحن، كبشر، نميل إلى وصف ما لا نفهمه بأنه بلا معنى. الطفل الذي يرى عملية جراحية قد يراها قسوة بلا سبب، بينما الطبيب يرى فيها إنقاذاً للحياة. القارئ الذي يقرأ صفحة من رواية معقدة قد يراها فوضوية، بينما تتكشف القصة الكاملة لاحقاً عن ترابط دقيق. وهكذا، ما نسميه “عبثاً” قد لا يكون غياب المعنى، بل عجزنا عن إدراكه.

لكن هذا الطرح ليس بلا اعتراض. هناك من يقول: ربما لا يوجد معنى أصلاً، وربما نحن فقط نخترعه لنحمي أنفسنا من الفراغ. هنا يصبح السؤال أكثر حدة: هل نحن نثبت وجود الغاية، أم نهرب من احتمال غيابها؟

الجواب، إن كان فلسفياً، لا يمكن أن يكون نفسياً. نحن لا نقول إن المعنى موجود لأننا نحتاجه، بل لأن فكرة “المطلق” نفسها تقتضيه. إذا افترضنا وجود خالق مطلق العلم والقدرة، فإن الفعل بلا غاية يصبح مستحيلاً منطقياً، لأنه يفترض نقصاً في العلم أو القدرة، وكلاهما يناقض تعريف “المطلق”. بمعنى آخر، وجود الغاية ليس طمأنينة نفسية، بل نتيجة منطقية.

لكن دعنا نترك الفلسفة للحظة، وننظر إلى الواقع. نحن نعيش، نفكر، نسأل. هذا الكون “يعمل”. ليس بالضرورة أن نثبت كيف بدأ أو من نظّمه، لكننا نعلم أنه ينتج نظاماً، ووعياً، وقدرة على طرح السؤال نفسه. وهنا تظهر مفارقة عميقة: العبث لا يُنتج نظاماً، ولا يُنتج وعياً، ولا يُنتج سؤالاً عن المعنى. وجودنا لا يثبت أننا فهمنا الغاية، لكنه يثبت أن الغاية ليست معدومة.

وهنا يمكن أن نفهم الحكمة بشكل أدق. في التراث، الحكمة هي وضع الشيء في موضعه على وجه يحقق غايته. وفي الفلسفة، هي اتساق الفعل مع غايته ضمن نظام مترابط. فإذا كان العبث هو انفصال الفعل عن غايته، فإن الحكمة هي هذا الاتصال التام بينهما.

وبالتالي، إذا كنا نتحدث عن خالق مطلق، فإننا لا نستطيع أن نصف فعله بالعبث. ليس لأننا نرى الحكمة دائماً، بل لأن غيابها مستحيل منطقياً. وهنا المفارقة التي تقلب السؤال كله: ليس السؤال لماذا لا نرى الحكمة، بل كيف تجرأنا على افتراض غيابها؟

في النهاية، قد لا يكون العبث خاصية في الكون، بل تجربة إنسانية تظهر عندما يصطدم عقل محدود بوجود لا نهائي. وربما السؤال الأصدق ليس: هل يوجد معنى؟ بل: هل يمكن للإنسان أن يعيش فعلاً وهو يفترض غيابه؟

لكن يبقى السؤال الأخطر، الذي لا مفر منه: إذا كانت الحكمة موجودة، لكنها ليست دائماً ظاهرة، فكيف نصل إليها؟ هل يكفي العقل؟ أم نحتاج إلى التجربة؟ أم أن هناك طريقاً آخر يتجاوز الاثنين معاً؟

قد يهمك