عن منصة جمهرة ضمن ملف الأزمة الطائفية في سوريا.
علاء الخطيب
18/05/2026
الملخص التنفيذي
تنطلق هذه الدراسة من نقد “التفسير الجوهراني” والاختزالي السائد الذي يرجع جذور الصراع السوري إلى عوامل طائفية ومذهبية أولية. وتفترض الدراسة أن الطائفية في سورية ليست متغيراً مستقلاً أو معطى جينياً ثابتاً، بل هي “بنية ثانوية مصطنعة” أعاد إنتاجها النظام الشمولي الأسدي ووظفها كأداة للضبط والتحكم وتوازن الرعب عبر شبكة تحالفات عابرة للطوائف (أمنية، واقتصادية، ودينية).
تتبع الدراسة طيفاً ديناميكياً يتدرج عبر أربعة مستويات يربط القناعات الذهنية بآليات خطاب الكراهية ونزع الإنسانية، وتفسر تفجر الهويات الفرعية في المرحلة الانتقالية (بعد ديسمبر 2024) بوصفه نتيجة حتمية للفراغ المؤسساتي وغياب أدوات الإدارة السابقة، وليس كدافع أولي للاقتتال. وتخلص الدراسة إلى تقديم مسارات بديلة لـ “إعادة تسييس الصراع” تفكك بنية التجييش وتؤسس للسلم الأهلي عبر ثلاث مرتكزات: العدالة الانتقالية الشاملة، بناء مؤسسات الدولة العادلة، وصياغة سردية وطنية بديلة قائمة على المواطنة المتساوية والعقد الاجتماعي الجديد.
الكلمات المفتاحية
الطائفية؛ التفسير الجوهراني؛ خطاب الكراهية؛ الاستبداد الشمولي؛ المرحلة الانتقالية؛ العدالة الانتقالية؛ سورية.
مقدمة: إشكالية التفسير الطائفي وحدود الاختزال المنهجي
يُختزل الصراع السوري غالباً في التحليلات الإعلامية والأكاديمية السائدة ضمن إطار طائفي ضيق، يُقدَّم بوصفه صداماً حتمياً بين جماعات دينية ومذهبية متمايزة. هذا التفسير يعاني من قصور منهجي؛ إذ يقع في فخ “الجوهرانية” عبر افتراض أن الطائفية هي المتغير المستقل والمحرك الأولي للأحداث، وليست نتاجاً تالياً لمسارات سياسية واقتصادية معقدة[1]. إن التعامل مع الطوائف ككتل صماء ذات مصالح سياسية موحدة يُغفل التباينات البنيوية داخل الجماعة الواحدة.
تكمن خطورة هذا المنظور الاختزالي في إعادة تشكيله لوعي الفاعلين؛ فعندما يُعاد تعريف الصراع بوصفه صراع هويات ما قبل دولاتية، تُهمّش أبعاده السياسية المرتبطة بالاستبداد، ومطالب التغيير، والعدالة الاجتماعية. ونتيجة لذلك، يتحول الصراع من خلاف حول إدارة الدولة والموارد (وهي مسألة قابلة للتفاوض العقلاني) إلى صراع وجودي صفري يتمحور حول الهيمنة أو البقاء المادي للجماعة.
منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، كشفت المرحلة الانتقالية عن عمق التصدعات المجتمعية المتراكمة. إلا أن هذا الانكشاف لم يكن دليلاً على أولوية العامل الطائفي، بل على أنه كان أداة وظيفية اختبأت ضمن بنية سلطوية أوسع، جرى ضبطها وتجميدها سابقاً عبر أدوات القمع والهندسة الاجتماعية، قبل أن تنفلت مع غياب هذه الأدوات وفراغ مؤسسات الدولة بعد اندلاع الثورة السورية 2011.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الطائفية في سورية ليست ظاهرة أولية ثابتة، بل هي “بنية ثانوية مصطنعة” تتشكل داخل سياق سياسي ومؤسساتي محدد. وبناءً على ذلك، فإن تفكيكها يتطلب تحليل علاقتها التفاعلية بطبيعة السلطة والتحالفات المصلحية، لا اختزالها في الهوية الثقافية المجردة.
الطائفية كطيف ديناميكي متعدد المستويات[2]
الطائفية ليست حالة متجانسة، بل ظاهرة ديناميكية تتدرج عبر مستويات متعددة ومتداخلة، تبدأ من البنية الذهنية الرمزية وتنتهي بالعنف المادي الصريح. هذا التدرج التحليلي ضروري لفهم آليات انتقال المجتمعات من التعايش الهش إلى الصراع المسلح (الشكل 1).
- المستوى الأول: القناعات والأفكار (الطائفية الكامنة)
يظهر الانتماء الديني أو المذهبي هنا كعنصر تمييز إيجابي يمنح الفرد شعوراً بالانتماء والطمأنينة النفسية. هذا المستوى شائع في المجتمعات التقليدية، ولا يؤدي بالضرورة إلى صدام؛ إذ يظل محصوراً في فضاء الطقوس الدينية والحدود الاجتماعية الثقافية (كحظر الزواج المختلط)، مع بقاء التفاعلات الاقتصادية والجوارية اليومية طبيعية ومستقرة.
- المستوى الثاني: السلوك التمييزي والنفور الاجتماعي
تتحول القناعات الذهنية هنا إلى سلوكيات اجتماعية واقتصادية واضحة، حيث يمارس الأفراد تفضيلاً لأبناء جماعتهم في التوظيف والتجارة، إما بدافع “الثقة العضوية” أو “الارتياب” من الآخر. يتغذى هذا المستوى من الأزمات الاقتصادية وتراجع قدرة الدولة، وهو مؤشر على تراجع الثقة بالمواطنة المشتركة والمؤسسات العامة.
- المستوى الثالث: الخطاب الطائفي وعملية “إلغاء الإنسانية”
تنتقل الطائفية هنا إلى الفضاء العلني عبر إنتاج خطاب تحريضي يعيد تعريف الآخر بوصفه تهديداً وجودياً. وتتميز هذه المرحلة ببروز آليات “نزع الإنسانية” (Dehumanization)، واستدعاء المظلوميات التاريخية، والوصم الأخلاقي. هذا الشحن المعنوي يُعد شرطاً بنيوياً للتمهيد للعنف؛ إذ يرفع الكلفة النفسية للتعاطف ويبرر إقصاء الآخر.
- المستوى الرابع: العنف المادي والجسدي (الاقتتال الشامل)
يصل التدرج إلى ذروته بتحول الخطاب إلى فعل تدميري ملموس (كالقتل على الهوية والتهجير القسري). يؤكد التحليل السوسيولوجي أن هذا المستوى لا يتحقق كفعل تلقائي شعبي، بل يتطلب تقاطعاً بنيوياً مع تنظيمات مسلحة، وتمويل مستدام، وتوجيه سياسي أو أمني من قوى محلية أو إقليمية تستثمر في العنف لتحقيق مكاسب جيوسياسية.
يرتكز هذا التحليل على قاعدتين: قاعدة التناقص العكسي؛ حيث إن نسبة الأفراد المنخرطين في الطائفية تتناسب عكسياً مع شدة المستوى (الأغلبية تقع في المستويين 1 و2، بينما قلة تمارس 3 و4). وقاعدة التتابع؛ إذ لا يحدث الانفجار العنيف دون بيئة حاضنة مهدت لها المستويات الأدنى، مما يعني أن التدخل الفكري والمؤسساتي في تفكيك خطاب الكراهية يملك القدرة على منع الوصول إلى العنف المسلح.

الشكل 1
الاستبداد الأسدي وإعادة إنتاج الطائفية كأداة للضبط
لعب نظام حافظ الأسد الشمولي السوري دوراً محورياً في تشكيل الظاهرة الطائفية الحديثة، ليس بخلقها من العدم، بل عبر هندستها وتوظيفها استراتيجياً لضمان استمراره في السلطة؛ فالاستبداد يعيد تنظيم التباينات المجتمعية وتسييسها لصيانة الهرم الحاكم[3].
اعتمد نظام الأسد على استراتيجية مزدوجة: القمع المطلق وتجفيف المجال السياسي من جهة، والتوظيف الخفي للمخاوف الطائفية من جهة أخرى. فحظر التعبيرات السياسية المستقلة منع نشوء هويات وطنية عابرة للطوائف والمناطق (كاليسار، أو الليبراليين، أو الحركات المدنية). وبالمقابل، حافظ الأمن على توازن دقيق بين المكونات يقوم على “الخوف المتبادل”، مقدماً النظام محلياً ودولياً في لبوس “الدولة العلمانية” والحامي للأقليات من خطر الأغلبية السنية المفترضة.
حققت رواية “النظام العلوي” التي استثمر فيها النظام أهدافاً استراتيجية متناقضة:
- تجاه الأقليات (والعلويين خصوصاً): ربط مصير الطائفة بوجود النظام، وتحويلها إلى رهينة ودروع بشرية لحماية كرسيه تحت فزاعة الإبادة.
- تجاه الأغلبية السنية: إشاعة الإحباط عبر إقناعهم بأن الأجهزة الأمنية ومفاصل القوة محصورة في عصبية طائفية متماسكة لا يمكن اختراقها إلا بحرب أهلية مدمرة.
لكن القراءة البنيوية لهيكل السلطة[4] تكشف تهافت هذه الرواية؛ فالطائفة العلوية عانت مناطقها الريفية من الفقر والتهميش كغيرها، والسلطة كانت قائمة على “عصبية مافيوية عائلية عابرة للطوائف” ارتكزت على ثلاثة حوامل:
- الحامل الأمني والعسكري: اعتمد على صلات القرابة والولاء الشخصي، وجرى فيه توظيف الضباط العلويين كأدوات تنفيذية لحماية النظام، مع دمج قيادات وازنة من مختلف المكونات في ذات الشبكة لضمان التحكم[5].
- الحامل الاقتصادي (التحالف مع البورجوازية): تحالف النظام استراتيجياً مع الرأسمال السوري التقليدي والبرجوازية التجارية المدينية في دمشق وحلب (وهي عائلات سنية ومسيحية بالدرجة الأولى) من خلال منحها امتيازات احتكارية مقابل الولاء السياسي المطلق.
- الحامل الديني والتقليدي: بناء شبكة علاقات مع المؤسسة الدينية السنية الرسمية (رموز الإفتاء والمشايخ التقليديين)، وشيوخ العشائر، لشرعنة حكم الديكتاتور وضبط القواعد الشعبية.
مع انتقال السلطة إلى بشار الأسد، تحول النظام من “ديكتاتورية الفصل” إلى “مافيات التداخل”، حيث اندمجت السلطة الأمنية بالثروة الاقتصادية (نموذج رامي مخلوف). ولاحقاً، أدى صعود قطاع برجوازي جديد مرتبط بأسماء الأخرس إلى صدام اقتصادي حاد مع مخلوف لتجريده من نفوذه. هذا التنافس العنيف يثبت أن النظام محكوم بمنطق “العائلة والمنفعة المافيوية الضيقة” وليس بمنطق التضامن الطائفي؛ فالطائفة لم تكن شريكة في هذه الثروات، بل كانت وقوداً لمعارك حماية السلطة.
ديناميكية التحول: من الطائفية الكامنة إلى الظاهرة بعد 2024
مع اندلاع الثورة عام 2011، اهتزت البنية الأمنية والمؤسساتية للنظام. ورغم الطابع الوطني والمدني الجامع للحراك في بداياته، دفع النظام بشكل ممنهج نحو عسكرة الصراع، واستخدام العنف المفرط، وفسح المجال لبروز الخطاب المتشدد. كان الهدف إعادة تأطير الثورة بوصفها تهديداً إسلامياً طائفياً يستهدف الأقليات، وهو ما تكرس بمساندة التدخلات العسكرية الإقليمية (الإيرانية والروسية وحزب الله) وصعود الفصائل الجهادية، مما حوّل الإدراك العام للصراع من ثورة شعب ضد ديكتاتور إلى حرب هوياتية طائفية مركبة.
بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، دخلت سورية طور الفراغ المؤسساتي؛ حيث تلاشت أدوات الضبط الأمنية المركزية دون أن تتشكل فوراً مؤسسات بديلة قائمة على القانون والمواطنة. في هذا الفراغ، تحولت الطائفية من حالتها المُتأزِّمة خلال الأربعة عشر سنة السابقة إلى حالتها المُتفجِّرة، ليس لأنها ظاهرة بنيوية جديدة، بل لأن آليات الإدارة والاحتواء السابقة قد زالت بالكامل.
إن تحول النفور إلى العلن يُثبت أن السياسات الشمولية السابقة لم تحل المشكلة الطائفية، بل قامت بتأجيلها وتعميق شروخها، وأن انفجار الهويات الفرعية اليوم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بـغياب “الدولة العادلة والمؤسسات الشرعية الكفؤة”، وليس بوجود رغبة فطرية لدى السوريين في التناحر المذهبي.
خطاب الكراهية كآلية لإنتاج وتبرير العنف الاجتماعي
يلعب خطاب الكراهية دوراً توجيهياً في تحويل الطائفية من مجرد مواقف وتصورات ذهنية سلبية إلى ممارسات عنفية واقتتال مادي؛ فهو ليس مجرد مرآة عاكسة للمشاعر، بل أداة فاعلة تمنح الأفراد المبررات الأخلاقية والنفسية لممارسة الإقصاء ضد الآخر.
في السياق السوري المعاصر، تضاعفت خطورة هذا الخطاب مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي؛ إذ لم يعد إنتاجه حكراً على النخب أو رجال الدين المتشددين، بل تحول إلى فعل متاح للجميع، مما زاد من سرعة تدفق الإشاعات وعمّق الاستقطاب ضمن بيئة “ما بعد الحقيقة” (Post-Truth)[6]، حيث تحرِّك المخاوف البدائية الجماهير وتدفعها لتصديق الأكاذيب الطائفية ورفض الحقائق الموضوعية.
تعتمد البنية المعرفية لخطاب الكراهية الطائفي[7] على آليات أساسية:
- الاختزال المخل: إرجاع كافة المشاكل السياسية والاقتصادية والجرائم الفردية إلى عامل “انتماء الفاعل الطائفي”.
- التعميم الأعمى: إلغاء الفروق الفردية داخل الجماعة المستهدفة، وتحميل طائفة كاملة المسؤولية الجنائية عن أفعال سلطة سياسية أو ميليشيا مسلحة.
- الوصم واستدعاء الرموز التاريخية: استخدام مصطلحات مشحونة بالتكفير أو التخوين لربط الصراع الحالي بمعارك دينية تاريخية.
الأخطر هو أن هذا الخطاب يُنتج بيئة نفسية حاضنة تجعل من ممارسة العنف أو الصمت عنه أمراً مقبولاً اجتماعيّاً، وتصوره بوصفه “واجبًا أخلاقياً ودفاعاً مشروعاً عن النفس”؛ فعندما ينجح الخطاب في تصوير الآخر كتهديد وجودي داهم، يصبح العنف الاستباقي ضده ممارسة عقلانية وضرورية للبقاء في وعي الفاعل[8].
الرواية الطائفية كإطار مهيمن لإدراك الواقع السوري
تتحول الروايات السياسية والتاريخية إلى أدوات معرفية تسهم في توجيه سلوك الأفراد وتشكيل خياراتهم. وفي الحالة السورية، تحولت “الرواية الطائفية” إلى إطار إدراكي مهيمن ومعمم (Dominant Frame)، يُعاد من خلاله قسراً تفسير أي حدث سياسي، أو عسكري، أو اقتصادي، أو جنائي فردي.
يعمل هذا الإطار على إقصاء وتهميش التفسيرات البديلة والعقلانية للأحداث؛ فيتم القفز فوق الأسباب القانونية والإدارية والاقتصادية، ويُفسر الحدث بوصفه “مؤامرة طائفية” تقودها جماعة ضد أخرى. بهذا يفقد المجتمع قدرته على المحاسبة السياسية والقانونية المبنية على الأفعال والمسؤولية الفردية، ويتحول الفاعلون في نظر الجمهور من مواطنين إلى مجرد “ممثلين حيويين لطوائفهم”.
المفارقة السوسيولوجية تكمن في أن هذه الرواية الاختزالية تُستخدم بنشاط من قبل جميع الأطراف المتصارعة على الساحة السورية، رغم التناقض الجذري في مصالحهم؛ فالنظام وحلفاؤه استخدموها لإخافة الأقليات، والقوى المتشددة استخدمتها لتعبئة الأنصار وإضفاء شرعية دينية على قتالهم. إنها رواية شعبوية لأنها تقدم تفسيرات مريحة وبسيطة لواقع شديد المعقد، لكنها تغلق كافة نوافذ الحل السياسي والتعافي الوطني المشترك.
التحولات الإقليمية وإعادة تشكيل الفضاء الطائفي
لا يمكن عزل الظاهرة الطائفية في سورية عن محيطها الإقليمي؛ فالشرق الأوسط يعيش منذ عقود على وقع استقطاب جيوسياسي حاد جرى إلباسه لبوساً مذهبياً (سني-شيعي) من قبل القوى الإقليمية المتنافسة على الهيمنة والنفوذ. تحولت سورية بفعل هذا الاستقطاب إلى ساحة حرب بالوكالة، حيث جرى استيراد الميليشيات والشعارات الدينية العابرة للحدود لتغذية الصراع المحلي.
التغيرات الإقليمية الكبرى والتحولات السياسية الأخيرة تساهم في إعادة تشكيل البيئة التي تتغذى منها الطائفية في الداخل. ومع ذلك، فإن هذا التراجع الجيوسياسي الخارجي لا يعني تلقائياً نهاية الظاهرة؛ فالطائفية تكتسب ديناميكية ذاتية مستقلة وقدرة على التوالد الذاتي والتحور محلياً بعد سنوات الشحن الطويلة. إنها بنية مرنة يمكن أن تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة (كصراعات مناطقية، أو تصفية حسابات اقتصادية، أو محاصصات سياسية مشوهة في إدارة الحكم المحلي)، مما يجعل قابليتها للانفجار مجدداً مرتفعة للغاية ما لم يتم تفكيك جذورها المحلية بمشروع وطني جامع.
الهندسة البديلة: نحو تفكيك الطائفية وإعادة تسييس الصراع
إن المواجهة الحقيقية للظاهرة الطائفية تتطلب مشروعاً تفكيكياً يعمل على “إعادة تسييس الصراع”، أي نقله بشكل راديكالي من مستوى الهويات والانتماءات العقدية إلى مستوى السياسة، والمؤسسات، والعدالة، والمواطنة، عبر ثلاث مسارات استراتيجية:
- العدالة الانتقالية الشاملة: تمثل حجر الزاوية في منع تحول المظالم المتراكمة إلى كراهية طائفية مزمنة أو رغبة في الانتقام الجماعي. إن تطبيق القانون ومحاسبة المرتكبين بناءً على مسؤوليتهم الجنائية الفردية (بغض النظر عن طوائفهم) هو الآلية الكفيلة بإعادة تعريف العلاقة بين الضحية والجاني كعلاقة قانونية حقوقية، بدلاً من كونها صراعاً بين طوائف ظالمة وأخرى مظلومة[9].
- بناء مؤسسات الدولة العادلة: إن تراجع الهويات البديلة والفرعية مشروط طردياً ببروز وتأسيس دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية العلمانية الحديثة المرتكزة على اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية. عندما يثق المواطن بأن حقوقه وفرصه محمية بالكامل من قبل مؤسسات دولاتية حيادية وقضاء مستقل، ستضعف لديه تلقائياً الحاجة الوجودية للاحتماء بالطائفة أو البحث عن حمايتها.
- إنتاج السردية الوطنية البديلة: يُعد إنتاج رواية وطنية معرفية بديلة شرطاً أساسياً لتعافي المجتمع وسد الفراغ الرمزي. يجب أن تكون هذه الرواية قادرة على تقديم قراءة نقدية شجاعة للتاريخ السوري الحديث، تفسر الواقع دون اختزال طائفي، وتعترف بالتنوع الثقافي والديني كعنصر غنى وطني يتمحور حول العقد الاجتماعي الجديد والمصالح الحيوية المشتركة.
خاتمة: ما بعد الوهم الطائفي وإعادة بناء المعنى السوري
في المحصلة، الطائفية في سورية ليست وهماً مجرداً لا وجود له، لكنها في الوقت نفسه ليست الحقيقة البنيوية الكاملة أو التفسير الوحيد للصراع. إنها مظهر وأداة ناتجة عن تشوه البنية السياسية وغياب المجال العام الحريص على المواطنة، وليست الإطار المعرفي الشامل الذي يجب أن تُفهم من خلاله المسألة السورية.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في وجود تباينات طائفية أو جروح مجتمعية (فهي أمور قابلة للعلاج والتعافي بمرور الوقت والممارسات الصحيحة)، بل يكمن في استمرار الفاعلين السياسيين والإعلاميين في استخدام “النظارة الطائفية” لتفسير الصراع وإدارة البلاد؛ فحين يُبنى التشخيص على أساس علمي خاطئ، فإن الحلول السياسية والمؤسساتية الناتجة عنه ستكون مشوهة وتدميرية، كما أثبتت التجارب التاريخية القريبة في دول الجوار الإقليمي.
تقف سورية اليوم أمام لحظة تاريخية حاسمة، لا تقتصر على التحديات المادية المتمثلة في إعادة بناء الاقتصاد وإعادة الإعمار، بل تتعداها إلى المعركة الأعمق والمتمثلة في “إعادة بناء المعنى الرمزي والوعي الجماعي”. إن المعركة السورية لم تكن تدور على الأرض والجغرافيا والسلطة فحسب، بل كانت تدور بضراوة على الرواية والتفسير والهوية. والسؤال الجوهري الذي سيحدد ملامح سورية القادمة لن يكون “من الذي سيتولى السلطة؟”، بل “كيف سيفهم السوريون ما حدث لهم، وكيف سيعيدون تعريف هويتهم الوطنية الجامعة عابرة للشروخ القديمة؟”.
[1] عزمي بشارة. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2018
[2] علاء الخطيب، المشكلة الطائفية في سورية: أخطاء التفسير الطائفي وخطاب الكراهية، مركز تواصل لمناهضة خطاب الكراهية، 01/12/2023
[3] باتريك سيل، الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، مكتبة طريق العلم، 2007
[4] Wedeen, Lisa. Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria. Chicago: University of Chicago Press. 1999
[5] نيكولاس فان دام. “الصراع على السلطة في سوريا”. مكتبة مدبولي. ISBN 977-208-141-5، الطبعة الالكترونية 2006
[6] Yes, I’d lie to you, The Economist, 10/09/2016
https://www.economist.com/briefing/2016/09/10/yes-id-lie-to-you
[7] رضوان السيد. صراع الهويات والأديان في الفضاء العربي المعاصر. بيروت: دار الكتاب العربي. 2015
[8] Waldron, Jeremy. The Harm in Hate Speech. Cambridge, MA: Harvard University Press. 2012
[9] علاء الخطيب. الصفقات السياسية بعد الحروب الأهلية. تيار المستقبل السوري. 14/06/2025








