الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

التعبئة الدينية في أزمنة الانهيار، في تحوّل الدين إلى قوة سياسية وخصوصية الحالة السورية

علاء الخطيب

03/06/2026

مقدمة: في البدء كان الفراغ

في لحظات الانهيار الكبرى، لا يبحث الإنسان غالباً عن الأفكار الأكثر تعقيداً، بل عن النماذج الأكثر قدرة على منحه شعوراً فورياً بالأمان والمعنى. عندما تتفكك الدولة، وتفشل المؤسسات، ويتحول القانون إلى غائب أو عاجز، يتراجع السؤال السياسي التقليدي: ما هو الخيار الأفضل؟ ليحل محله سؤال وجودي أكثر إلحاحاً: ما الذي يحميني من هذا العالم المتهاوي؟

من هنا يمكن فهم صعود التعبئة الدينية والطائفية في الحالة السورية، لا باعتباره مجرد انحراف أيديولوجي أو خياراً فكرياً واعياً، بل كاستجابة نفسية واجتماعية لانهيار طويل في الأمان والمعنى والقدرة على التوقع. فقد تحولت سوريا، خصوصاً بعد عام 2011، إلى مساحة مفتوحة لدراسة سلوك الجماعات تحت ضغط الخوف، والإذلال، وفقدان الدولة. في مثل هذه اللحظات، لا يبقى الدين والطائفة مجرد انتماء روحي أو اجتماعي، بل قد يتحولان إلى لغة للبقاء، وخندق للحماية، وأداة لتفسير الفوضى.

أولاً: الانهيار المؤسسي والعطش إلى اليقين

عندما تنهار الدولة، أو تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، لا يقتصر الأثر على الجوانب السياسية والاقتصادية، بل يمتد إلى الإطار المعياري الذي يمنح الحياة اليومية قدراً من الاستقرار والقدرة على التوقع. فالقانون لم يعد مرجعاً لحل النزاعات، والمؤسسات لم تعد ضماناً للمستقبل، وتبدأ الروابط الاجتماعية بالتآكل تحت ضغط الخوف وانعدام الثقة. في هذه اللحظة لا يفقد الإنسان الأمان المادي فقط، بل يفقد شعوره بأن العالم قابل للفهم والتنبؤ.

البشر بطبيعتهم لا يحتملون العيش طويلاً في بيئة تبدو عشوائية بالكامل. ولذلك تنشأ في فترات الانهيار حالة يمكن وصفها بـ”العطش الحاد لليقين“، حيث يصبح البحث عن تفسير شامل للواقع حاجة نفسية ملحة أكثر من كونه ترفاً فكرياً. ومع تصاعد الخوف والتوتر المزمن، تتراجع القدرة على تحمل الغموض والتناقض، ويزداد الميل نحو الأجوبة الحاسمة واليقينيات الصلبة.

ويتضاعف هذا الميل في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، حيث يعيش الأفراد وسط فيض هائل من المعلومات المتناقضة والدعاية والأخبار المضللة. هذا الواقع ينتج ما يمكن تسميته بـ”إرهاق التعقيد”، وهو شعور يجعل التفكير النقدي والتحليل المتأنّي عبئاً نفسياً متزايداً. في المقابل، تقدم الجماعات العقائدية والهويات المغلقة تفسيراً مبسطاً للعالم، يقسمه بوضوح إلى أخيار وأشرار، ضحايا ومتآمرين، ويمنح أتباعه إحساساً باليقين والانتماء.

هذا الزخم يستهلك الطاقة الذهنية ويجعل التفكير النقدي عبئاً لا يطاق. في هذا المناخ، تقدم الجماعات المنغلقة أو التيارات العقائدية ما يشبه الخوارزمية البشرية المبسطة؛ تخبرك بوضوح ماذا تصدق، من تتبع، ومن تشتم، وكيف تصنف الآخرين. هذه البساطة التفسيرية (نحن الأخيار والمظلومون، وهم الأشرار والمتآمرون) ليست دليلاً على ضعف فكري بقدر ما هي وسيلة حماية وراحة نفسية عميقة في مواجهة واقع متوحش لم يعد مفهوماً بالأدوات العقلانية التقليدية.

ثانياً: بنية التعبئة اللاهوتية – كيف يتحول الدين إلى قوة سياسية؟

حتى هذه اللحظة، كان الدين يعمل كملجأ فردي: إجابة عن القلق، إطار للمعنى، ووسيلة لإعادة التوازن النفسي. لكن ما يحدث في فترات التحولات الكبرى لا يتوقف عند هذا الحد، الدين لا يبقى فردياً، بل يبدأ بالتحول إلى طاقة جماعية. هذا التحول لا يحدث تلقائياً، بل عبر بنية تعبئة واضحة.

الخطوة الأولى تبدأ باللغة. الخطاب الديني في هذه المرحلة لا يكتفي بالتفسير، بل يعيد صياغة الواقع.
الأحداث لم تعد مجرد صراع سياسي أو أزمة اجتماعية، بل تصبح اختباراً دينياً، أو مواجهة بين حق وباطل.
بهذا التحويل، يتم نقل الفرد من موقع المتلقي إلى موقع المشارك. فلم يعد مجرد شخص يعيش الأزمة، بل طرف فيها.

ثم تأتي الخطوة الثانية: الطقوس الجماعية، الصلاة، التجمع، الشعارات، وحتى الإيقاع المشترك للكلمات والحركات، كلها تلعب دوراً أعمق مما يبدو. هذه الطقوس لا تعزز مظاهر التديّن فقط، بل تخلق شعوراً بالاندماج. الفرد لم يعد يفكر بنفسه فقط، بل يشعر كجزء من كيان أكبر، وهنا تبدأ الحدود بين “أنا” و“نحن” بالاختفاء.

في هذه اللحظة، يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الجسم الجماعي”، أي كيان نفسي واجتماعي جديد، له إحساس مشترك، وغضب مشترك، وأمل مشترك. ومع هذا الاندماج، يصبح الفعل الجماعي أسهل بكثير. ما كان يحتاج إلى قرار فردي صعب، يتحول إلى سلوك طبيعي داخل الجماعة.

ثم تأتي المرحلة الأهم: تحويل الدين إلى تفويض، الإيمان الديني لم يعد فقط قناعة داخلية، بل يصبح مبرراً للفعل. فإذا كان ما يحدث هو “حق”، وإذا كان الطرف الآخر “باطل”، فإن التحرك لا يعود خياراً سياسياً، بل واجباً أخلاقياً.

وهنا تحدث نقطة التحول الخطيرة. الفرد لم يعد يتحرك بدافع المصلحة أو الحساب، بل بدافع التديّن.
والدين، بطبيعته، لا يقبل المساومة بسهولة. لذلك، تصبح التعبئة الناتجة عنه أكثر قوة، وأكثر صعوبة في الضبط. في هذه المرحلة، لا يكون الدين مجرد عامل من عوامل السياسة، بل يتحول إلى البنية التي تُعيد تعريف السياسة نفسها.

ثالثاً: حلقة التغذية الراجعة – كيف يتحول الدين إلى تطرف؟

بعد أن يتحول الدين إلى طاقة جماعية، لا يتوقف عند هذا الحد، بل يدخل في مسار يتغذى على نفسه.
وهنا تبدأ ما يمكن تسميته بـ”حلقة التغذية الراجعة”.

في البداية، ينضم الفرد إلى الجماعة بحثاً عن الأمان والمعنى. فيحصل على شعور بالانتماء، ويجد إجابات واضحة، ويشارك الآخرين نفس اللغة ونفس القلق. لكن مع الوقت، لا يصبح الانتماء مجرد شعور، بل معياراً يُقاس به الولاء. وهنا يظهر عامل مهم: التأييد الداخلي.

داخل الجماعة، يبدأ رأي الأقران باستبدال المجتمع الأوسع. ما يهم لم يعد “ما هو صحيح” بقدر ما هو “ما تقبله الجماعة”. ومع تكرار نفس الأفكار، وغياب الاحتكاك بآراء مختلفة، تتشكل ما يشبه “غرفة صدى”، الأفكار لا تُناقش، بل تُكرر.

في هذا السياق، يحدث تحول تدريجي:
ما كان يُعتبر موقفاً متشدداً في البداية، يصبح طبيعياً.
ثم يصبح معياراً.
ثم يصبح الحد الأدنى المقبول.

وهنا يدخل عامل آخر أكثر حساسية: الخوف من النبذ. الفرد داخل الجماعة لا يخشى فقط الخطأ بمعايير الجماعة، بل يخشى الخروج عن الصف. فالاختلاف لم يعد رأياً، بل تهديداً للانتماء نفسه. ولكي يثبت ولاءه، يبدأ بتبني مواقف أكثر صلابة، وأحياناً أكثر تطرفاً، ليس بالضرورة عن قناعة أعمق، بل خوفاً من أن يُعتبر “أقل إيماناً”.

ومع استمرار هذه الديناميكية، تظهر “القيم المقدسة”. هذه القيم لا تُناقش، ولا تُقارن، ولا تُخضع لمنطق المصلحة أو الواقع. بل تصبح فوق كل اعتبار. وعندما تصل الفكرة إلى هذه المرحلة، لا تعود قابلة للتفاوض، لأنها لم تعد فكرة فقط، بل جزء من الهوية.

وهنا يصبح التطرف ممكناً. ليس لأن الأفراد أصبحوا فجأة أكثر عدوانية، بل لأنهم دخلوا في منظومة تعزز هذا الاتجاه تدريجياً، وتكافئه، وتعيد إنتاجه. بهذا الشكل، يتحول الدين والطائفة من وسيلة لحماية النفس، إلى إطار يدفعها إلى مواقف قد تتجاوز الحسابات العقلانية بالكامل.

ومع ذلك، فإن هذه الديناميكيات لا تقود جميع الأفراد إلى النتيجة نفسها. فالتديّن ليس كتلة واحدة، بل طيف واسع يمتد من التديّن الفردي التقليدي الذي يوفر المعنى والسكينة، وصولاً إلى الأشكال التعبوية والراديكالية التي تعيد تعريف العالم بمنطق الصراع الوجودي. وفي معظم الحالات، يبقى التديّن عند حدوده الروحية أو الاجتماعية الطبيعية، بينما يتطلب الانتقال إلى التطرف توافر عوامل إضافية مثل الشعور الحاد بالمظلومية، ووجود قيادات تعبئة فعالة، وبيئات جماعية مغلقة تعيد إنتاج اليقين بصورة مستمرة.

رابعاً: خصوصية الحالة السورية

إذا كانت الآليات السابقة تفسر بصورة عامة كيف تدفع الأزمات المجتمعات نحو الهويات الأولية والتعبئة الدينية، وهي بذلك تنطبق على سوريا، خاصة خلال السنين الماضية. إلا أن الحالة السورية تضيف أبعاداً خاصة تجعل هذا المسار أكثر تعقيداً. فالارتداد نحو الدين والطائفة لم يكن نتاجاً نفسياً عفوياً فحسب، بل جاء أيضاً في سياق هندسة سياسية طويلة الأمد للفراغ العام.

فعلى مدى عقود، عمل نظام الأسد على تجفيف الحياة السياسية والمدنية المستقلة، وإضعاف الأطر الجامعة القادرة على تنظيم المجتمع خارج سلطة الدولة الأمنية. وعندما اندلعت الثورة عام 2011، ساهمت عسكرة الصراع وتصاعد الاستقطاب الطائفي في دفع قطاعات واسعة من المجتمع نحو الهويات الدينية والطائفية بوصفها أطر الحماية والتنظيم الوحيدة المتاحة. بهذا المعنى، لم يكن الارتداد نحو الجماعات الأولية مجرد استجابة شعبية للخوف، بل أيضاً نتيجة لبنية سياسية ساهمت في إنتاج شروطه.

إلا أن الخوف وحده لا يكفي لتفسير ديناميكيات التعبئة. فسنوات القمع والعنف وما رافقها من شعور عميق بالإذلال الجماعي وامتهان الكرامة دفعت كثيرين إلى البحث عن استعادة المعنى والاعتبار بقدر بحثهم عن الأمان. وفي مثل هذه الظروف، لا يبحث الإنسان فقط عمن يحميه، بل عمن يمنحه تفسيراً لمعاناته ويعيد إدخاله في قصة أكبر من ذاته.

هنا يبرز دور القادة والخطباء والفاعلين الأيديولوجيين الذين لا يكتفون بالتعبير عن مشاعر الجماعة، بل يعيدون صياغتها وتوجيهها. فالتعبئة لا تنشأ تلقائياً من الخوف أو التديّن، بل تحتاج إلى من يحول الإحباط والغضب والشعور بالمظلومية إلى سردية متماسكة تحدد الأصدقاء والأعداء، وتمنح الجماعة هدفاً ورسالة.

كذلك لم يكن الانخراط في الجماعات الدينية أو الفصائلية مدفوعاً بالحاجة إلى الحماية فقط، بل ارتبط أحياناً بالبحث عن البطولة والمعنى الشخصي في عالم فقد معاييره السابقة. فحين ينهار المستقبل وتضيق الخيارات، قد يصبح الانتماء إلى قضية كبرى أو جماعة مقاتلة وسيلة لاستعادة الشعور بالقيمة والدور والكرامة.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال صعود التديّن في كونه هروباً من التعقيد أو استسلاماً للذعر الوجودي. ففي ظل الحصار والقتل والخذلان الدولي، أدى الدين لدى كثير من السوريين وظيفة مختلفة تمثلت في توفير معنى أخلاقي للمعاناة وإبقاء الأمل بإمكان العدالة، ولو في صورة مؤجلة. لقد تحول الدين بالنسبة لكثيرين إلى مورد نفسي للصمود بقدر ما كان إطاراً للتعبئة.

وفي ظل صراع اتخذ في كثير من مراحله طابعاً وجودياً، تراجعت قدرة الأفراد على الحفاظ على ما يمكن تسميته “المسافة الداخلية” بين الذات والجماعة. فالاستقطاب الحاد جعل الشك يُفسَّر غالباً بوصفه خيانة، وأصبحت الحاجة إلى الانتماء والحماية أقوى من القدرة على النقد والمراجعة. لذلك، فإن تجاوز دوائر التعبئة الطائفية والدينية لا يبدو ممكناً عبر حلول فردية أو أخلاقية فحسب، بل يتطلب إعادة بناء إطار سياسي جامع يعيد للمواطن شعوره بالأمان والانتماء خارج الجماعات المغلقة.

خامساً: ما الذي ينتظرنا؟

لا تواجه سوريا اليوم تحدي إعادة إعمار المدن والمؤسسات فحسب، بل تحدي إعادة بناء المجال السياسي والنفسي الذي يسمح للناس بالعيش خارج منطق الخوف والاستقطاب. فالمشكلة لا تكمن في التديّن بحد ذاته، بل في تحوله إلى هوية جماعية مغلقة تُعرِّف ذاتها من خلال الصراع مع الآخرين، وتستمد شرعيتها من يقين مطلق لا يقبل المراجعة.

إن أخطر ما يهدد المجتمعات الخارجة من الحروب الطويلة ليس غياب الحلول السياسية بقدر ما هو تحول الخلافات السياسية إلى عقائد مقدسة. فالسياسة تقوم بطبيعتها على التفاوض والتسوية وإدارة المصالح المتعارضة، أما عندما تُصاغ بلغة الحق المطلق والباطل المطلق، تصبح التسويات خيانة، ويتحول الخصم إلى عدو وجودي لا شريك محتمل في المستقبل.

لذلك، فإن تفكيك شبكات التعبئة الطائفية والدينية لا يبدأ بمواجهة الأفكار الراديكالية وحدها، بل بمعالجة الظروف النفسية والسياسية التي جعلتها ممكنة أصلاً. فحين يستعيد الإنسان شعوره بالأمان والكرامة والقدرة على التوقع، تتراجع الحاجة إلى الاحتماء بالهويات المغلقة، ويصبح الانتماء الوطني أكثر قدرة على المنافسة.

إن طريق الخروج من الحلقة السورية لا يمر عبر محاربة الدين أو استبعاده من المجال العام، بل عبر إعادة بناء دولة عادلة ومؤسسات موثوقة تسمح بعودة الدين إلى مجاله الطبيعي بوصفه مصدراً للمعنى الروحي والأخلاقي، لا أداة للتعبئة السياسية والصراع الهوياتي. فالانهيار الحقيقي للمجتمعات لا يحدث عندما تفقد بوصلتها السياسية، بل عندما تمتلك يقيناً قاتلاً يمنعها من مراجعة ذاتها في مرآة التاريخ.

—-

عن مركز الجمهورية للدراسات 

قد يهمك