السبت. سبتمبر 5th, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

من السلاح إلى الشاشة: كيف يعيد الإعلام إنتاج الشقوق السورية؟

علاء الخطيب

04/09/2026

عن موقع الحزب الدستوري السوري

 

كان سقوط نظام الأسد فرصة نادرة للسوريين للخروج، ليس فقط من نظام سياسي استبدادي، بل من إرث اجتماعي ونفسي ثقيل خلّفته عقود الديكتاتورية وأربع عشرة سنة من الحرب. لكن الأخطر ربما كان ما لا يظهر في أرقام الناتج المحلي ولا في خرائط الدمار: الشقوق الشاقولية العميقة داخل المجتمع نفسه، بين السنة والعلويين، العرب والكورد، المركز والأطراف، إسلاميين وعلمانيين، منتصرين وخائفين من المنتصر.

في مجتمع خرج من مأساة بدولة محطمة، ومؤسسات مترهلة، ومفاهيم وقيم مغلوطة، لا يكون الإعلام ترفاً ولا ناقلاً للأخبار فحسب، بل جزءاً من عملية إعادة بناء الدولة نفسها. فإعادة البناء لا تعني ترميم المؤسسات وسنّ القوانين فقط، بل إعادة بناء الوعي بالدولة والقانون والمواطنة وحقوق الإنسان، وتكوين ثقافة سياسية واجتماعية قادرة على حمل دولة حديثة. وهنا يصبح الإعلام، إلى جانب التعليم، أحد أهم أدوات إعادة بناء هذا الوعي.

وتزداد هذه المهمة صعوبة في الحالة السورية بسبب التشظي الشاقولي الطائفي والقومي والسياسي والمناطقي الذي خلّفته سنوات الاستبداد والحرب. لذلك كان يُفترض بالإعلام  أن يبادر إلى تفكيك خطاب الكراهية، وأن يساعد السوريين على فهم مخاوف بعضهم بعضاً، وينقلهم من سؤال «من انتصر؟» إلى سؤال أصعب بكثير: كيف سنعيش معاً؟ لكن ما حدث كان، في جوانب أساسية منه، العكس تماماً، فقد استمرت السلطة المؤقتة في استغلال هذا التشظي وسرديات المظلوميات لترسيخ سلطتها وقوتها.

إعلام السلطة: من بناء العقد الاجتماعي إلى إدارة الانقسام

فهمت السلطة الجديدة بقيادة أحمد الشرع مبكراً أهمية الصورة، وتظهر قدرتها الاتصالية بوضوح في الخطاب الموجه للخارج: صورة رجل الدولة، اللقاءات الدولية، لغة الاستقرار والاستثمار. المشكلة ليست هنا، بل في الفجوة بين خطاب الخارج وخطاب الداخل. فالبلد الذي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى خطاب يطمئن جماعاته المختلفة، شهد انتشار خطاب سياسي وإعلامي يعيد تقسيم السوريين إلى منتصرين ومهزومين، وطنيين و«فلول»، ويقدم سقوط الأسد أحياناً لا بوصفه تحريراً للسوريين، بل استعادة جماعة بعينها لحقها في الحكم. هنا تصبح عبارات مثل «تحالف الأقليات» أخطر من زلة لغوية: فهي تقدم تصوراً للدولة نفسها بوصفها غنيمة جماعة منتصرة لا عقداً بين مواطنين متساوين. ويزداد الأمر خطورة حين تصدر هذه اللغة عن شخصيات قريبة من السلطة، كحسن الدغيم، الذي يرفض علناً المحاصصة الطائفية بينما يكرر مصطلح «حلف الأقليات» نفسه. والمفارقة هنا مهمة: المشكلة ليست فقط في الموقف الرسمي المعلن، بل في البيئة الخطابية التي تسمح للرسالة الطائفية بالعيش إلى جانب خطاب الوحدة الوطنية، فحداثة الاستوديو لا تكفي حين يكون المحتوى شديد الغرائزية سياسياً.

حين يتحول «الإعلام البديل» إلى جيش موازٍ

الأخطر أن ماكينة التأثير لا تتوقف عند الإعلام الرسمي. فقد تغيّر معنى الإعلام نفسه: السوري صاحب مئات آلاف المتابعين قد يكون تأثيره في لحظة أزمة أكبر من محطة تلفزيونية كاملة، والخوارزمية لا تكافئ الأكثر دقة بل الأكثر قدرة على إبقاء الجمهور أمام الشاشة. هكذا تصبح الإشاعة أسرع من التصحيح، والفيديو المقتطع أقوى من التحقيق. ولهذا فإن واقعة الفيديو المنسوب لشيخ درزي يتهم بالإساءة للرسول، وما رافقها من اتهامات بالفبركة، لا يجوز النظر إليها كفضيحة عابرة على وسائل التواصل، بل كسياسة ترتضيها السلطة وتباركها أحياناً: فصاحب الفيديو، أنس الهبرة، لاقى ترحيباً من وزير الثقافة نفسه في مؤتمر «مدونة السلوك» المخصص أصلاً لمكافحة خطاب الكراهية. المشكلة ليست في حق مشاهير الخطاب الطائفي والقومي، أمثال موسى العمر وأحمد كامل، بالتعبير أو عدم منعهم، المشكلة تبدأ حين تمنح مؤسسات مرتبطة بالدولة المنبر للمحرض، من دون سياسة واضحة لمكافحة التحريض ذاته. فالدولة الديمقراطية لا تحارب خطاب الكراهية بخطاب كراهية مضاد، ولا باختيار المحرضين الذين يناسبون هويتها السياسية.

حرية أكبر من عهد الأسد… لكنها ليست إعلاماً حراً بعد

سيكون من الظلم إنكار أن البيئة الإعلامية اليوم أكثر حرية بكثير مما كانت تحت الأسد، سوريا قفزت 36 مرتبة دفعة واحدة في مؤشر مراسلون بلا حدود لعام 2026 (من 177 إلى 141). لكن المنظمة نفسها ما تزال تصنف وضع الصحافة «خطيراً جداً»، وتصف الحرية الجديدة بالهشة. وهذه نقطة مهمة كي لا يتحول نقد السلطة إلى مقارنة زائفة معها: الخروج من إعلام الأسد ليس المعيار الذي ينبغي أن نقيس عليه إعلام سوريا الجديدة. فقد وثّقت لجنة حماية الصحفيين في يناير 2026 احتجاز ثلاثة صحفيين وتقييد التغطية المستقلة في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، واعتبرت اختيار صحفيين بعينهم دون غيرهم محاولة للسيطرة على الرواية. وفي مارس منعت وزارة الإعلام منصات «هاشتاغ» و«جسور نيوز» و«الدليل» من العمل بذريعة التراخيص، مثال واضح على القوة التي باتت تملكها البيروقراطية الإعلامية في تقرير من يعمل ومن لا يعمل. المشكلة ليست أن كل تنظيم للإعلام قمع؛ التحريض المباشر ليس حرية صحافة. المشكلة هي: من يحدد الحدود، وبأي قانون، وتحت أي قضاء مستقل، وهل تُطبَّق القواعد نفسها على المؤيد والخصم؟ من دون هذه الضمانات، تنتقل الرقابة ببساطة من رجل الأمن إلى موظف الترخيص.

المعارضة أيضاً خسرت معركة الشاشة

لكن تحميل السلطة كامل المسؤولية قراءة ناقصة. في مقابل الماكينة الإعلامية المؤيدة، لم تنجح معارضة سياسية منظمة في بناء خطاب وطني منافس؛ والأسوأ أن بعض أكثر الأصوات المعارضة حضوراً لا تقدم بديلاً وطنياً بل طائفية معكوسة، خطاب يتعامل مع العرب السنة ككتلة إسلاموية حاضنة للتطرف، مقابل طوائف مضادة لا تقل اختزالاً. ولا يقل الشق القومي خطورة: تحول «الإعلام الصغير» إلى ميدان تجييش متبادل بين العربية والكردية، حيث يقابل خطاب عربي إقصائي يختزل الحقوق الكردية بـ«المشاريع الانفصالية» خطابٌ كردي يمنح المظلومية التاريخية شرعية لتجاوزات ميدانية وتنميط العرب كحاضنة للتطرف. هذا الانقسام لا يهدد فقط السلم الأهلي في مناطق التماس كالحسكة ودير الزور، بل يضع السوريين أمام خيارين أحلاهما مرّ: قومية مركزية إغفالية، أو فدرالية طائفية-قومية مفرغة من المواطنة. وهكذا يجد السوري نفسه أمام مرآتين مشوهتين: إعلام يقول له إن الأقليات تتآمر على الأكثرية، وآخر يوحي بأن الأكثرية نفسها هي المشكلة. كلاهما يهدم الفكرة ذاتها: المواطنة.

المعركة التي لم تبدأ بعد

لا تحتاج سوريا إلى «إعلام محايد» بالمعنى الساذج؛ لا يوجد إعلام بلا خيارات تحريرية ولا صحفي بلا قيم. ما تحتاجه سوريا هو إعلام منحاز إلى الدولة لا السلطة، وإلى المواطن لا الطائفة، وإلى الحقيقة حتى حين تزعج المنتصر والمهزوم معاً. سوريا لا تعاني نقصاً في الروايات؛ لديها فائض منها. ما ينقصها مساحة عامة يستطيع السوريون داخلها الاختلاف من دون أن يتحول المختلف إلى عدو وجودي، فضاء يساعد على بناء وعي مجتمعي بالدولة والمواطنة والعيش المشترك.

والمسؤولية الأكبر تقع على السلطة، لا لأنها الوحيدة التي تنتج خطاب الكراهية أو تساهم في تكريس الانقسام وتشويه مفاهيم الدولة والمواطنة، بل لأنها الوحيدة التي تملك مؤسسات الدولة وأدوات التنظيم والقدرة على وضع سياسة وطنية طويلة الأمد. كان يمكن لسقوط الأسد أن يكون بداية بناء الوعي الوطني السوري، وتفكيك الشقوق التي غذّاها وعمّقها؛ لكن استخدامها لتثبيت السلطة قد يمنحها مكاسب قصيرة الأجل ويترك سوريا دولة أشد هشاشة. فالسلطة تستطيع أن تربح معركة الرواية لبعض الوقت، لكن لا يمكن بناء دولة من مواطنين يخاف بعضهم بعضاً.

قد يهمك