الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

القيصرية الروسية هل تعود للتمدد؟ طبول الحرب على حدود أوكرانيا

علاء الخطيب

16/01/2022

فيديو حول الموضوع على اليوتيوب:

لقراءة سريعة بالصور يمكنك الاطلاع على هذا الملخص بالنقر هنا.

بصراحة تامة، يذكرنا العدوان الروسي في أوكرانيا واحتلالها غير الشرعي لشبه جزيرة القرم بأنه لا يزال أمامنا الكثير من العمل الذي يتعين علينا القيام به لضمان الرؤية الاستراتيجية لكامل أوروبا حيث تكون حرة وتعيش بسلام.”[i] هذا ما قاله جو بايدن في 22 تشرين ثاني\نوفمبر 2014 في إسطنبول بعد اجتياح روسيا لشبه جزيرة القرم وإعلان ضمها للاتحاد الروسي، وكان يومها بمنصب نائب الرئيس باراك أوباما.

على ما يبدو أن رؤية بايدن لم تتغير حول أوروبا وأوكرانيا، وبالذات حول روسيا، لكن بمنصبه الآن كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية عليه التعامل مع الأزمة المستمرة في أوكرانيا بوضوح وحسم أكثر، خاصةً وهو لا يحمل مودة واحتراما حقيقيا لبوتين، خاصة بعد 4 سنين استمتع خلالها بوتين بتأييد ترامب المباشر وغير المباشر.

والواضح أن بوتين، وهو أيضا لا يميل لبايدن الذي أهمل التواصل معه ببداية عهده كرئيس كما جرت عادة الرؤساء الأمريكيين، لن يجعل مهمة بايدن سهلة، ولن يمنحه الوقت الكافي لمعالجة الملفات الداخلية الأمريكية الأكثر إلحاحاً؛ خاصة وأن ملفات بوتين الداخلية أيضا ثقيلة ومُرهِقة بعد 20 سنة في حكم روسيا الاتحادية.

مقدمة

السؤال الأهم أمام هذا التصعيد الروسي على حدود أوكرانيا هو: ما الذي طرأ مؤخرا ودفع بوتين لاتخاذ هذه الخطوات التصعيدية العسكرية على حدود أوكرانيا؟ هل هناك حدث ضخم غيّر ميزان القوى الهش في تلك المنطقة يختلف عما سبقه من اشتباكات خلال السنين الماضية؟

المؤكد والواضح لحد الآن أن قرار التصعيد أتى من الكرملين، بقرار روسي صرف. فالسؤال ما الذي حرك الدب الروسي لشحذ أظفار مخالبه مجددا؟

إن قراءة الأحداث خلال الشهور أو السنة الماضية لا تشي بأي تطور أو تأزم على الأرض بين روسيا وأوكرانيا يتجاوز ما تم التوافق على المسير عبره منذ بروتوكول مينسك عام 2014 إلى الآن؛ مع الإقرار بحقيقة أن ذلك البروتوكول لم يكن حلا يصل إلى مستوى حتى حل شبه نهائي، بل إنه انهار عدة مرات، وما زالت محاولات إحيائه مستمرة على الأقل إعلاميا وديبلوماسيا. مع ذلك يبقى من الثابت أن لا حدثا يتجاوز ما سبقه وقع على تخوم الأزمة الروسية الأوكرانية.

بكل الأحوال يوجد تطورات على ساحة الصراع الجيوسياسي خارج حدود روسيا وأوكرانيا لا يمكن عزلها عن الأزمة الحالية. فمنذ أسابيع كانت أزمة اللاجئين على حدود بيلاروسيا وبولندا[ii]، والتي جرى تجميدها مؤقتاً دون حل نهائي.

وبالتوجه جنوبا إلى البحرين الأسود والأبيض المتوسط، ما زالت سوريا قيد النزاع ما بين انتصار روسي مُفترض، أُعلن عنه منذ سنوات، لكنه ما زال عاجزا عن أن يصبح واقعا قائما وشاملا؛ حيث ما زال الخلاف حادا بين أنقرة وموسكو مع صمت ومراقبة عربية، ورفض أوروبي وأمريكي شبه صامت للرؤية الروسية. ناهيك عن الأزمة المتجددة فيما بين أوزبكستان وأرمينيا، حيث تتناقض المصالح التركية والروسية، وأيضا مع رفض أوروبي أمريكي صامت للتحرك الروسي. لكن الملاحظ بوضوح عودة الإدارة الأمريكية للتصلب أمام الحركة الروسية في سوريا خلال الشهر الماضي، ولعل العلاقة ما بين ازمة أوكرانيا وروسيا من ناحية وسوريا من ناحية ثانية تتكشف أكثر خلال نقاشنا.

نظرة تاريخية وجغرافية على أوكرانيا وعلاقتها بروسيا

تقع أوكرانيا في شرق أوروبا في وسط السهل الأوروبي الشرقي، وهو الأراضي السهلية الممتدة غرباً من السهل الأوروبي الشمالي، الذي بدوره يمتد من هولندا وبلجيكا وشمال غرب فرنسا ويمر بكامل ألمانيا وصولا إلى شمال بولندا؛ ومن الناحية الشرقية يمتد السهل حتى جبال الأورال الروسية وإلى بحر قزوين جنوبا. وبالتالي فإن أوكرانيا بموقعها المتوسط ضمن هذا السهل كانت على مرّ العصور الممر الأساسي للجيوش ما بين أوروبا وروسيا وأيضا آسيا الوسطى عبر القوقاز.

هذا الموقع الوسطي والاستراتيجي، والسهل أيضا اختراقه عسكريا بسبب ندرة الموانع الطبيعية، لم يمنح أوكرانيا الكثير من الوقت لتأسيس ما يمكن أن يسمى دولة أوكرانيا منذ بدء انهيار دولة روس-كييف في القرن الثاني عشر على يد قبائل تركية، لتنهار بشكل كامل مع اجتياح المغول في القرن الثالث عشر.

الشكل 1: خريطة عامة للمنطقة مع تبيان البنية الجغرافية، لاحظ السهول التي تغطي شمال شرق اوروبا وتمتد ما بين روسيا وغرب ألمانيا.

منذ ذلك الوقت، أي القرن الثالث عشر، بقيت ما يُعرف بأوكرانيا الآن أرض سيطرة ونزاع بين امبراطوريات وممالك الجوار سواء في روسيا أو بولندا أو ليتوانيا أو الامبراطورية النمسا الهنغارية. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وتأسيس الاتحاد السوفييتي وصعوده السريع كقوة عالمية عظمى، تم ضم أوكرانيا للاتحاد السوفييتي.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينات القرن الماضي، وبعد تصويت أكثر من 90 بالمئة من المواطنين بالموافقة على الاستقلال، تم الإعلان عن قيام جمهورية أوكرانيا عام 1991، كدولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة، وكذلك عضو في اتحاد الدول المستقلة مع روسيا وبيلاروسيا.

كما حدث مع غالبية دول أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفييتي السابق، دخلت أوكرانيا في سلسلة من التقلبات السياسية، والاخفاقات الاقتصادية؛ وكذلك وصلت طبقة فاسدة من السياسيين لحكمها والسيطرة على البلاد. فأوكرانيا اتبعت نفس منهج الدول المجاورة، وهو الانتقال المفاجئ والحاد من الاقتصاد المركزي القاسي وفق النمط الشيوعي السوفييتي إلى نمط اقتصاد السوق المفتوح؛ هذا الانتقال السريع غير المدروس لم يؤت ثماره الموعودة، فدخل الأوكرانيون، مثل جيرانهم، في دوامة الأزمات الاقتصادية وانخفاض مستوى المعيشة نسبيا.

رغم استقلال أوكرانيا، إلا أنها بقيت لحد كبير مرتبطة ومعتمدة على علاقات اقتصادية وسياسية ضخمة مع روسيا. بل إنها وافقت في العام 1994 على التخلي عن كامل ترسانتها النووية، التي ورثتها من الاتحاد السوفييتي والتي كانت تمثل ثلث الترسانة النووية السوفيتية، لصالح روسيا ضمن إطار وثيقة بودابست؛ مقابل أن تضمن الدول الموقعة للميثاق روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أمن ووحدة الأراضي الأوكرانية.

لم يحقق الأوكرانيون أحلامهم التي ازدهرت بعد الخلاص من المرحلة السوفيتية، فقد وجدوا أنفسهم ما زالوا عالقين تحت مظلة روسيا، وبنفس الوقت لم يحقق اقتصاد السوق المفتوح، ولا حكوماتهم المتعاقبة الانتقال لحال أفضل مزدهرة اقتصاديا مثل جيرانهم في أوروبا الغربية.

حصل الصدام الكبير الأول في أوكرانيا المستقلة عام 2004 بعد وصول فيكتور يانكوفيتش، حليف ورجل بوتين المُفضل/ لرئاسة أوكرانيا، إثر انتخابات مزورة؛ فكانت ما عُرفت بالثورة البرتقالية في أوكرانيا، التي أبرزت اسمي السياسيين فيكتور يوشتشينكو ويوليا تيموشينكو اللذين كانا يمثلان التيار المناهض للتدخل الروسي في أوكرانيا والمتحمس للانضمام للاتحاد الأوروبي، وبل للناتو.

منذ الثورة البرتقالية تتابعت الأحداث والصدامات بين ما يمكن تسميته التيار الرافض للمظلة الروسية والمُتطلع للغرب ضد التيار الموالي لروسيا والمعادي للغرب.

حتى العام 2010 كان السياسة الروسية واضحة في تأييد رجلها يانكوفيتش، وبمراحل ضعفه جرى تفجير أزمتين في نقل الغاز الطبيعي الروسي إلى الاتحاد الأوروبي عبر أوكرانيا عامي 2006 و2009، حيث أدت تلك الأزمات إلى ترسيخ قلق حقيقي وكبير في الاتحاد الأوروبي حول إمدادات الغاز الطبيعي الروسي، والتي أبرزت ضعف الأوروبيين أمام استخدام الروس لسلاح الطاقة ضدهم، مما كان له الأثر الكبير في تردد الموقف الأوروبي تجاه أوكرانيا وصراع السلطة فيها. فالغاز الطبيعي الروسي كان، وما زال، يشكل حوالي ثلث استيرادات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي، وبالتالي فإن انقطاعه لشهور متوالية قد يؤدي لأزمات اقتصادية ضخمة أوروبا.

الشكل 2: بوتين ورجله المفضل في أوكرانيا يانكوفيتش، رئيس أوكرانيا الهارب إلى روسيا.

بعد تلك الأزمات اتخذ الاتحاد الأوروبي العديد من الإجراءات الاحتياطية للتخفيف من آثار أي انقطاع مفاجئ لإمدادات الغاز الطبيعي من روسيا، مما حسن من سوية الأمان الطاقي الأوروبي، لكن ليس بما يكفي لمواجهة التهديد بسلاح الطاقة.

عادت الأزمات للتصاعد في أوكرانيا، ولم يستقر الحال لحليف بوتين يانكوفيتش في حكم البلاد، فانفجرت المظاهرات عام 2013، والتي لم تهدأ بعدها الصدامات بين التيارين السياسيين الكبيرين في البلاد، والتي أدت لنفي يانكوفيتش إلى روسيا إثر تقديم أوراقه للمحاكم الأوكرانية، رغم عروض بوتين بتقديم دعم مالي سخي لأوكرانيا.

 انتهت أزمة 2013 باجتياح روسيا لشبه جزيرة القرم في نهاية شتاء عام 2014 وضمها للاتحاد الروسي؛ وإعلان إقليمي دونيتسك  ولوغانسك الانفصال عن أوكرانيا تحت مظلة ودعم روسي.

يُعد اجتياح شبه جزيرة القرم الحدث الأهم والأخطر في صياغة علاقة روسيا بالغرب، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، حيث توالت منذ ذلك الاجتياح العقوبات الاقتصادية ضد روسيا، وتوترت العلاقات بين الطرفين. وكان التوتر ينعكس بشكل يومي في أوكرانيا ما بين جنوب شرقها الموالي لروسيا وما بين وسط وغرب أوكرانيا الميّال للغرب.

حلف الناتو

لم يضيّع الناتو فرصة الفراغ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي فجرى توسيع حلف الناتو باتجاه الشرق الأوروبي بخطوات متسارعة وحثيثة. ولعل أهم توسع أثار غضب الروس كان ضم دول البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا للحلف عام 2004، بعهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، والذي بادر أيضا لتوسيع ونشر منظومات صواريخ الناتو في أراضي الحلفاء الجدد.

هذا التوسع للناتو سبب مخاوف عديدة لروسيا، حيث أصبح الحلف على بعد خطوات من الأراضي الروسية، بل هو على احتكاك مباشر معها في إقليم كالينينغراد أوبلاست عبر ليتوانيا.

لعل السؤال الجوهري هنا، هل فعلا بفرض نشوب حرب بين الناتو وبين روسيا، وبوجود هذه الإمكانيات العسكرية المرعبة للطرفين، سواء أسلحة تدمير شامل أو أسلحة تقليدية، سيكون للاشتباكات البرية المباشرة على حدود دول البلطيق تلك الأهمية الكبرى لحلف الناتو أو لروسيا؟ الطرفان يدركان جيدا أن المواجهة العسكرية بينهما يجب أن تبقى مستحيلة الحدوث، لكن إن حدثت فإن تصاعدها وتوسعها ونتائجها سيكون خارج التحكم، والمواجهة ستتصاعد سريعا إلى الأسلحة الاستراتيجية التي لا تشكل هذه المسافات عبر أوروبا الشرقية إعاقة عسكرية جوهرية لها.

الشكل 3: توسع حلف الناتو نحو أوروبا الشرقية

إذاً وقعت أوكرانيا ما بين فكي كماشة مثل باقي دول أوروبا الشرقية. ما بين السعي الغربي المحموم للتوسع سياسيا واقتصاديا وعسكريا على حساب أوروبا الشرقية، بغض النظر عن وضع استراتيجيات تنقل هذه الدول لمرحلة الازدهار والاستقرار. وما بين منهج روسي مستمر وفق نمط المنهج السوفيتي القديم القائم على الاحتماء خلف جيران حلفاء، ودعم أي حكومة موالية لهم بغض النظر عن سياساتها الداخلية.

الغربيون نجحوا باقتلاع أوروبا الشرقية من السيطرة الروسية، أو غالبيتها، وحولوها لسوق خلفي لشركاتهم بالتعاون مع حكومات فاسدة؛ فتركوا هذه الدول تعاني الأمرين ما بين النتائج السلبية للنقل السريع بين نظامين اقتصاديين متناقضين، وما بين طبقات سياسية فاسدة ركبت موجة التغيير وأرضت المستثمرين الغربيين.

أما الروس بقيادة بوتين فقد قرروا إعادة الكرة للملعب الغربي من خلال قدرتهم على الدخول بمغامرات عسكرية في جورجيا وأوكرانيا، وأيضا في سوريا، بدون حسابات ضخمة كتلك التي تعيق الحركة الغربية، خصوصا بعد تجربتي غزو العراق وأفغانستان.

ولمواجهة السيطرة الغربية في أوروبا الشرقية انتقل بوتين للعب ضمن الساحة الداخلية لأوروبا الغربية والولايات المتحدة، وذلك من خلال تقاربه مع اليمين المتطرف والمتشدد. فعاد بوتين بروسيا إلى قلب أوروبا الغربية عبر اليمين الغربي، بل وإلى الولايات المتحدة من خلال ترامب وتياره الشعبوي.

علاقة الغاز الطبيعي بتصعيد الأزمة الأوكرانية الروسية

انتشر في كثير من القراءات والتحليلات عربيا وغربيا أن هذا التصعيد مرتبط بخطوط نقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا؛ وخاصة خط السيل الشمالي 2، الذي يربط روسيا بألمانيا مباشرة تحت مياه بحر البلطيق وبالتالي يتجنب مع شقيقه الأكبر خط السيل الشمالي 1 المرور عبر أراضي أي دولة ثالثة.

لقد جابه هذا التوسيع لخط السيل الشمالي معارضة قاسية من قبل دول أوروبا الشرقية وخاصة بولندا وسلوفاكيا، وبعض التحفظ من قبل فرنسا، ومعارضة قاسية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، أمام إصرار ألماني على إتمام المشروع والصفقة.

لكن هل يمكن فعلا لمثل هذه الخط أو الخطوط أن تشكل حافزا وسببا كافيا لمغامرة حرب ومواجهة عسكرية لا يمكن التحكم بنتائجها مع أوكرانيا؟

بالنظر للأرقام والتجارب التاريخية، لا يبدو هذا الاحتمال واردا. فوفق معطيات قسم الطاقة في الاتحاد الأوروبي، يتدفق الغاز الطبيعي الروسي إلى الاتحاد الأوروبي عبر ثلاث ممرات أساسية:

  • ممر عبر بيلاروسيا باستطاعة حوالي 52 مليار متر مكعب سنويا
  • ممر عبر أوكرانيا باستطاعة حوالي 152 مليار متر مكعب سنويا
  • ممر بحر البلطيق الذي يتضمن خط السيل الشمالي 1 باستطاعة 55 مليار متر مكعب سنويا، وخط السيل الشمالي 2 باستطاعة مماثلة وهو قيد النزاع السياسي.

ضمن هذه الشبكة من خطوط نقل الغاز الطبيعي من روسيا، بالإضافة لخطوط نقل من النرويج والمملكة المتحدة وشمال إفريقيا، وبالإضافة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال LNG، فإن حصة الغاز الطبيعي القادم من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2020، وفقا للتقرير الإحصائي[iii] لشركة BP، وصلت إلى 30 بالمئة من مجموع استيراد الغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي، حيث كانت الكمية القادمة من روسيا حوالي 152 مليار متر مكعب.

الشكل 4، مخطط توضيحي لممرات استيراد الغاز الطبيعي عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي.

الناحية الثانية المهمة في هذه العلاقات المتشابكة اقتصاديا وسياسيا، هي التجارب السابقة. فغالبية مشاريع نقل الغاز الطبيعي عبر الأنابيب مرت خلال العقدين الماضيين بمراحل طويلة من المفاوضات والمنافسات وربما الصراعات، مثل خط نقل نابوكو الذي بقي قيد الخلافات حتى تم الغاؤه بعد عشر سنوات من الإعداد والتحضير. ومثله الخط الذي كان مقترحا تحت اسم خط السيل الجنوبي، الذي كان مخططا له العبور تحت مياه البحر الأسود من روسيا إلى بلغاريا ومنها إلى أوروبا، لكن أيضا تم إلغاؤه. ثم تم اقتراح بديل له تحت اسم خط السيل التركي، الذي يمر تحت مياه البحر الأسود أيضا من روسيا إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا، لكن لحد الآن لم يتم التوصل إلى شكل نهائي لامتداداته إلى أوروبا، والخلافات ليست فقط مع الأوروبيين، بل بين الأتراك والروس أيضا.

إذا من الناحية التقنية والاقتصادية لا يشكل خط السيل الشمالي 2، أو أي مجموعة خطوط نقل غاز طبيعي ما بين روسيا وأوروبا حافزا كافيا لإشعال حرب لا يمكن التحكم بنتائجها. ناهيك عن اعتياد روسيا، مثل كل مصدري الغاز الطبيعي، على طبيعة مشاريع نقل الغاز الطبيعي البطيئة والمترددة والمعقدة.

الشكل 5: خريطة تبيّن توزع خطوط نقل الغاز الطبيعي القادم إلى أوروبا من مختلف الموردين.

أما استخدام الغاز الطبيعي كسلاح ضغط على أوروبا فهو احتمال بعيد، لأن روسيا بحاجة لأموال بيع الغاز الطبيعي إلى أوروبا أكثر من حاجة أوروبا لهذا الغاز الطبيعي. لكن تبقى خطورة استراتيجية إذا اقترب الروس من التهديد بسلاح الغاز الطبيعي، فهذا سيجبر الأوروبيين على تأمين موردين آخرين للغاز الطبيعي، سواء من شمال إفريقيا وهو الخيار الأرخص، أو عبر الغاز الطبيعي المسال. لكن تأمين حاجة أوروبا للغاز الطبيعي عبر شكله المسال سيحتاج لعدة شهور قد تصل إلى سنة، لأن مصدري الغاز الطبيعي المسال لا يملكون طاقة انتاج كافية تعوض 100 مليار متر مكعب على الأقل، ولا أسطول الشحن البحري الخاص بالغاز الطبيعي المسال يستطيع تأمين النقل. لكن على المدى البعيد هذا سيلحق بروسيا خسارة هائلة لا يعوضها أي زبون للغاز الطبيعي الروسي ولا حتى الصين.

سياسة ورؤية بوتين

لا جدال أن أوكرانيا من وجهة نظر الأمن القومي الروسي، بالإضافة إلى بيلاروسيا، هم الحاجز الأهم والأكبر بين روسيا وبين حلف الناتو. فأهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا جيوسياسيا ربما تكون الأكبر والأخطر، إذا افترضنا أن وضع بيلاروسيا مستقر كحليف دائم لروسيا تحت قيادة لوكاشينكو. لكن لم يحدث مؤخرا، خلال السنة الماضية، أي تطور أو حدث كبير يرفع مستوى التدخل الروسي من مستوى دعم المتمردين في جنوب شرق أوكرانيا، ومتابعة الاستحواذ على شبه جزيرة القرم، إلى مستوى الصدام العسكري مع أوكرانيا.

لا يمكن فهم السياسة الروسية من خلال تحليلها على نمط تحليل سياسات استراتيجية مدروسة للدول المتقدمة، بل هي مرتبطة برؤية وتقديرات بوتين، وأحيانا لمزاجياته الشخصية. فرغم أن بوتين حقق لروسيا قفزات اقتصادية كبيرة نسبيا بعد أن شارفت على الانهيار في نهاية القرن الماضي، إلا أن التجربة التاريخية تؤكد أن لا قائدا مهما بلغ من الحكمة، من وجهة نظر بلده، يستطيع الاستمرار بالنجاح لمدة عقود؛ وبوتين الآن يحضر نفسه لتمديد زعامته لروسيا بعد 2024 ولأجل مفتوح.

لو مثلا نظرنا إلى أزمة روسيا مع تركيا إثر إسقاط الطائرة الروسية سوخوي 24 من قبل تركيا في أواخر العام 2015، لوجدنا أن تصعيد التوتر بين البلدين والحرب الإعلامية الشرسة والتهديدات عالية النبرة، كانت قرارا ارتجاليا خاطئا يضر بمصالح البلدين بشكل كبير. إلا أن بوتين رغم ذلك لم يتراجع عنه بسهولة.

كذلك لو عدنا إلى بداية العام 2020 عندما حصلت المواجهة الكبيرة بين السعودية وروسيا في سوق النفط، فسنجد أيضا أن تلك الحرب في سوق النفط لم تكن أكثر من قرارمزاجي لبوتين مما أدى لخوض حرب أسعار في سوق النفط أدت لهبوط أسعار النفط إلى أسعار سالبة، وإلى إصابة اقتصادي البلدين بأضرار كبيرة، ما زالت روسيا تعاني منها لليوم.

طبعا ليس المقصود هنا القول إن قرار التصعيد الحالي على حدود أوكرانيا على نفس مستوى المزاجية عند بوتين، لكن لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الحاكم المطلق كشخص ورؤى له تأثير كبير على سياسات دولته، حتى لو كانت دولة بحجم روسيا كقوة دولية كبرى.

لم يستطع بوتين في كثير من الأزمات التي واجهت روسيا مع حلفائها وجيرانها حلّها إلا عبر التدخل العسكري المباشر. فقد بدأ عهده بحرب الشيشان، وكذا تدخله العسكري في جورجيا، وبعد ذلك تورطه العسكري في أوكرانيا، وفي العام 2015 كان تدخله العسكري في سوريا، بل وحتى في ليبيا وإن كان بشكل غير رسمي.

في كثير من هذه الأزمات كان لروسيا، بحكم قوتها وتأثيرها، أن تتجنب التورط العسكري. فتصاعد الأزمة في أوكرانيا منذ العام 2004 كان أيضا بسبب تمسك بوتين بيانكوفيتش وعدم محاولته الدخول بمفاوضات وعلاقات مع السياسيين الآخرين في أوكرانيا، ورؤية سيناريوهات أخرى تضمن مصالح روسيا وبنفس الوقت مصالح الأوكرانيين. مع الإقرار بعدم وجود تجاوب غربي إيجابي معه في تلك المرحلة، لكن يبقى تأثير وأدوات روسيا داخل أوكرانيا أكثر فعالية بكثير من الغربيين.

وقد كرر نفس الإشكال مع رئيس وديكتاتور بيلاروسيا لوكاشينكو، رغم الإدانات العالمية المتكررة لأفعال لوكاشينكو التي لن تكون آخرها استيراد لاجئين وتجميعهم على حدود بولندا والاتحاد الأوروبي.

كذلك الأمر في سوريا، فقد اختار بوتين التمسك ببشار الأسد مهما كان الثمن، وعجز عن إيجاد أي حل بديل رغم امتلاك روسيا للكثير من الأوراق في سوريا.

بل حتى دعمه وتغطيته لزعيم كوريا الشمالية، وتحالفه مع نظام الحكم الإيراني لا يخرج من هذه الدائرة، ناهيك عن كون كل حلفائه في دول وسط آسيا، أو جمهوريات السوفييت السابقة، حكام ديكتاتوريون ويديرون حكومات فاسدة، وعلى صفيح ساخن من الأزمات داخل وفيما بين هذه الدول.

من ناحية أخرى، ورغم عدم الإعلان عن ذلك صراحة، إلا أن واقع الأحداث يقول إن بوتين غاضب جدا من الموقف الأوروبي والأمريكي في سوريا. فهو، ومنذ أن استطاع عبر التدخل العسكري في سوريا تعديل موازين القوى داخل سوريا لمصلحة نظام بشار الأسد، يحاول استمالة الأوربيين ومن ثم الأمريكيين لدعمه في سوريا ماليا وسياسيا لتأسيس ما يراه حلا في سوريا.

وقد حاول بجهد كبير مع المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل مقايضة إعادة اللاجئين السوريين مقابل دعم خطته لسوريا في 2018، لكن ميركل والاتحاد الأوروبي رفضوا عروضه[iv]. كذلك وبعد أن كاد ترامب يقرر سحب الجنود الأمريكيين من سوريا، ليترك المجال مفتوحا لروسيا، أتى بايدن وهو يرى أن الصراع مع روسيا ممتد، وأن السياسة الأمريكية يجب أن تلجأ إلى عامل الوقت في مواجهة روسيا من حيث تجميد الأوضاع على ما هي عليه، انطلاقا من كونها لن تخسر الكثير، بينما ستستمر متاعب روسيا بالتراكم، سواء في سوريا، أو في أوكرانيا[v].

ولعل كل هذه الأسباب مجتمعةً أدت إلى أن يرى بوتين أن تحريك الملفات الساخنة التي بين يديه ضروري لمواجهة سياسة “التجميد” التي تتبعها الإدارة الأمريكية، وبالتالي حلفائها الأوروبيين. فكان مثلا أن سمح للوكاشينكو بتهديد أوروبا بأزمة لاجئين جديدة، رغم فجاجة ووضوح انتهاك حقوق الإنسان في تلك العملية.
لا يستطيع بوتين المغامرة بتفجير الأوضاع في سوريا، لأنه ليس اللاعب الوحيد هناك، خصوصا مع وجود تركيا القوي، وأهمية تركيا الكبرى بالنسبة لاستراتيجياته في مواجهة الغرب. لذلك فإن التصعيد في أوكرانيا حيث يملك كل الأوراق سيكون أسهل عليه بالمرحلة الحالية.

هل ستشتعل الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

لا يستطيع أحد الجزم بتداعيات التصعيد العسكري الحالي، فكثير من التقارير تشير إلى أن التحرك العسكري الروسي يوحي بأن روسيا مستعدة لاجتياح عسكري واسع ضد أوكرانيا، خصوصا مع تباين القدرات العسكرية الهائل بين الطرفين.

وعلى ما يبدو أن الغرب والناتو سيحدد تدخله ضمن النطاق السياسي والاقتصادي، ولن يغامر بمواجهة استفزاز بوتين عسكريا[vi].

لكن مع ذلك فإن الاقتصاد الروسي لا يستطيع مواجهة عقوبات اقتصادية غربية قاسية إضافية، فالاقتصاد الروسي يعاني أساسا من مشاكل هائلة ومستمرة، بسبب أزمة كورونا التي ضربت الاقتصاد العالمي كله، وبسبب اضطراب سوق الطاقة حيث لا تملك روسيا كلمة الفصل فيه، وبسبب العقوبات الاقتصادية الغربية. ولن تستطيع روسيا التعويض عن خسائرها بحال فرض عقوبات اقتصادية غربية واسعة بالاعتماد على علاقاتها الاقتصادية مع الصين أو الهند أو غيرها من اقتصاديات كبيرة عالمية خارج الحلف الغربي.

قد لا تؤتي العقوبات الاقتصادية نتائجها بدول مثل إيران أو كوريا الشمالية أو سوريا، لكن وضع روسيا مختلف عن هذه الدول، ومن المستبعد أن تستطيع روسيا امتصاص صدمة هذه العقوبات.

لذلك من المرجح أن بوتين سيواصل التصعيد في هذه الأزمة  حتى الوصول إلى شفير الهاوية، لكنه هل سيستطيع التحكم بمجريات الأزمة ويتجنب القفز ويقبل المساومات التي سيقدمها له الغرب لإيجاد حلول وسط، التي بدورها لن تنهِ الأزمة في أوكرانيا، بل ستعيد تشكيلها؛ أم أنه سيتوجه لفرض شروط أكثر قسوة ويطلق اجتياحا عسكريا محدودا ومدروسا؟

السؤال معلق، لكن احتمال الاجتياح العسكري قائم تماشيا مع عقلية القيصر الروسي. لكن من السهل بدأ الحرب، لكن من الصعب جدا إنهائها.

الشكل 6: تموضع القوات الروسية على حدود أوكرانيا.

كازاخستان ودول وسط آسيا الخاصرة الضعيفة لروسيا والصين

تحتاج الأزمة المتفجرة في كازاخستان لدراسة مستقلة، لكن مع ذلك يمكن الإشارة إلى أن هذه الأزمة لم تكن مفاجئة ولا خارج سياق مجريات الصراع الجيوسياسي في وسط آسيا. فكازاخستان كغيرها من دول الاتحاد السوفييتي السابق تم تأسيسها بعد سقوط الاتحاد وفق منظومة دولة شمولية مركزية، ورثت من العهد السوفيتي كل مثالبه. وربما تكون هذه الدول أقرب بحالتها للحالة العربية بأكثر مما نتصور.

تشكل كازاخستان بمساحتها الضخمة، وغناها بالمقارنة مع جيرانها من دول آسيا الوسطى، أهم حلقة في ضبط إيقاع ما قد يهز هذه المنطقة في المستقبل غير البعيد. وقد وعت الإدارة الأمريكية منذ عهد أوباما ذلك ووضعت توجهات واضحة ومباشرة لاختراق تلك المنطقة، التي عُرفت تقليديا كامتداد حيوي لروسيا وأيضا للصين، من خلال إطلاق مشروع محور الباسيفيك Pacific Pivot والذي اعتبرته هيلاري كلينتون من أهم الاستراتيجيات الأمريكية للقرن الواحد والعشرين[vii].

وسط آسيا أشبه حاليا بمارد مقيد فوق صفيح ساخن، الأزمات لم تهدأ بين دول هذه المنطقة، وبنفس الوقت هي متداخلة سكانيا مع غرب الصين وجنوب روسيا الاتحادية، عرقيا ودينيا، وممتدة إلى أفغانستان والباكستان وإيران. فرغم كل الخلافات الأيدلوجية والبنيوية والمؤسساتية بين الصين وروسيا بالإضافة لإيران وتركيا، إلا أن هذه الدول تدرك بشكل عميق حساسية وأهمية هذه المنطقة. وتدرك أيضا أن التنسيق بين هذه الأقطاب الكبيرة المحيطة بوسط آسيا ضرورة أمن قومي استراتيجي لا تخضع بأي حال لتأويلات السياسيين وخلافاتهم واختلافهم.

لكن التطورات الجديدة في كازاخستان التي قد تشكل شرارة تشعل المنطقة تطرح السؤال المحوري: هل هي فقط التطور الطبيعي لبلد يعيش تحت نظام حكم شمولي فاسد ويريد الخلاص والانتقال لعصر الحداثة؟ أم هي تدخلات أمريكية غربية خبيثة لضرب الصين وروسيا؟ أم هي بالواقع تحرك روسي استباقي لاختلاق حجة للتوغل أكثر في وسط آسيا وفرض شروطه كما فعل في سوريا وأوكرانيا وبيلاروسيا؟

مع أني أرجح الاحتمال الثالث، اتساقا مع تحركات سياسة بوتين خلال السنة الأخيرة، إلا أن أي احتمال آخر للإجابة سيوردنا إلى نفس النتيجة، وهي أن بوتين يسير بروسيا كما كان يتمنى نحو التوسع المتعسف على الأرض، بعد أن وجد أن السيطرة من فوق، أي من خلال الحكومات، لا تشكل ضمانا كافيا لضمان ما يراه أمن روسيا.

علاقة الأزمة الروسية الأوكرانية بسوريا

تستخدم الدول في مثل هذه المواجهات كل الأوراق المتاحة، ولن يتردد بوتين باستخدام الأزمة السورية في مفاوضاته ومساوماته مع الغربيين، وبالمقابل وكما يبدو من سياسة بايدن فهو لا ينوي التراجع أمام الضغوط الروسية، لذلك فسيستمر الوضع السوري كما هو ما بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

لكن بهذه الحالة سيبرز السؤال الكبير حول الدور التركي[viii]. إلى أي حد ستتحرك تركيا ضمن هذه الأزمة ما بين حلفائها في الناتو وما بين شريكها الجديد في موسكو. فلم تكن المفاوضات الأخيرة بين الزعيمين التركي والروسي مريحة بالنسبة للأتراك، ناهيك عن أنهم ومنذ بداية أزمة شبه جزيرة القرم اصطفوا سياسيا على الأقل مع حكومة كييف، فغالبا لن يؤدي التصعيد الحالي إلى تحسين العلاقات الروسية التركية، بل ربما يزيدها تعقيدا وتناقضا، خصوصا بعد الصدام في أزمة أذربيجان وأرمينيا، وهذا سينعكس على الحالة السورية في جمود أكثر واستمرار للوضع المأساوي السوري.

لكن يبقى احتمال أن تتحرك إدارة بايدن بجدية أكثر للدخول مرة ثانية بالملف السوري بشكل أكثر فعالية، خاصة إذا استطاعت تحسين العلاقات مع تركيا. وقد اتضح خلال الشهر الماضي تصلب أمريكي أمام الحركة الروسية في سوريا، وبمقابله خرجت المواقف الروسية أكثر وضوحا لمصلحة بشار الأسد وبنية ما تراه دولة سورية. فكلا الطرفين يضعون كل أوراق اللعب على الطاولة ويستحيل عزل أزمة أوكرانيا وبيلاروسيا عن الشرق الأوسط وسوريا. ويبقى السؤال قائما، ماذا فعل من يستطيع فعل شيء من مؤسسات المعارضة لتوضيح على الأقل تشابك الصراع الجيوسياسي الدولي وموقع سوريا بمركز هذا الصراع، وهل هناك من رؤية للاستفادة من هذا التشابك المعقد لمصلحة العمل السوري؟

هل هو الدب الغاضب؟

لقد أصبح واضحا منذ عقد تقريبا أن دخول روسيا للحلف أو الحضن الغربي، بشروط روسية بوتينية غير ممكن. وأن حظوظ روسيا بالدخول إلى السوق العالمية من باب الصناعات أو التكنولوجيا أو الخدمات بات شبه مستحيل ومتأخر جدا. وأن اعتماد روسيا على ثرواتها الباطنية، خاصة النفط والغاز الطبيعي الذين تكفلا بنهوض روسيا من كبوتها، لا يمكن أن يستمر لفترات أطول. وبالتالي فلعل الخلاصة التي وصل إليها بوتين وفريقه هي أن روسيا ما زالت القوة العسكرية الثانية عالميا، وبالتالي يجب استثمار هذه القدرات العسكرية الروسية لإعادة روسيا إلى الساحة الدولية بقوة، وضمان أمن روسيا القومي استراتيجيا، وكذلك زيادة اعتماد الدول الأهم بالمنطقة، الصين الهند إيران وتركيا، على القوة العسكرية الروسية لفرض الأمن في المنطقة الممتدة من غرب الصين إلى شرقي المتوسط، والمترامية ما بين جنوب روسيا الاتحادية وشمال الهند.

لا يمكن عد سياسة روسيا كردة فعل بحتة على تجاهل الغرب لقوة روسيا، أو رفضه للتعاون معها وفق معادلة الند للند. لكن مع ذلك لا يمكن أيضا الاكتفاء بالقول أن سياستها هي قرار روسيا المستقل عن تلك التحديات العالمية.

بالنهاية وضمن عقلية حكام روسيا القيصرية أو السوفيتية فإن الوضع العالمي يحرض روسيا على التحرك بسرعة شرقا نحو أوروبا عبر أوكرانيا وبيلاروسيا، وجنوبا نحو آسيا الوسطى لقطع الطريق على الدخول الأمريكي والغربي، وكذلك بالاحتفاظ بنقطة التوازن في سوريا بدعم إيراني مقابل تبرم تركي. هذه التحركات ليست مضمونة النتائج، لكن زعماء روسيا لا يرون بأسا بالمغامرة لإن خسائرهم لن تكون أكثر من خسائرهم فيما لو التزموا حدود بلادهم، مع خلو جعبتهم من خطط حقيقية للخروج بروسيا من نفق الانهيارات الاقتصادية المتتالية.

فيديو حول الموضوع على اليوتيوب:

لقراءة سريعة بالصور يمكنك الاطلاع على هذا الملخص بالنقر هنا.

المراجع

[i] Remarks by Vice President Joe Biden on European Energy Security to the Atlantic Council Energy and Economic Summit – Istanbul, Turkey – November 22, 2014

https://obamawhitehouse.archives.gov/the-press-office/2014/11/22/remarks-vice-president-joe-biden-european-energy-security-atlantic-counc

[ii]  ” اللاجئون كسلاح تدمير شامل” – مركز حرمون – 23 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

https://www.harmoon.org/reports/%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%a6%d9%88%d9%86-%d9%83%d8%b3%d9%84%d8%a7%d8%ad-%d8%aa%d8%af%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%b4%d8%a7%d9%85%d9%84/

[iii]  Statistical Review of World Energy 2021 – BP

https://www.bp.com/en/global/corporate/energy-economics/statistical-review-of-world-energy.html

[iv] روسيا واللاجئون السوريون، فاقد الشيء لا يعطيه – 01/08/2018

https://www.infosalam.com/immigrants-refugees/studies/russia-refugees

[v]فيديو: كيف ستكون سياسة أمريكا مع بايدن في الشرق الأوسط؟

https://www.youtube.com/watch?v=ujBFFoD6VSw

[vi]فيديو: بوتين على حدود أوكرانيا وكوابيس جنون الحرب، وحماية مثلث الطغيان

https://www.youtube.com/watch?v=w0DuAMUdrXU

[vii]  مقال “قرن الهادئ الأمريكي” – هيلاري كلينتون – فورين بوليسي – 11/10/2011

America’s Pacific Century

https://foreignpolicy.com/2011/10/11/americas-pacific-century/

[viii] السياسة التركية بين الواقع والخيال

https://www.infosalam.com/geopolitics/studies/turkish-policy-between-reality-and-fiction

قد يهمك