07/01/2017
علاء الدين الخطيب
رحم الله السوري المبدع جلال صادق العظم، قيل حول عطائه الكثير، مما لا حاجة بنا لتكراره؛ لقد كان بالنسبة لي ولكثيرين أستاذا ونبعا من الأفكار والتنوير؛ ثم كان موقفه الواضح من الثورة السورية موقفا شجاعا ويقينيا، واتخاذ هذا الموقف من قبل اسم بهذا الحجم والتأثير كان له أثر بالغ في صد الدعاية الأسدية. لكن العظم من آباء منهج العقلانية في العصر العربي الحديث، والعقلانية تقتضي وعيا أكثر من مقولة “اذكروا محاسن أمواتكم”. لذلك سأناقش مقولة العظم التي اشتهرت تحت عنوان “العلوية السياسية”، والتي نالت نصيبا من الرد والنقد والاعتراض؛ لكن مع تحويل العظم إلى قديس، فإن مقولته بحاجة لإعادة النقد ومحاولة تقليص أثرها على الفضاء السوري، بسبب ما بنيَ عليها من استنتاجات هدّامة، اعتمدت على قوة اسم جلال صادق العظم، فالغاية ليست نقد لمجرد النقد لمفكر بحجم العظم، بل نقد مقولة لم تكن بمستوى عطاء هذا المفكر، مقولة تصب في شحذ سلاح التحريض الطائفي الأكثر فتكا في سوريا والمنطقة كلها.
لقد أصبح من الواضح أن كل الأطراف المتصارعة فوق سوريا تستخدم سلاح التحريض الطائفي، وأن هذا التحريض أصبح بضاعة دسمة للإعلام بكل أنواعه ولغاته، وهو تحريض ليس خاصا بسوريا فقط، بل هو تحريض ممنهج يمتد بعصرنا الحديث إلى ثلاثة عقود للوراء ضمن صراع إسلامية البترودولار على ضفاف الخليج العربي؛ وهو أيضا جزء من تحريض عالمي افتتحه الأميركي هنتغتون بخرافة صراع الحضارة الغربية مع الحضارة الإسلامية. لكن هذا التحريض في سوريا أصبح أخطر من القنابل النووية، في حرب الآخرين فوق الأرض السورية؛ هذا التحريض استند إلى تراث الرجال في التاريخ الإسلامي بقراءة انتقائية للمتعفن منه، واستند أكثر إلى سذاجة التفسيرات الشعبية التقليدية في منطقتنا لحركة التاريخ والصراع الجيوسياسي العالمي، كما تسلح بسوق الإعلام وماله ليسد كل نافذة عقلانية تحاول تبديد الوهم حول سوريا.
كان من المحبط في عام 2013 أن يتخلى العظم عن منهج العقلانية وينحدر لمستوى التفسيرات الشعبية الفطرية في تحليل الواقع السوري والعربي عموما، فانطلقت محاضراته ولقاءاته في تناول الموضوع السوري تدور في أحد محاورها الأساسية حول ما سمّاه “العلوية السياسية”، وفجأة بتنا نسمع إسلاميين من التيار السني المتعصب يستشهدون بالفيلسوف الملحد العظم، بعد أن حاربوا طوال عقود طويلة نقده للفكر الديني، الذي من خلاله فند العظم أساس شعبويتهم الدينية، بل حتى الإسلاميين من التيار الشيعي المتعصب لم يحاولوا جديا نقد كلامه، حتى من باب مصلحتهم ورؤيتهم. مقولة بهذه الضبابية تصدر من اسم علماني ديمقراطي كبير كالعظم ساهمت بالتهديم أكثر بكثير مما أطلقه أعتى شيوخ التحريض الطائفي السني والشيعي والعلوي.
كتب العديدون في نقد مقولة العظم هذه، وكثيرون منهم كتبوا بعقلانية وضمن أصول الحوار، لكن المفاجئ كان رده في مقابلته مع DW في 28/08/2015 على من انتقده (كما نقول باللغة العامية” “يلي تحت باطو مسلة، بتنخزو”. لذا أترك الشتامين لنخزات مسلاتهم) (1).
بالمقابل هل قدم العظم ما يكفي لدعم مقولة “العلوية السياسية”؟ لن أدخل هنا بنقاشها وتفنيدها، فهذا يحتاج أكثر من مقال؛ لكن أضع العلامات الأساسية التي تؤكد تهافت هذه المقولة.
العظم لم يضع تعريفا متماسكا لمعنى “العلوية السياسية”، كل ما فعله أنه قارنها بما سماه “المارونية السياسية”، متجاهلا كل أسس التحليل التاريخي والموضوعي، التي تباعد بين الحالين تباعد الحرب الباردة عن النظام العالمي الجديد. بل إنه وخلال محاضرته في برلين عام 2013 (2)، نراه يحرص على التفريق بين الإسلام السياسي وبين الإسلام والمسلمين، لكنه في تناول العلوية السياسية، إن قبلنا جدلا لمصطلحه، لا يحرص على توضيح الفرق بين العلوية والعلويين وبين العلوية السياسية.
لقد اكتفى العظم بترديد ما يقوله عامة الناس في توصيف أشكال الحكم، وهي مقولات سطحية عاجزة عن الرؤية العلمية التحليلية لبنية الدولة (3)؛ فلو امتلكت عامة الناس القدرة على تكوين إدراك واع علمي لبنية الدولة والسلطة، تاريخيا وحاضرا لما سادت التاريخ والحاضر البشري كل هذه المآسي والمظالم والحروب، ولما دفعت عامة الناس الثمن الغالي للصراعات السياسية. العظم يدعم مقولته بسرد حكايات الشارع السوري عن الضباط والمسؤولين العلويين، ويكرر جملا تعميمية ظالمة لا يمكن أن يقبلها أي تحليل علمي، كما ورد في محاضرته المشار إليها سابقا (… وجميعها واقع تحت السيطرة العلوية شبه الكاملة) أو (العلويون هم العمود الفقري للنظام العسكري- الأمني الحاكم ولقواته الضاربة و شبيحته بشكل خاص)؛ فهل غفل العظم عن تهافت وظلم اختصار ثلاثة ملايين سوري علوي في بضعة آلاف من أصحاب السلطة؟ أم أنه لم يقصد هذا التعميم الظالم؟ بالواقع وضمن نفس المحاضرة يصرّ العظم على تمييز تعريفات الإسلام وانتشاله من تعريفي السلطات السياسية في الدول الإسلامية والفكر القاعدي التكفيري، بل أيضا يميّز ما سمّاه إسلام الحركات الوطنية مثل حماس وحزب الله (رغم نقده لمذهبيتهما وطائفيتهما)، ثم يسهب في وصف إسلام الطبقة الوسطى، ويطلق أيضا مصطلح “إسلام البزنس” على إسلام حزب العدالة والتنمية وإسلام الإخوان المسلمين، وبطريقة أو أخرى يدافع عن حداثيتهما؛ إذا العظم لم يكن غافلا عن ضرورة تحديد وتعريف المصطلحات ومعانيها ووقعها.
العظم لم ينسى أهمية الطبقة المالية في تكوين المجتمع والسلطة، لكنهفي تحليله للواقع السوري يراها مكونا ثانويا للسلطة، بل ومجبرا على التحالف مع “السلطة العلوية”، وللأسف يجزم أنه يعرف نوايا البشر فهو في وصفه للمجتمع الدمشقي وحفلات وسهرات مكونيّ السلطة السورية، حسب زعمه، السلطة العسكرية الأمنية العلوية والسلطة المالية السنية يجزم أنهما يكرهان بعضهما (… مع ذلك فإنهما يكرهان ويبغضان ويحتقران بعضهما بعضاً إلى مالا نهاية…). على ما يبدو أن كان يجب على أحدهم أن يذكره بأن الله فقط هو العالم بالنوايا.
المفاجئ في قراءات العظم للمشكلة السورية بعد 2011، أن يضع جانبا كل مناهج التحليل العلمي لتطور المجتمعات البشرية، وآثار الصراع والبنية الاقتصادية للدول والسوق العالمي، والهزات الضخمة الزلزالية التي رافقت النظام العالمي الجديد، وتصاعد أشكال جديدة للصراع ضمن السوق العالمي، جديدة في أدواتها ودوافعها وتوزيعاتها، وتحول العالم إلى قرية صغيرة بكل معنى الكلمة، بحيث باتت أفقر قرية في إفريقيا تشعر بهزات وول ستريت في نيويورك؛ فلم يرد بتحليلات العظم أي تحليل للصراع الدولي المستعر فوق سوريا بين عدد هائل من الدول، لم تشهده تاريخيا أي دولة بحجم سوريا، وكأن صراع السياسة والمال والسلاح والإعلام والأفكار والعقائد فوق الأرض السورية مجرد عامل ثانوي.
خاتمة
المشكلة الطائفية موجودة في سوريا وبمنطقتنا كلها، وإنكارها ليس مثالية فقط بل عماء بالرؤية؛ لكن تناولها أيضا، من باب المحكي الشعبي والإعلامي المفروض من قبل السلطات السياسية، ومن قبل إعلام الفكر الديني المتشدد، وتسطيحها لهذا المستوى هو أسوء من تجاهلها. فرق هائل بين تناول المشكلة الطائفية كمرض اجتماعي تاريخي، وكأداة وسلاح يستخدمه أصحاب المصلحة بالصراع فوق سوريا، وبين تناولها على أنها السبب والدافع.
ليس هذا النقد انتهازا للحظة غياب المفكر جلال صادق العظم، فهو كما رأينا رفض خلال سنتين الدخول في نقاش منهجي أو علمي مع من انتقده، بل هو تحذير من تحويل المفكر إلى قديس، والسماح باستخدام كل مقولاته كمقدس في الحرب الشرسة فوق سوريا، وبالتالي تسعير سلاح التحريض الطائفي.
لكن هل كان العظم وحده هو التائه بين أعاصير التغيير في سوريا والمنطقة؟ بالواقع لقد رأينا انهيار القدرة التحليلية والعلمية عند العديدين من الأسماء الكبيرة التي نعدها من آباء التنوير في منطقتنا، منهم من فضل الصمت نسبيا مثل الطيب التزيني، ومنهم من قفز مستعجلا راميا تراثه العلمي مثل العظم وغليون وكيلو ومناع، ومنهم من ارتد إلى نرجسيته مثل أدونيس.
نترحم على المفكر الأستاذ صادق جلال العظم، ونجل عطاءه الفكري والبحثي، لكن لا يجوز أبدا مع تزايد النزف السوري قبول كل ما قاله، والسير بالعادة العربية في تقديس الأسماء: “فلان قال فلتصمت الألسن وتقف العقول”.
07/01/2017
مراجع:
(1) العظم: الربيع العربي كشف عن هويات وعصبيات تحت وطنية (مقابلة مع DW)
(2) محاضرة المفكر صادق جلال العظم حول ”العلمانية والمسألة الدينية”
(3) مطرقة الطوائف ومسامير الصراع في سورية (مقال على شبكة جيرون)
(4) راجع أيضا دراسة “هل النظام السوري نظام علوي؟” على جزئين
رابط مختصر للمقال: http://wp.me/P2RRDZ-x3









