الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

ماذا يحدث في فرنسا؟

ما يحدث مؤخرا في فرنسا، ويتمدد لدول أوروبية أخرى، ليس مجرد رد فعل على زيادة ضريبية، ولا حركات فوضوية متطرفة، إنه يعود إلى تراكم أخطاء صناع القرار منذ تسعينات القرن الماضي.

علاء الدين الخطيب

14/12/2018

القصة تبدأ منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي: الاتحاد السوفيتي انهار وتفكك، كتلة حلف وارسو في أوروبا الشرقية أشعلت ثوراتها البرتقالية؛ وأعلن الغرب الرأسمالي انتصاره النهائي على الخطر الشيوعي والسوفيتي، انتهى نظام القطبين الكبيرين الحاكمين للعالم “الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية”، وتم دفن الحرب الباردة. فاعتقد كثيرون في الشارع الغربي، أنهم أصبحوا أسياد العالم دون الخوف المقيم من الوحش السوفيتي وقوته النووية الفتاكة، وطمعه بتدمير حضارتهم ورخائهم، وأن المستقبل حتما سيكون لهم. فرغم العمل تحت كابوس الحرب النووية، وقسوة الحرب الباردة المستمرة أربعين سنة، حققت الدولة الغربية تطورا وترقيا اقتصاديا هائلا، فكم ستكون سرعة هذا الترقي والرخاء بدون تلك الكوابيس والصراعات. لكن رياح صناع القرار في الغرب عصفت فيما لم يتوقعه الشارع الغربي.

انهيار الكتلة الشيوعية السوفيتية خلق فراغا ضخما في العالم، ومن هو المؤهل والقادر على ملئ هذا الفراغ سوى الغرب بقيادة أمريكية. لقد انطلق صناع القرار الغربي السياسيون والاقتصاديون، بسرعة وتسرع، بشره وتوحش كبير لملئ الفراغ. وربما ما زلنا نذكر في منطقتنا، حرب تحرير الكويت من بين أنياب الطاغية صدام حسين، لتكون محطة البيان رقم واحد للمنتصر، وهو الولايات المتحدة الأمريكية. لكن القرار الغربي الاستراتيجي لم يكن يهدف لملئ الفراغ عسكريا، فالحركة العسكرية كانت مجرد مظهر داعم جانبي للاستراتيجية الأساس، وهي السيطرة على العالم اقتصاديا، من خلال إحلال نظام اقتصادي عالمي جديد، تقوده الشركات الغربية العابرة للقارات، وتحميه الطبقات السياسية الحاكمة الغربية.

كانت البداية مع منظمة التجارة العالميةWTO  في التسعينات، وانطلقت اتفاقيات تحرير التجارة الدولية، بصياغة وإشراف وتحكم أمريكي غربي لصيق؛ فهُمْ أصحاب الأموال والبنوك الأضخم، والتقنيات الأكثر تقدما، والأداء الأكثر مرونة وسرعة، والاستراتيجيات الأكثر خبرة وطموحا. وتكاثرت القوانين الوطنية والدولية التي تمنح الشركات الضخمة ميزات هائلة، بحماية الحكومات، وأحيانا بسلطات تتجاوز الحكومات.

قبل الاسترسال في القصة، يجب أن نعود إلى فترة الثمانينات، حين توافقت الإدارة الأمريكية برئاسة ريغان والحكومة البريطانية برئاسة تاتشر، على إطلاق نظام النيوليبرالية الاقتصادية من عقاله في البلدين، والذي يُعد الفلسفة الأساسية الكامنة خلف كل ما له علاقة بالتجارة العالمية لاحقا. فهذا النظام يقوم على مبدأ “دعه يعمل دعه يمرّ”، وبعبارة أخرى تحرير الاقتصاد بشكل شبه كامل من سلطة الحكومات، وتحويل كل ما يمكن من قطاعات اقتصادية وخدمية وتعليمية وائتمانية وحتى عسكرية إلى القطاع الخاص. وهو نظام قديم بالمعنى النظري، وتطبيقه بقي محدودا، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، لكن مع ريغان وتاتشر كانت انطلاقة الوحش المختبئ لعقود.

نعود لحكايتنا، مع بداية الألفية الثالثة، اكتمل انطلاق الاتحاد الأوروبي رسميا وعمليا، وصدرت عملة اليورو، وتم تأسيس البرلمان والمؤسسات الأوروبية، وفُتحت الحدود بين دول الاتحاد، وتضخم الحلم الأوروبي؛ كيف لا، والاتحاد الأوروبي بمجموعه أصبح ينافس على المرتبة الأولى عالميا من حيث حجم السوق والاقتصاد مع الولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه الانطلاقة، وكما كان متوقعا وواضحا، عانت من صعوبات كبيرة، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن؛ لكن الطموح كان كبيرا بمعالجة المشاكل بالتدريج وبالتنسيق بين دول الاتحاد.

غرب الأطلسي الأمريكي لم يكن بعيدا جدا عن شرقه الأوروبي، فالنظام الأمريكي الاقتصادي كان يحاول المرور، وبالقعل عكفت لجان أوروبية برئاسة الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، ذي الميول الأمريكية، على اقتراح دستور أوروبي، انتهت مسودته في 2004. دستور تضمن بشكل أساسي نقل النظام الاقتصادي الأوروبي إلى النظام الأمريكي. لكن شعوب فرنسا وإسبانيا وهولندا ولوكسمبورغ رفضوه، ففشل مشروع الدستور شكليا؛ فقد عاد جوهر ما حمله الدستور من الشُّباك بعد أن ظن الشارع الأوروبي أنه قد أغلق أمامه الباب، فعقدت الحكومات الأوروبية الاتفاقيات تلو الاتفاقيات لتمرير أهم ما أراده الدستور المقترح. 

وهنا نتوقف قليلا، للتذكير بالفارق الأساسي بين ضفتي الأطلسي. فرغم أن أوروبا الغربية من المعسكر الرأسمالي، وحليف الولايات المتحدة الأهم، إلا أن غالبية دولها تميزت عن النظام الأمريكي، بأن نظامها قام بشكل كبير على أساس الاشتراكية الاجتماعية، ومنظومات الضمان الصحي والاجتماعي، الأقوى والأشمل في التاريخ البشري، وقوة الحكومات والبنوك المركزية في القرار الاقتصادي، وقوة ونجاح القطاع العام وخاصة في مجال البنية التحتية الأساسية، مثل قطاع النقل العام، قطاع التعليم، قطاع الصحة، وقطاع الطاقة.

إذا إن ما حصل في أوروبا منذ التسعينات، وتسارع مع دخول الألفية الثالثة، هو تخلٍ تدريجي من قبل صناع القرار الأوروبي عن هويتهم الأساسية المميزة، والتي هي أساس قوة أوروبا الغربية، وقوة مجتمعاتها داخليا. فحتى الأحزاب الاشتراكية الأوروبية التقليدية لم تعد تحمل من اسمها سوى العنوان، وبات من الصعب التمييز ما بين يسار الوسط أي الاشتراكيين، وما بين يمين الوسط أي المحافظين.

الكارثة الكبرى كانت انفجار الأزمة المالية العالمية في عامي 2008-2009، أزمةٌ كما نذكر كلفت العالم كله الكثير الكثير. وقد كان الحل الذي قرره القادة الغربيون هو مسارعة الحكومات لرأب الصدوع، ومدّ المؤسسات المالية والبنكية بأموال هائلة لتجاوز الأزمة، وقد دفع الشارع الأوروبي ومثله الأمريكي الفاتورة الباهظة، طبعا وشاركهم بها كل مواطني دول العالم، سواء علموا بذلك أم لم يعلموا.

لم تتعافَ أوروبا من الأزمة الاقتصادية وأثارها، بل سارت بصعوبة كبيرة للأمام، وبالكاد أحرزت ألمانيا وبعض الدول الأوروبية الصغيرة الأخرى تحسنا اقتصاديا، بينما غرقت فرنسا بأزماتها المتتالية، أما إيطاليا وإسبانيا فيواصلون الترنح ويواجهون مخاطر اقتصادية كبرى، ناهيك عن الأزمة اليونانية الكارثية اقتصاديا.

مع ذلك ورغم كل هذه الأثمان الباهظة للنظام الاقتصادي الجديد الذي أطلقته الحكومات والشركات الأوروبية، إلا أن غالبية حكومات أوروبا الغربية لم تتراجع عن سياساتها نحو النيوليبرالية ونشر الخصخصة أكثر وأكثر، والميل بالموازين لمصلحة الشركات على حساب عموم الناس.

لعل أكبر قفزة في فرنسا كانت في عهد الرئيس الأسبق ساركوزي، الذي مثلا بدء في بيع أكبر وأغنى شركات الطاقة في أوروبا، وهي كهرباء فرنسا، والتي كانت تحقق مرابح جيدة للدولة، وتؤمن خدمة ممتازة على كل المستويات.

نجح ماكرون بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في فرنسا، ويعود الفضل في نجاحه، بأحد أسبابه الأساسية، إلى منافسته ماري لوبان، فكثير من الفرنسيين انتخبوه فقط كي لا تصل رئيسة نازية إلى قصر الإليزيه. لكن ماكرون أراد متابعة سياسة سلفه الأسبق ساركوزي، والسير قدما في فرض نظام النيوليبرالية الاقتصادية، من خلال سياسة توسيع الشركات الخاصة على حساب القطاع العام، وتحويل عبء الضرائب إلى المواطنين الفرنسيين العاديين، بحجة منع هجرة الشركات الفرنسية، والضغط أكثر على الطبقة العاملة. فلا ننسى أن انتفاضة الستر الصفراء لم تكن مفاجئة، فقد واجه ماكرون الصيف الماضي اضرابا عماليا ضخما في فرنسا، لكنه ببساطة تجاهله، بغرور ووقاحة غير تقليدية في السياسة الفرنسية؛ واكتفي باستعراضات إعلامية حول اعتذاره بسبب تهجم أحد حراسه الشخصيين على إعلامي، ومنحه الجنسية لمهاجر إفريقي أنقذ طفل فرنسي من السقوط من الطابق الرابع. لكن خداع الشعوب لا يمكن أن يستمر. ولأن الأزمة في فرنسا وغيرها من دول أوروبا الغربية أعمق بكثير من ضرائب على مئة يورو، فإن الشارع الفرنسي لم تنطلِ عليه أقوال ماكرون التجميلية.

ما يحصل الآن في فرنسا، وقد يمتد إلى بلجيكا، وإسبانيا، ولاحقا لدول أخرى، إن لم تسارع الطبقة السياسية بالخروج من النفق الذي دخلت وأدخلت به شعوبها، يعود لأسباب أعمق من مجرد قرارات جديدة مستحدثة، إنه الفشل بالقياس النسبي للنظام الجديد في أوروبا أن يحقق ما كان يجب أن يحققه منذ تسعينات القرن الماضي، خاصة على صعيد الفروق بين طبقات المجتمع الغنية والمتوسطة والفقيرة، هذه الفروق لم تتراجع بل تزايدت، وساعات العمل تزايدت، وحتى النظام السياسي أصبح أكثر تعقيدا وصعوبة من أن يستطيع المواطنون إيصال مشاكلهم؛ والناحية الأهم هي تراجع الإعلام الأوروبي التقليدي الكبير، عن دوره القيادي والنخبوي الذي مارسه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لصالح الإعلام الصغير وإعلام شبكات التواصل الاجتماعي.

لعل أهم أدلة هذا الفشل كان صعود اليمين المتطرف الأوروبي، خلال السنوات الماضية في كل دول أوروبا الغربية؛ هذا الصعود كان شكليا بسبب مشاكل الهجرة واللجوء، لكن بعمقه هو صعود ناتج عن نقمة عامة في الشارع الأوروبي على حكوماتهم خلال العقدين الماضيين.

قد يفضل البعض الركون لتفسيرات بوليسية ومخابراتية، بما في ذلك العديد من الإعلام الفرنسي، وهذا منحى طبيعي بين الناس. فالعديدون يصدقون أن ما حصل هو مؤامرة من اليمين واليسار المتطرف، ويضيف آخرون أنه تدخل روسي شرير في فرنسا. ولا نستغرب أيضا إن كان هناك من يصدق أن هذه الاحتجاجات مرتبطة بصعود الإسلام السياسي والجهادي، وأيادي إخوانية أردوغانية، أو ربما سعودية بسبب موقف ماكرون من جريمة مقتل خاشقجي. لكن تبقى هذه التفسيرات والقناعات مجرد قراءات انتقائية تناسب الجواب المسبق، وتتبني منهجية نظرية المؤامرة في فهم العالم، وتتماشى مع الميل العام للتفسيرات البسيطة للأحداث، وكذلك الاسترخاء في نمطية تفكير سادت المجتمعات البشرية آلاف السنين، وتتمحور حول أن العيب هو في عامة الناس، أو كما يسمونهم الرعاع، وليس في القيادات. وبكل الأحوال فنقاشها هنا ليس واردا ولا مجديا.

مع ذلك لا بد من التوضيح أن أكثر السعداء بهذه الانتفاضة في فرنسا، هم اليمين المتطرف واليسار المتطرف الفوضوي، وهم بشكل حتمي سيستغلونها بأقصى ما أمكنهم ذلك، فهذه حتمية الصراع السياسي على السلطة. أما دوليا فعلى ما يبدو أن أكثر المبتهجين كان دونالد ترامب، الرئيس البرتقالي الأمريكي، الذي يتمنى انتقال أوروبا إلى أيدي اليمين المتطرف. وبالتأكيد هي مصدر ارتياح لبوتين، الذي لا يمكنه استعادة مجد روسيا إلا إذا تهاوى الاتحاد الأوروبي تحت رايات اليمين المتطرف الغربي. لكن كل ذلك لا يعطي أيا منهم قدرات إلهية لخلق هذه النقمة على ماكرون، فبكل الأحوال ماكرون لم يقدم أي شيء يشير إلى أنه سيقدم أفضل مما قدمه سابقاه في الرئاسة، وهو أيضا ليس بهذه الغفلة لكي يستطيعوا قلب غالبية الشارع الفرنسي عليه.

بقي أن أوضح في الخاتمة، أن هذه القراءة لا تأتِ بأي شكل من توجه يساري مسبق، فنقد فشل النظام الرأسمالي بشكله النيوليبرالي، لا يؤدي بالضرورة إلى تبني وجهة نظر التيار اليساري أو الشيوعي، فطيف الألوان أوسع بكثير من الأبيض والأسود، لمن أراد أن يراه.

رابط مختصر

http://wp.me/P2RRDZ-GD

 

قد يهمك