
علاء الدين الخطيب 14/07/2017
شهد العالم منذ حوالي الأسبوع تصعيدا لتوتر مستمر تاريخيا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وذلك بعد أن تم تسريب تقرير للمخابرات الأميركية يدعي أن كوريا الشمالية وصلت لمرحلة تصغير حجم القنبلة النووية، إلى الحد الكافي ليمكن تحميلها على الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى؛ فكان تعليق دونالد ترامب ناريا وعنيفا جدا الأسبوع الماضي، فقد قال: “من الأفضل لكوريا الشمالية ألا تهدد الولايات المتحدة أكثر، لأنهم سيُقابلون بنار وضراوة شديدة لم يشهدها العالم أبدا”، ثم أتى تعليق وزير دفاعه جيمس ماتيس أكثر حدة عندما هدد كوريا الشمالية بأنها “تخاطر بإنهاء النظام الحاكم فيها، وتدمير شعبها”.
وكما هو متوقع في هذه الحالة ردت حكومة كوريا الشمالية بعنف على تصريحات ترامب وماتيس، وأعلنت أن تدرس خطة لإطلاق 4 صواريخ متوسطة المدى، من نوع Hwasong-12، والتي ستقطع مسافة 3356 كم خلال 1065 ثانية (حوالي 18 دقيقة)، وستمر فوق اليابان متوجهة إلى هدفها، لتهبط في مياه المحيط على بعد من 30 إلى 40 كم من سواحل جزيرة غواما الأميركية، كما قال الجنرال كيم راغ غيوم رئيس القوات الاستراتيجية الكورية الشمالية، وأضاف أن التحضيرات ستكون جاهزة في منتصف هذا الشهر، وبانتظار أوامر القائد كيم جونغ أون.
يعتبر رد كوريا الشمالية الأعنف في تاريخ العلاقة بين الدولتين، من حيث صراحته ومباشرته وأيضا إعلانه إعلاميا؛ لقد اختار الرد الكوري الشمالي جزيرة غوام لأنها أولا أراضٍ أمريكية، وثانيا لأنها تقع ضمن مجال صواريخ كوريا الشمالية، وثالثا لأنها تشكل أحد أهم القواعد العسكرية الأميركية في المحيط الهادي، قرب كوريا واليابان والصين.
ما هي جزيرة غوام؟
تقع جزيرة غوام في المحيط الهادئ شرق الصين وجنوب شرق اليابان وكوريا، وتتبع الولايات المتحدة الأمريكية منذ 1898، وهي جزيرة صغيرة نسبيا، وتضم قاعدة عسكرية أميركية استراتيجية متقدمة في المحيط الهادئ؛ تبعد عن الولايات المتحدة حوالي 11000 كم، وعن كوريا الشمالية حوالي 3400 كم، كما هو موضح في الخريطة المرفقة.
مخطط توضيحي لجزيرة غوام بعد تكبيرها.
ما هو الجديد؟
لم يحصل خلال الشهور أو السنة الماضية، تطور ضخم نسبيا في الحرب الباردة المستمرة منذ عقود، بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة؛ فتجارب كوريا الشمالية العسكرية، وعملها على السلاح النووي والصاروخي مستمر منذ سنين طويلة، وتقرير المخابرات الأميركية الأخير، حول أنها امتلكت تقنية تصغير حجم القنبلة النووية، بحيث يمكن تحميلها على صاروخ متوسط أو بعيد المدى، لم يكن خارج التوقعات، بل أن عددا من المختصين في التقنية العسكرية والنووية يشككون بهذا الخبر.
إذا لماذا هذا التصعيد؟
من الصعب الجزم بالأسباب التي دارت في ذهن ترامب ووزير دفاعه، إلا أن الخارجية الأمريكية حاولت بطريقة غير مباشرة التخفيف من وقع هذه التصريحات وجديتها، فبمعايير العلاقات الدولية، تعتبر تصريحات الرجلين في موقعهما السياسي عنيفة وعدائية جدا. على ما يبدو أن ترامب لا يريد أن يمضي وقت طويل في سوق الإعلام دون إثارة أو تشويق، أو لربما يريد التغطية على قرار صديقه بوتين بطرد 755 ديبلوماسيا أميركيا من موسكو، والذي علق عليه ترامب شاكرا بوتين على هذا القرار، لأن إدارته كانت تفكر في بعض التوفير في تكاليف بعثاتها الديبلوماسية الخارجية.
هل يمكن أن تقع الحرب؟
ما هو ظاهر لحد الآن أن ما حصل هو تبادل لاستعراضات القوة بين الطرفين؛ فبيونج يانج لن تخاطر بالقيام بالحركة الأولى، لأن النتيجة الواضحة هي سقوط النظام الكوري الشمالي، والخسارة العسكرية؛ كما أن الولايات المتحدة لم تقم عمليا بأي تحرك عسكري أو لوجيستي يشير إلى أنها ستوجه الضربة الأولى؛ فمقارنةً بحربي الخليج العربي إن أي تحرك عسكري أميركي ضخم يلزمه شهور من الإعداد وتحريك الأسلحة وحشد القوات، والدفاعات والقدرة العسكرية الكورية الشمالية أفضل حالا من جيش صدام إبان حربي الخليج، ولا يبدو أن هناك حركة غير عادية في المجال العسكري الأميركي، فحتى عائلات العسكريين والمدنيين الأميركيين في كوريا الجنوبية، والذين يصل عددهم إلى عشرات الآلاف، لم يتم الإعلان عن أي نية لإخلائهم من هناك، وهذه خطوة أساسية قبل خوض أي حرب، خصوصا إذا تذكرنا ما حصل في عام 1994، حين لاحت بوادر حرب في شبه الجزيرة الكورية، فبادرت الإدارة الأميركية في أول خطوة احترازية، إلى إخلاء المدنيين الأميركيين.
من ناحية ثانية، رغم قوة النظام الصاروخي الدفاعي الأميركي المضاد للصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، إلا أن لا ضمانة كاملة حتى الآن بفعالية مطلقة، بحيث يحقق نتائج 100% في حماية غوام أو حلفاء الولايات المتحدة اليابان وكوريا الجنوبية، بل إن بعض الخبراء العسكريين الأميركيين يعطون هذه الأنظمة نسبة فعالية تعادل 50%، وبهذه الحالة انتظار الضربة الكورية الشمالية والاعتماد على الدرع الصاروخي قد يسبب كارثة إنسانية وفضيحة ضخمة للعسكرية الأميركية، الشكل المرفق يبين مخططا توضيحيا لمراحل الدفاع الثلاثة ضد الصواريخ الكورية الشمالية.
كما أن الخيار النووي محدود تقنيا أمام الإدارة الأمريكية، حيث أن كوريا الشمالية مجاورة للصين وروسيا وكوريا الجنوبية، وأي استخدام للسلاح النووي التكتيكي يجب أن يكون مدروسا لكيلا يؤثر على هذه الدول، كما أن نتائجه الكارثية لا يمكن قبولها دوليا، إن لم تبادر كوريا الشمالية بهجوم عسكري واضح، وليس مجرد إطلاق بضعة صواريخ نحو المياه الدولية، حتى لو كانت قريبة من غوام الأميركية.
ما هو الموقف الدولي؟
أقرب حلفاء الولايات المتحدة وهي المملكة المتحدة لم تبد حماسا لإعلانات ترامب، بل طالبت بمعالجة القضية عبر الأمم المتحدة، كذلك المستشارة الألمانية ميركل طالبت بالرجوع إلى مجلس الأمن، وبطريقة غير مباشرة هاجمت تصعيد الحرب الكلامية. أما الصين فقد وضعت كامل اللوم مبدئيا على الولايات المتحدة، معتبرة أن كلام ترامب كرئيس للولايات المتحدة، كلام مستفز وخطير ولا يمكن قبوله.
بدء الروس تحركهم مع الصينيين وأعلن لافروف عن اقتراح لحل الأزمة، يتضمن تجميدا مزدوجا: بوينغ يانغ تجمد تجاربها الصاروخية، والبيت الأبيض يجمد مناوراته العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية؛ لكن كما يبدو فالأميركيون لم يهتموا بالاقتراح وأكدوا أنهم سيقيمون مناوراتهم العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية في 21 الشهر الجاري، بل إن أحد التمارين المقررة تحت اسم “ضربات قطع الرأس”، والتي يعتقد أنها تمرين على كيفية اغتيال الزعيم الكوري الشمالي، ستزيد الأمور سوءا.
من سينتصر؟
التصعيد هو تصعيد خطابي، والطرفان يتبعان للآن سياسة حافة الهاوية، وهي سياسة خطيرة، تحمل احتمالا ضعيفا، لكن قائما، للانتقال المجنون لمواجهة عسكرية، خاصة وأننا أمام زعيمين لا يمكن توقع ردود أفعالهما، وهما يمارسان ما يمكن تسميته “عراك مراهقين بالشارع”.
لكن بكل الأحوال، فإن كيم جونغ اون ليس انتحاريا، ولن يخاطر بحرب مدمرة مع الولايات المتحدة، ستؤدي لانهيار نظامه، وغالبا قتله؛ كما أن ترامب محكوم بالقرار العسكري الذي على ما يبدو أنه للآن لم يفهم كيف يتم التحضير له في البنتاغون، فعسكريا البنتاغون ليس مهيآ لحرب حقيقية مع كوريا الشمالية، ولا يبدي أي تحضيرات لذلك، عدا عن أن الموقف الدولي، بمن فيهم الحلفاء، لن يحتملوا أن يهاجم ترامب أولا وبسلاح نووي.
بالواقع من المرجح أن الصين وروسيا سيتدخلان مع كيم جونغ اون، لتحويل المعركة الكلامية إلى انتصار سياسي له، فهو إن تابع التصعيد الخطابي، وبالنهاية قرر ألا يطلق الصواريخ باتجاه غوام، سيعطي الصورة بأنه الأذكى والأكثر تحكما بأعصابه وبقراراته، وأنه لا يريد الحرب لأجل الحرب، كما فعل جون كنيدي إبان أزمة خليج الخنازير مع السوفييت، عندما حافظ على نافذة مفتوحة لخروشوف كي يتم امتصاص الأزمة سياسيا وتجنب مواجهة مباشرة، لكن كما يبدو أن من سيتعلم الدرس هذه المرة هو كيم جونغ أون وليس الرئيس الأميركي الحالي، والخاسر سيكون ترامب الذي سيظهر للمرة المائة بمظهر الرئيس المتهور الذي لا يقدر عاقبة كلامه.
أين نحن من ذلك؟
قد تبدو الأزمة بعيدة عن سورية، والشرق الأوسط عموما، لكن العالم بواقعه السياسي والاقتصادي لم يعد يرى مسافات جغرافية؛ فصراع تكسير الأصابع بين الصين وروسيا وبين الولايات المتحدة متواصل من شطأن البحر المتوسط مرورا بالخليج العربي ووسط آسيا، ووصولا إلى شبه الجزيرة الكورية؛ كذلك فإن كوريا الشمالية حليف أساسي للنظامين الإيراني والسوري، وشريكهما في تطوير التقنية العسكرية، فنتائج الأزمة الكورية ستنعكس سريعا على سورية، من حيث قوة الموقفين الروسي الصيني والأميركي، ولا نبالغ إذا قلنا أن سكان قصور السلطة في دمشق وطهران يحسبون الدقائق لمعرفة ماذا سيحصل في شبه الجزيرة الكورية.
من ناحية ثانية، لربما تساهم مراقبة الأزمة الكورية الأميركية من بعيد، في مساعدتنا على أن ندرك كيف يرانا العالم من بعيد؛ وكيف يجب الحذر قبل نشر الأوهام بناء على كلمات حتى لو كانت لرئيس الولايات المتحدة، فلو عدنا بالذاكرة لتصريحات ترامب بعيد جريمة النظام الكيماوية في خان شيخون، ثم كيف ابتلع كلامه، وما رافق ذلك من انهمار تحليلات سياسية لقرب التدخل الترامبي الحاسم في سورية، لربما استطعنا أن نفهم كيف يسير العالم والسياسة الدولية.
14/07/2017










