16/01/2014
علاء الدين الخطيب
أوباما يعلن عن العمل الجماعي مع الحلفاء و جينبينغ يدعو لحلف آسيوي روسي من أجل آسيا. وكلمة السر هي سوريا
تتصاعد حدة الأحداث حول سوريا وداخلها. فقد أصبح واضحا أن سوريا هي مركز صراع عالمي شرس يستخدم كل أنواع الأسلحة النارية والإعلامية والمالية والدينية. أهمية سوريا كقرار استراتيجي دولي تنبع أساسا من موقعها الجغرافي شمال إسرائيل وكونها بوابة أساسية لإيران على العالم بعد أن أطبق الحصار الغربي على إيران. وكذلك تكمن أهمية سوريا في توسطها لأهم منطقة اقتصادية في السوق العالمي وما تمثله من قاطرة قد تزلزل الدول الأغنى بالنفط والغاز في العالم 
إن قراءة مشهد الصراع الأكبر عالميا بين معسكر الغرب ومعسكر الصين وروسيا هي الخطوة الأولى في تحليل وفهم المأساة السورية وطريقها المتوقع وسبل حل مشاكلها. هذا الصراع ازداد حدة وتصاعد بالشهور الأخيرة مع قرب انفجار البركان الأوكراني بسبب سيطرة العقل الستاليني على نظام حكم روسيا وكذلك بسبب استسلام الاتحاد الأوروبي لاستراتيجية أمريكا في العالم وقبوله بدور التابع. فنرى أن هذه القارة الفارغة من مصادر الطاقة تهدد بإيقاف استيراد الغاز الطبيعي من روسيا مما سيكلفها دفع ضعف الفاتورة التقليدية لتأمين حاجياتها من الطاقة.
ما قاله أوباما في 28 أيار في أكاديمية ويست بوينت العسكرية يشير بوضوح إلى رضى أمريكي عن مشروع “الحرب بالوكالة Proxy war” الذي بدأت تطبيقاته بالنضوج بعد حرب العراق 2003. وقد سمّى أوباما الاستراتيجية الجديدة باسم “العمل الجماعي collective action“. وما يعنيه ذلك عمليا أن الإدارة الأمريكية ستجلس بالصفوف الخلفية تدير الحلبة وتترك التدخل المباشر لحلفائها بكل نفقاته ونتائجه (مثلما حصل في ليبيا والآن بسوريا). وضمن هذه الاستراتيجية برزت سوريا كساحة معركة أساسية ومصيرية في خطاب أوباما الذي بيّن بوضوح أن دور أمريكا سيكون فقط في ضمان عزل المشكلة السورية ضمن حدودها ولهذا السبب فإن إدارته ستقدم 5 بلايين دولار لدول الجوار لمساعدتها في حماية نفسها من شظايا الانفجار الكبير في سوريا الذي لم يحصل بعد. وأكد أن كل ما سيقدمه للمعارضة السورية “المعتدلة” هو بضعة جرعات تقوية تمنع النظام السوري من الانتصار العسكري خارج المسموح به (التعريف الأمريكي للاعتدال يتراوح بين القطب الجنوبي والشمالي حسب درجة الحرارة).
لقد وصلت القوة العسكرية الأمريكية إلى قلب آسيا في أفغانستان والعراق وأسست لبؤرتيّ استنزاف لن تتوقفا إلا بعد عقود. وبعد أن سحبت الإدارة الأمريكية قواتها من هذه المستنقعات انتقلت إلى استراتيجية الجلوس على مقاعد التحكم عن بعد. الصين وروسيا مرعوبتان من انفجار براكين وسط آسيا وامتداد النيران لداخل حدودهما الوطنية، فيزداد تمسكهما بدعم قوة النظام الإيراني المرشح لأن يكون الساعد الأيمن لهما بالتحكم في وسط آسيا. وعلى ذات الاتجاه تواجه الصين كابوسا مستمرا وهو شره اقتصادها للطاقة. فرغم توزيع مصادر استيراد النفط إلا أن الخليج العربي ما زال مصدر 40% من نفطها المستورد مقابل 20% من نفط أوروبا والولايات المتحدة المستورد.
ولذلك فإن بوتين ونظيره الصيني اكسي جينبينغ وقبل اسبوع من خطاب أوباما قدما للعالم أقوى إعلان لحربهما المستمرة مع الغرب. فقرر بوتين بعد 10 سنين من المقايضات تخفيض سعر الغاز الروسي المُباع للصين وتوقيع أكبر صفقة غاز طبيعي في التاريخ مع الصين لتصدير 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويا بدءا من 2018 والتي تمثل 90% مما تستورده الصين حاليا من الغاز الطبيعي. هذه الاستراتيجية ستخفف من اعتماد الغاز الروسي على الزبون الأوروبي قليلا، فما زالت كمية 38 مليار متر مكعب قليلة بالنسبة لحوالي 160 مليار متر مكعب تستوردها أوروبة. من ناحية ثانية هذا التخفيض بالسعر سيؤثر على بورصة الغاز الآسيوية ذات الأسعار الأعلى بالعالم وسيريح المستوردين للغاز الطبيعي المسال من منافسة الصين لكنه سيقلل بنفس الوقت من مرابح المصدرين الأساسيين للغاز الطبيعي خاصة قطر وأوستراليا.
الأهم في هذا اللقاء خروج الرئيس الصيني عن التقليد الصيني السياسي المعروف بهدوءه ونعومته وإعلانه عن الدعوة لتأسيس تعاون أمني آسيوي ضمن تحالف إقليمي يضم روسيا وإيران ويستبعد الولايات المتحدة تماما ورفع شعار “آسيا للآسيويين”. هذا الشعار الذي طرحه هو إعلان حرب على استراتيجية الولايات المتحدة المعتمدة في وسط آسيا منذ 2011 والتي سمتّها المحور الباسيفكي Pacific Pivot
في كلا المعسكرين نرى بوضوح صعود كلمة السر في هذه الحرب العالمية الثالثة وهي “سوريا”. كلا المعسكرين يؤكد ويعمل ويقول “لن نسمح لكم بالسيطرة على سوريا”. وضمن هذا السياق فمن الواضح أن أساطير مؤامرات الماسونية ومشاريع الفارسية والوهابية والهلال الشيعي والتوسع السنّي هي مجرد فلاشات إعلامية غايتها الأساسية تخفيف العبء القادم من الرأي العام على صناع السياسة الحقيقيين
.








