الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

                  

 

11/05/2018

علاء الدين الخطيب

 

أعلن الرئيس الأمريكي ترامب يوم الثلاثاء 8 أيار/مايو انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من “إطار عمل الاتفاق النووي الإيراني Iran nuclear deal framework” الذي تم التوصل له في العام 2015 بين إيران وبين ما يسمى مجموعة الخمسة زائد واحد P5+1، التي تشمل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي: الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، الصين، بالإضافة لألمانيا والاتحاد الأوروبي.

 

السلاح النووي

المبدأ الفيزيائي والهندسي للقنبلة النووية يعرفه كل دارس للفيزياء والهندسة النووية، لكن السؤال من يملك الخبرة والتقنيات لكي ينجز هذا العمل؟ إنها تقنية وخبرة لا تتوفر فقط بقرار فوقي وبذل المال فقط، وهي محصورة في عدد محدود من الدول: الولايات المتحدة الأميركية، المملكة المتحدة، فرنسا، روسيا، الصين، الهند، الباكستان، الهند، إسرائيل، وربما كوريا الشمالية.

تاريخيا البلد الوحيد الذي بدأ من الصفر في تطوير السلاح النووي دون مساعدة خارجية كان الولايات المتحدة الأميركية، فحتى الاتحاد السوفييتي استعان بخبرات جاسوسية لسرقة بعض أسرار التصنيع النووي الأميركي، وقد تبادل الأميركيون لاحقا الخبرة مع حلفائهم المملكة المتحدة وفرنسا، وطبعا هؤلاء دعموا التقدم الإسرائيلي في هذا المجال (خاصة فرنسا في ستينات القرن الماضي). أما الصين فمن المؤكد أنها نالت مساعدة سوفيتية وإن كانت محدودة، لكنها دولة كبرى بكل الأحوال. من المؤكد أن الهند والباكستان تلقيتا مساعدة مباشرة أو غير مباشرة من الولايات المتحدة والصين، ورغم ذلك استغرق كلا منهما ما لا يقل عن 15 سنة من العمل الحثيث للوصول لإمكانية تصنيع سلاح نووي، علما أنها كانت سنوات تطوير وتعلم واختبار بدون ضغوط وحصارات دولية خانقة تمنع عنهم مثلا بعض التكنولوجيا الضرورية لصناعة السلاح النووي. من المرجح أن كوريا الشمالية نالت بعض المساعدة من السوفييت سابقا، لكن بشكل غير كاف، ومن الصين أيضا لكن بشكل محدود، وبالواقع للآن لا يوجد معلومات مؤكدة أن كوريا الشمالية تملك سلاحا نوويا، وإن كانت تمتلكه فمن المشكوك به أنها تمتلك تقنية تحميل القنبلة النووية على الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى.

لتوضيح صعوبة صناعة قنبلة نووية يمكن بإيجاز توضيح بعض الحقائق العلمية حول هذا الموضوع:

 

·        اليورانيوم يوجد في الطبيعة على شكل فلزات معدنية مختلطة بالبنية الجيولوجية في بعض المناطق. وهو بشكله الخام لا يشكل تهديدا لحياة الإنسان، أي يستطيع الإنسان أن يمسك بيده العارية اليورانيوم الطبيعي دون أي خطر إشعاعي.

·        لليورانيوم نظيران في الطبيعة: يورانيوم 238 واليورانيوم 235، العنصر الانشطاري اللازم لتوليد الطاقة سواء لاستخدامها في محطة طاقة كهربائية أو لصناعة قنبلة نووية هو النظير يورانيوم 235. لحسن الحظ اليورانيوم الطبيعي يحوي وسطيا 99.3% من اليورانيوم 238، أي الغير ضار إشعاعيا، وحوالي 0.7% من اليورانيوم 235، الذي تحتاجه عملية الانشطار. مثلا يمكن أن نستخلص من 25000 طن من خامة اليورانيوم، فقط 50 طنا من معدن اليورانيوم النقي (الكعكة الصفراء)، والذي يحوي بدوره أقل من 400 كيلوغرام من اليورانيوم 235 اللازم للتصنيع.

 

clip_image002

·        لاستثمار اليورانيوم الطبيعي النقي يجب زيادة نسبة اليورانيوم 235 فيه، عملية زيادة نسبة هذا النظير تسمى عملية التخصيب enrichment والناتج يسمى اليورانيوم المُخصّب enriched، أما فضلات هذه العملية فتسمى اليورانيوم المنضّب depleted وهو يستخدم في صناعة السلاح التقليدي لزيادة قوة اختراقه أو تعزيز دروعه.

·        تحتاج محطات الطاقة النووية إلى يورانيوم مخصّب بنسبة بين 3% إلى 5%. بينما يحتاج السلاح النووي إلى يورانيوم مخصّب بنسبة 80% على الأقل، وغالبا أكثر من 90%.

·        تكمن صعوبة صناعة السلاح النووي وحتى اليورانيوم المخصّب للاستخدام السلمي في عملية التخصيب، فهذه العملية معقدة جدا، وتحتاج لخبرات علمية وإمكانيات تقنية كثيرة، لا يمكن الحصول عليها بسهولة، والدول التي تمتلك هذه الخبرة لا تقدمها بسهولة للآخرين.

·        تستخدم الصناعة العسكرية النووية بالإضافة لليورانيوم عنصر آخر يسمى البلوتونيوم، وهو منتج ثانوي للمفاعلات النووية. عملية استخلاص البلوتونيوم عملية صعبة ومعقدة جدا. (تجدر الإشارة هنا إلى أن مفاعل تشرنوبل، الذي سبب كارثة تشرنوبل بانفجاره في العام 1986 في أوكرانيا، كان مفاعلا يستخدم لأغراض عسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق لإنتاج البلوتونيوم، وكمنتج ثانوي كان المفاعل يزود المدينة القريبة بالكهرباء والحرارة).

·         الصعوبة التقنية التالية هي عملية تصنيع القنبلة النووية، والأصعب هو تصنيعها بحيث يمكن تحميلها على رأس الصواريخ الباليستية والعابرة للقارات، وهذا ما تشير معظم التقديرات أن كوريا الشمالية لا تمتلكه رغم الدعاية الإعلامية.

 

تاريخ الأزمة الإيرانية النووية

بدأت إيران برنامجها النووي منذ الخمسينات بمساعدة كاملة من الولايات المتحدة الأمريكية وقطعت أشواطا في اكتساب الخبرة النووية. لكن الثورة الإيرانية 1979 أوقفت الأبحاث النووية خاصة مع إصدار الخميني فتوى تحرم السلاح النووي. عادت إيران منذ بداية التسعينات لمتابعة برنامجها النووي وبتعاون مع روسيا بشكل أساسي ومع الصين. تصاعدت أزمة ما يسمى البرنامج النووي الإيراني بعد حرب غزو العراق 2003. خلال تلك الفترة قدمت إيران تحت رئاسة محمد خاتمي عرضا سخيا للغرب من خلال الديبلوماسية السويسرية حيث عرف ذلك العرض باسم “الصفقة الكبرى Grand Bargain“. تعهدت إيران في ذلك العرض بالشفافية الكاملة حول ملفها النووي وإيقاف دعمها لحماس وحزب الله مقابل ضمانات أمنية كاملة من الولايات المتحدة الأمريكية وتطبيع كامل للعلاقات معها. لكن إدارة جورج بوش رفضت ذلك العرض بدعوى الشك بصدقيته. في عام 2006 بدأت مفاوضات ما يسمى مجموعة الخمسة زائد واحد، بالتوازي مع تزايد التوتر حول هذا البرنامج إعلاميا وديبلوماسيا ومن خلال الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أخيرا تم الإعلان في 3 نيسان 2015 عن التوصل لاتفاق إطار محكم وشامل كما عرفه أوباما حول البرنامج النووي الإيراني والذي يضمن بشكل كامل عدم امتلاك إيران لتقنية السلاح النووي.  وقد لخص أوباما هذه النقاط بأنها ستتضمن رقابة دولية حرة كاملة لصيقة على تخصيب اليورانيوم وعلى بقايا البلوتونيوم مما يقطع الطريق على أي مسعى لتصنيع سلاح نووي حسبما يؤكد الخبراء والتقنيون النوويون الأمريكيون. وقد لخص أوباما الخيارات الأميركية في ثلاثة خيارات: استمرار الحال كما هو عليه وبالتالي زيادة احتمال أن تمتلك إيران السلاح النووي؛ أو الانتقال إلى توقيع اتفاقية جدية تضمن تجميد البحوث النووية العسكرية الإيرانية برقابة دولية مضمونة عالية الكفاءة، أما الخيار الثالث فهو الدخول في حرب مباشرة مع إيران؛ التي لا يمكن أن توقف البرنامج النووي الإيراني من خلال قصف صاروخي وجوي فقط، بل لا بد من حرب شاملة على الأرض، أو مهاجمة إيران بقنابل نووية.

ضمن المعطيات المعروفة، الأمريكيون ومجموعتهم لم يتغير عرضها بالسنوات الأخيرة جذريا. من قدم التنازلات للوصول للاتفاق كان الطرف الإيراني وبالتالي من ورائه الطرف الروسي. الأمريكيون بالمحصلة فرضوا الاتفاقية التي أرادوها مع فرنسا وألمانيا وبريطانيا. لقد قرر النظام الإيراني رمي كرته الأقوى على الطاولة ليخفف من ضغط الخارج ويستعيد تأييد الداخل.

 

ما هو الاتفاق تقنيا:

يقع الاتفاق في 109 صفحات باللغة الإنجليزية تتضمن خمسة ملحقات. يمكن تلخيص أهم النقاط المتوافق عليها بما يلي:

1-    تخفيض مخزون إيران من اليورانيوم منخفض التخصيب من 10000 إلى 300 كيلوغرام، وسيُحافظ على هذا التخفيض لمدة خمسة عشر سنة. نسبة التخصيب المسموحة هي 3.67% وهي النسبة المطلوبة لتشغيل مفاعلات الطاقة النووية لكن الغير كافية لتصنيع السلاح النووي.

2-    سيتم خفض عدد أجهزة الطرد المركزي المستخدمة لتخصيب اليورانيوم من 19000 إلى 6104 جهاز. وسيستمر هذا الخفض لمدة عشر سنين. ويجب أن تكون هذه الأجهزة من نوع IR-1  وهو نوع قديم نسبيا، وسيتم تشغيلهم فقط في منشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم.

3-    سيتم إيقاف عمليات التخصيب في منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم لمدة خمسة عشر سنة. وسيتم تحويلها لمركز بحث علمي.

4-    لا يسمح لإيران ببناء أي منشأة نووية تعمل بالماء الثقيل، وتمنع من تخزين الماء الثقيل لمدة خمسة عشر سنة. كما سيتم نقل البلوتونيوم خارج إيران بشكل نهائي. وعلى إيران تعديل عدة منشآت بما فيها مجمع أراك القادر على إنتاج البلوتونيوم.

5-    تتولى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ممارسة الرقابة والتفتيش على نشاطات إيران النووية من خلال نظام تفتيش متكامل يملك حق الوصول لكل المنشآت المصرح عنها بما فيها منشأة بارشين العسكرية.

6-    ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي برفع كافة أشكال الحصار الاقتصادي على إيران المتعلق بنشاطاتها النووية بعد أن تصادق الأمم المتحدة على الاتفاق. وبحال انتهاك إيران لأي من نقاط الاتفاق فأن هذه العقوبات ستعود للتطبيق فورا. العقوبات المفروضة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان ودعم الإرهاب ستستمر على إيران.

7-    سيستمر حظر تقنيات الصواريخ الباليستية لمدة ثماني سنوات، وحظر بيع الأسلحة التقليدية لإيران لمدة خمس سنوات.

هذه الشروط تضمن أن إيران بحال قررت التراجع وإنتاج سلاح نووي فإنها ستكون على مسافة سنة كاملة على الأقل مما يضمن للدول ذات العلاقة بالتحرك ضمن الوقت المناسب.

 

الرابحون والخاسرون من الاتفاق النووي:

ربحت إيران ومجموعة التفاوض السداسية من الاتفاق، اقتصاديا وسياسيا وشعبيا. فأمريكيا وكما بدا من الانطباعات الأولى كان الشارع الأمريكي مرتاحا للمسار الديبلوماسي بدلا من المسار العسكري. وفي إيران من الواضح أن الحكومة الإيرانية أعادت بناء جسور فقدتها مع الشارع الإيراني بسبب الأزمات المتلاحقة الاقتصادية منذ 2003 والتي تزايدت مع بداية الربيع العربي. إذا فالاتفاق كان وفق معادلة رابح-رابح win-win كما وصفته مؤخرا فريدريكا موغريني، الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي في ردها على اعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.

الرابح الذي جلس متفرجا هم دول الخليج العربي وإسرائيل، فالاتفاق كان السبيل الوحيد العملي لضمان عدم امتلاك إيران للسلاح النووي. لكنها إعلاميا لا تعترف بهذا الربح ضمن الحرب الإعلامية المستعرة مع النظام الإيراني منذ 15 سنة.

الخاسرون الحقيقيون بالواقع هم شعوب سورية والعراق واليمن، الذين دفعوا ثمن حرب غيرهم على أرضهم؛ فكما أعلن الجانبان الأمريكي والإيراني أن هذا الاتفاق لا يعني زوال الخلافات الأساسية، لذلك فقد تابعا حروبهما بالوكالة على الأرض السورية، وها هما إيران وإسرائيل يتبادلان الرسائل فوق الأراضي السورية.

 

لماذا إذا انسحب ترامب من الاتفاقية؟

لطالما اعتقدت وكثيرون من الناس أن بنية الدولة الأمريكية المؤسساتية تمنع أي رئيس أو إدارة من قلب الاستراتيجيات الأمريكية دون أسباب مباشرة واضحة، لكن وصول ترامب إلى البيت الأبيض الأميركي قلب كل هذه النظريات، إنه المرشح الذي وقف ضده 80% من الإعلام الأمريكي الكبير، وغالبية من كبرى الشركات واللوبيات الاقتصادية الأمريكية، بل حتى إن اللوبي اليهودي لم يكن مرتاحا لترامب، إلا أنه وصل للسلطة.

اعتمد ترامب في حملته الانتخابية وصعوده المفاجئ على حملة إعلامية شعبوية تعتمد وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار نظرية المؤامرة في الشارع الأمريكي، الذي فقد الثقة نسبيا بحكوماته المتعاقبة، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية 2008-2009. فقد أطلق ترامب كثيرا من الوعود التي اعتقد كثيرون أنها غير قابلة للتنفيذ، لأنها ضد المصالح الأمريكية الاستراتيجية. لكنه استطاع بشحطة قلم تخريب جهود أمريكية كبيرة بدأت من تسعينات القرن الماضي لربط العالم باتفاقيات تحرير التجارة، كي تستطيع الولايات المتحدة الأميركية ضمان مركزها الأول في القرن الواحد والعشرين، وبدأ فعلا بالانسحاب من عدد من الاتفاقيات وتغيير سياسة الضرائب الجمركية على بعض المستوردات، وقلب كثير من القوانين الداخلية المتعلقة بالضرائب والضمان الصحي والاجتماعي، كما ألغى العديد من إجراءات حماية البيئة وانسحب من اتفاقية باريس الدولية حول حماية البيئة. إذا فالرجل وإدارته لهم منظور خاص محدود للعبة الصراع الدولي والسوق العالمي وعلاقته بالاقتصاد الأمريكي.

clip_image004

” البركان الذي فجره ترامب حطم الكثير”، اللافتات تشير بالترتيب إلى: اتفاقية التجارة حول المحيط الهادي، اتفاقية باريس لحماية البيئة، اتفاقية تحرير التجارة في أمريكا الشمالية، الاتفاقية الإيرانية النووية. (Photo Steve Sack ).

 

لكن هذه السياسات الترامبية أخفقت بوضوح في تحقيق وعوده للفقراء ومتوسطي الحال الأميركيين، فانخفضت شعبيته إلى أدنى مستوياتها مقارنة بمن سبقه من رؤوساء أمريكيين.  لذلك لاحظنا في الشهور الأخيرة تناقض حركات ترامب وتصريحاته، سواء حول كوريا الشمالية أو حول الانسحاب من سورية. ففي ملف كوريا الشمالية كان للبنتاغون الدور الأكبر في إيقاف جموح ترامب وتهديده كوريا الشمالية بالزر الأحمر الكبير في مكتبه (زر إطلاق الصواريخ النووية)؛ ثم كان تحرك الصين لامتصاص الصدمة وتحويل نتائج الأزمة لمكاسب تضع الخطوة الأولى للسير في إنهاء الأزمة الكورية المستمرة منذ 60 سنة. أما في سورية فقد شهدنا كيف أعلن نيته الانسحاب ثم تراجع، وكيف أطلق التهديدات النارية ضد النظام الأسدي في سورية بعد جريمة الكيماوي في دوما، ثم تبين أن تهديداته مجرد مسرحية إعلامية بالمقاييس النسبية.

إذا إن قرار ترامب الانسحاب من الاتفاقية النووية جاء ضمن سياق محاولة استعادة شعبية ضعيفة، وتجميع لحزبه الجمهوري المتوافق على رفض الاتفاقية، وبنفس الوقت إشعال فتيل أزمة جديدة يمنحه أوراق ضغط سياسية إضافية في وجه روسيا والصين، وبنفس الوقت يتناسب مع حاجة إسرائيلية ملحة لإيصال رسالة حاسمة للنظام الإيراني حول وجوده في سورية.

 

لماذا نجزم أن الانسحاب ليس بسبب خطر نووي حقيقي إيراني؟

كما بينّا سابقا، فإيران تقنيا بعيدة عن تصنيع السلاح النووي، والاتفاق الموقع يضمن هذه المسافة الزمنية. وبعيدا عن تفسيرات نظرية المؤامرة المتحكمة بمزاجنا العربي، فإن الدول التي ستتضرر أكثر هي الدول الأوروبية بحكم الجغرافيا، ليس من باب الخوف من صواريخ إيرانية نووية، لكن من باب أن التصعيد النووي على خاصرتها الرخوة، الشرق الأوسط، يعني بالضرورة كوارث كبرى بالنسبة للدول الأوروبية؛ فالدول الأوروبية هي الأكثر حساسية لضمان سير الاتفاق، ولو تضمن هذه الاتفاق فعلا أي شك بأن إيران ستطور سلاحا نوويا لساندت الدول الأوروبية ترامب في قراره ودون تردد، خاصة وأن علاقتها بروسيا، حليف إيران الاستراتيجي، تزداد تأزما. لكن واقع الحال يقول إن الاتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية منزعجون جدا من قرار ترامب، التي أضافت توترا كبيرا فوق توترات كثيرة سببها ترامب منذ اعتلائه العرش الأمريكي.

 

الملف الكوري الشمالي والملف الإيراني

أجمع الإعلام الأمريكي المؤيد لترامب على أن انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني سيقوّي موقفه أمام كوريا الشمالية، والدليل هو الإفراج عن ثلاثة سجناء أمريكيين من قبل كوريا الشمالية؛ أما لماذا، فحسب رأي المحللين، المتبنين سلفا لكل سياسة ترامب، فهو أن ترامب قد أعطى الكوريين الشماليين مثالا في الحزم والقوة وأنه ليس مستعدا ولا متقبلا للتسويف والمماطلة؛ بالمحصلة هي آراء تقوم على نظرة أمريكية عند بعض الإعلام، تعامل العالم من باب غرور غير موضوعي بالقوة الأمريكية، ولا تعتمد على معطيات ودراسات أمريكية رزينة أو دولية سواء حليفة أو عدوة.

أما أعمدة الصحف والإعلام الأمريكي المتوازن نسبيا، والأوروبي الغربي، فهناك شبه إجماع على أنه، بفرض القبول بصواب القرار مبدئيا، فالمؤكد أن توقيته قبيل اللقاء المزمع بين الزعيمين الأمريكي والكوري الشمالي هو أسوء توقيت يمكن أن يختاره سياسي حتى لو كان ذا خبرة متواضعة.

إذا لقد ضرب هذا القرار المصداقية الأمريكية بعمقها، وابتدع سلوكا سياسيا في العلاقات الدولية غير مسبوق، أن تنسحب دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، قائمة على أساس ديمقراطي، من اتفاقيات دولية ضخمة لأن الرئيس الجديد غير موافق، سيؤدي لفوضى دولية عارمة. والأهم أن الزعيم الكوري الشمالي سيعيد حساباته أكثر ويقرر المماطلة أكثر، فما ضمان أن يعقد اتفاقا مع ترامب، وبعد شهور أو سنة تقرر الإدارة الأميركية الانسحاب؟ فلا يوجد ضمانات اقوى من اتفاقية وقعتها الولايات المتحدة وأقوى خمسة دول في العالم مع إيران، لكن ترامب مع ذلك استهتر بالاتفاق وانسحب دون وجود أي دليل حقيقي يثبت خرق إيران للاتفاق، ودون حتى أن يحاول التنسيق أو التشاور مع مجموعة الخمسة زائد واحد.

مثلا في مقال تحليلي لموتوكو ريتش رئيسة مكتب النيويورك تايمز في طوكيو، نُشر يوم الخميس 09/05، تجمع الكاتبة عددا كبيرا من آراء محللين وأساتذة جامعات في اليابان والصين وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، تجمع كلها على أن قرار ترامب سيسبب صعوبة كبيرة أمام تحقيق أي تقدم حقيقي مع كوريا الشمالية، بل سيمنح الزعيم الكوري الشمالي أوراقا مهمة في التشكيك بأي ضمانات يقدمها ترامب؛ وسيكون حجر القبان في هذه المفاوضات هو قرار الصين في المضي قدما بتحقيق الاتفاق مع كوريا الشمالية، لكن الصين نفسها مستاءة جدا من قرار ترامب، حيث تشكل إيران بالنسبة للصين حليفا استراتيجيا مهما جدا في وسط آسيا، وهي المنطقة القلقة أساسا والمليئة بالزلازل السياسية، والتي تشكل مصدر قلق مستمر للاستراتيجية الصينية.

تصاعد التوتر الإيراني الإسرائيلي

الحقيقة المؤلمة ليس فقط للسوريين بل لكل إنسان، هي أن سورية باتت منذ سنوات ساحة مستباحة لجميع الدول، وفي حال حدث أي توتر بين دولتين أو حلفين، فالمكان المسموح لإبلاغ الرسائل هو فوق الأرض السورية وعلى حساب الدم السوري. واقع حققه النظام الأسدي ضمن عملية هروبه للأمام، وبدعم حليفيه النظامين الروسي والإيراني، وبتوافق أو قبول من قبل حكومات المنطقة والحكومات الغربية. الهجمات الصاروخية الإسرائيلية على الأراضي السورية، والرد بهجوم صاروخي على الجولان، لا يخرج عن نطاق الرسائل المتبادلة بين حكومة الكيان الصهيوني وبين النظام الإيراني، وقد كان إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاقية النووية الإيرانية ضوءا أخضرا لحكومة نتنياهو، كي ترسل أقسى رسائلها بأكبر هجوم جوي على سورية منذ عقود، مقابل هجوم صاروخي “خجول” على الجولان السوري المحتل.

من المرجح أنه لن يكون هناك حربا فعلية بين إيران وإسرائيل، لأن أي حرب حقيقية تحتاج لتنسيق دولي يتجاوز نتنياهو وترامب، وهو غير متوفر في أوروبا ومرفوض من قبل الروس والصينيين؛ لقد راهن ترامب ونتنياهو على أن ينتقل النظام الإيراني من مرحلة التنديد اللفظي وحرق الأعلام في البرلمان الإيراني إلى أفعال عسكرية كبيرة، تجبر الحلفاء الغربيين على دعم الموقف الأمريكي الإسرائيلي، لكن كما يبدو فحتى الهجوم الصاروخي على الجولان تنصلت منه إيران ونسبته للنظام السوري. لكن هذا لا يعني أن الرسائل بين الطرفين، والتي تتجسد بالصواريخ والقنابل فوق سورية ستتوقف ضمن الأمد القريب.

المعادلة الواضحة الآن أمام النظام الإيراني: إسرائيل لن تسمح بحرية الحركة للمليشيا الإيرانية في سورية بما يهدد أمنها، وانسحاب ترامب أتاح لإسرائيل حرية الحركة في سوريا. فإن صعّدت إيران موقفها من خلال هذه المليشيات بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، فإن هذا سيؤدي إلى انزياح الموقف الأوروبي باتجاه موقف ترامب وبالتالي تخسر إيران كل شيء كسبته من الاتفاق النووي، بل وتضع علاقتها مع روسيا والصين في موقف خطير جدا؛ أو تتعامل بضبط الأعصاب وعدم التجاوب والمحافظة على حد مقبول من التوتر وتسحب ميليشياتها بالتدريج بعيدا عن الجولان المحتل.

 

ماذا تعني الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؟

كما ذكرنا سابقا فإن ما أوقف ترامب في أزمة كوريا الشمالية في أواخر العام 2017 كانت حسابات عسكرية تقنية واضحة، قدمها البنتاغون تقول بوضوح: لا يمكنك تدمير المنشآت النووية والصاروخية الكورية الشمالية من الجو بالأسلحة التقليدية، وهناك احتمالان: هجوم نووي مباشر وشامل مما يعني بالضرورة أضرارا بشرية هائلة وصدام مباشر مع الصين وضرب للحليفين اليابان وكوريا الجنوبية، أو هجوم عسكري تقليدي لن يستطيع تحقيق الاختراق المطلوب دون وقوع ضحايا بمئات الألاف وربما الملايين في الكوريتين واليابان وربما في أراضٍ أمريكية في المحيط الهادي.

نفس المعادلة تصح على حرب مباشرة مع إيران، وربما أصعب لأن إيران أكبر حجما بكثير من كوريا الشمالية، وبالتالي تتمتع بميزات المناورة العسكرية، أضف لذلك أن منطقة الخليج العربي بما فيها من حلفاء ومن مصادر نفط وغاز ستثير العالم كله ضد أي حرب لا تملك أدلة دامغة واضحة على نقض الاتفاق النووي من قبل إيران.

من ناحية ثانية إذا بلغت كلفة حرب العراق حوالي 3 تريليون دولار، وحرب العراق لم تعارضها أي دولة كبرى بشكل حقيقي، بل حازت خلالها الإدارة الأمريكية على دعم عدد من الحلفاء المهمين؛ وبالمقارنة النسبية بين عراق 2003 الذي لم يكن له أي حليف استراتيجي مهم، وبين إيران 2018 التي تملك حلفا استراتيجيا مع روسيا والصين، فإن تكلفة هذه الحرب ستتجاوز هذا الرقم بكثير. فرغم أن الموازين العسكرية تقول إن إسرائيل أقوى من إيران عسكريا، وأن الولايات المتحدة أقوى من كل بقية العالم عسكريا، إلا أن الحروب في القرن 21 لا تقوم فقط لأن طرفا أقوى عسكريا من الطرف الآخر؛ رغم ذلك فكل الاحتمالات مفتوحة مع إدارة أمريكية كإدارة ترامب، ومع منطقة مختنقة بأدخنة الحرائق المشتعلة والتي ستشتعل.

يتخيل البعض أن السعودية قادرة على دفع ثمن هذه الحرب، انطلاقا من قراءة خيالية للواقع الدولي؛ يوم أعلنت السعودية عن نيتها بيع جزء من أرامكو وهي الشركة المالكة والمديرة لكل النفط السعودي، فإن أقصى التقديرات لسعر الشركة في السوق العالمي وصل إلى 2 تريليون دولار، أي أن السعودية حتى لو باعت كل ما تملك لا تستطيع احتمال تكاليف حروب بهذا الحجم؛ فهذه حروب لا تطيقها سوى الدول الكبرى في العالم.

clip_image006

 

ما تأثير كل ذلك على سورية؟

تختلط المشاعر هنا كثيرا في قراءة الانعكاسات على سورية، فما مارسه النظام الإيراني من خلال دعمه للنظام الأسدي، وبشكل مباشر من خلال المليشيات الملتحفة بالراية الإسلامية الشيعية في سورية خلال 8 سنوات، مع النظام الروسي من قتل وتشريد لأكثر من عشرة ملايين سوري، وتهديم لأكثر من نصف البلد، جعل البعض يتعلق بوهم أن لعبة عض الأصابع بين النظام الإيراني والروسي من جهة وبين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية سيؤدي ربما في ضربة واحدة لانتهاء هذه المأساة السورية.

لكن الواقع الجيوسياسي وميزان القوى الدولية والإقليمية و8 سنين من تلاعب هذه الحكومات وحكومات المنطقة بالمصير السوري يؤكد أن لا ترامب يريد إخراج إيران من سورية بشكل كامل، لأن ثمن ذلك بالنسبة لأمريكا أغلى من المكاسب العائدة منه، فإخراج إيران يعني تقريبا إنهاء الأزمة السورية، وهذا يستدعي حكما تسخير كل القوة السياسية والاقتصادية وربما العسكرية الأمريكية، وعلى ميزان الربح والخسارة، فلا مغريات حقيقية لترامب لتحمل هذه المجازفة. ولا النظام الإيراني يريد التورط بمواجهة مباشرة مع الأمريكيين والإسرائيليين، وإن الثمن المؤلم سيدفعه السوريون فقط.

لكن هل سيتم استغلال الأزمة السورية في لعبة الحرب والعداء بين ترامب وملالي إيران؟ بالتأكيد سيحصل، ولكن ليس لإيجاد مخرج للمأساة السورية، بل للكسب السياسي فيما بينهما.

 

 

11/05/2018

مرصد مينا

 

للمزيد يمكن مراجعة:

 

1.      مقال للكاتب بعنوان “ ترامب يهدم الفوضى الخلّاقة

 

2.      مقال النيويورك تايمز بعنوان “قرار ترامب حول إيران يرسل إشارة إلى كوريا الشمالية، فهل كانت صحيحة؟

 

3.      مقال في الواشنطن بوست – “هل سيهاجم ترامب كوريا الشمالية؟

 

4.      مقال في الفورين بوليسي – “ترامب يخادع حول الهجوم على كوريا الشمالية في 2018

 

5.      مقال الواشنطن بوست – “البنتاغون يقول: ضمان تأمين المواقع النووية الكورية الشمالية يقتضي هجوما بريا

 

 

 

 

 

 

 

قد يهمك