الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

المسلمون في أوروبا ما بين الصدام والاندماج

 

قضية صيام الطلاب المسلمين في ألمانيا نموذجا

24/05/2018

 

علاء الدين الخطيب

1         مقدمة

لم ينقطع النقاش والمجادلة وأحيانا التربص حول مشاكل علاقة اللاجئين عموما والمسلمين خصوصا، لاجئين أو مقيمين، بالمجتمع الأوروبي الغربي؛ تفاعل سيطر إلى حدّ ما على المشهد السياسي والإعلامي والشعبي لدى الطرفين، سواء البلد المضيف بمؤسساته وشارعه وسواء اللاجئون والمسلمون. ولعل من أكثر المواضيع سخونة هو سؤال قدرة المسلمين أو الإسلام على التفاعل الإيجابي مع الدول والمجتمع الغربي؛ ولنا أن نجزم أن سخونة الموضوع التهبت مع وصول ما يقارب أربعة ملايين لاجئ إلى أوروبا الغربية خلال بضعة سنين الماضية، بالتوازي مع صعود اليمين المتطرف الغربي إلى الواجهة السياسية بشكل سريع.

ضمن هذه التفاعلات استحوذت مؤخرا قضية صيام طلاب المدارس في ألمانيا، وكذلك في دول أوروبية أخرى، اهتماما إعلاميا ألمانيا واسعا، فهي ليست مجرد خبر إعلامي مثير، أو سؤال بسيط يمكن تجاوزه ضمن هذا الخضم من الصراعات الإعلامية والسياسية. فقد عبرت نقابة المعلمين عن شكواها حول التعامل مع الطلاب الصائمين خلال شهر رمضان، بسبب ضغط الأهالي ومطالبتهم بتخفيف المواد الدراسية والنشاطات الميدانية لأن أولادهم صائمون (المرجع 1)، مما فتح نقاشا واسعا تدخل فيه السياسيون والإعلام بشكل كبير.

تناقش هذه الورقة قضية صيام طلاب المدارس في ألمانيا كنموذج لأزمة الصدمة الثقافية فيما بين المسلمين والأوروبيين في أوروبا الغربية، وذلك من خلال محورين أساسيين: الأول هو من الناحية الأوروبية الغربية، لماذا هذه الضجة؟ وهل هناك دوافع خفية تتصل بمواقف عنصرية أو محاولات استغلال للاجئين والمسلمين؛ والثاني هو من الناحية الإسلامية حول من يملك حق تقرير ما هو واجب قطعي “فرض”، وكيف يمكن التعامل مع هذه الإشكاليات مثل قضية صيام طلاب المدارس عموما وفي ألمانيا خصوصا كونها النموذج المعتمد ضمن هذه الورقة.

2         لماذا قضية صيام طلاب المدارس في ألمانيا؟

الصدمة الثقافية ما بين المسلمين والأوروبيين، قضية واسعة الأبعاد والأسباب والنتائج، لذلك ستكتفي هذه الورقة بفتح باب النقاش قليلا من خلال قضية صيام الطلاب كنموذج نظرا لأهميتها عند الطرفين، مع التأكيد هنا على نسبية التصنيف، فلا الأوروبيين ولا المسلمين يمكن تمثيلهم بكتلة بشرية محددة واضحة، لأن كلا الفريقين يحملان ضمنهما تنوعات واختلافات كثيرة.   

تأتي أهمية هذه القضية من الناحية الإسلامية لأنها تتعلق بفرض أساسي وركن من أركان الإسلام وهو صيام رمضان، الذي لا خلاف ولا جدل حول وجوبه من حيث المبدأ على المسلمين كأفراد؛ وتأتي أهميته من الناحية الأوروبية، وهنا الألمانية، كونه يتعلق بأهم المؤسسات والنظم المكونة للمجتمع والدولة وهو مؤسسة التعليم؛ ويشترك الطرفان في كون الموضوع يتعلق بأهم وأغلى ما في المجتمع البشري وهم الأطفال.

3         تعريف بقضية صيام طلاب المدارس المثارة حاليا في ألمانيا

نقلت صحيفة فيلت Welt” عن رئيس نقابة المعلمين هاينز بيتر مايدنغر Heinz-Peter Meidinger قوله إن موضوع صيام الطلاب المسلمين يشكل ضغطا على المدارس والمدرسين في ألمانيا، خاصة لأن بعض الأهالي يطالبون بواجبات ونشاطات أقل للطلاب، حيث أن الصيام لمدة تزيد عن الثمانية عشر ساعة يضعف قدرة الطلاب الصائمين على التفاعل المتوقع منهم في المدرسة (المرجع 2). كما أن وزيرة العائلة الألمانية فرانسيسكا كيفي Franziska Giffey (من الحزب الاشتراكي) أكدت أن الحكومة ونظام التعليم الألماني لا يمكنه الاستجابة لهذه المطالب، فالمبدأ الأساسي للتعامل مع الأطفال هو “المدرسة والصحة أولا”، وقالت الوزيرة لصحيفة شبيغل “يجب على الأطفال أن يأكلوا ويشربوا لكي يستطيعوا متابعة الدروس والنشاطات”. وأضافت الوزيرة ” لا يجوز أن يحدّ الصيام من قدرة التلاميذ على ممارسة نشاطهم الطبيعي في المدرسة، فلا يمكن القبول بأي تمييز بين الأطفال لأن هذا يصوم وذاك لا يصوم”، وذكرت الصحيفة أن الوزيرة وأثناء عملها كرئيسة بلدية مقاطعة نويكولن في برلين في عام 2016، تمكنت من التوافق مع بعض أئمة المساجد، وليس كلهم، على إصدار دليل عمل لأساتذة المدارس للمساهمة الفاعلة في عملية الاندماج، وسمّي هذا الدليل “توصيات نويكولن”، تقول أحد هذه التوصيات ما يلي: “لا يوجد إجبار في الدين. إن جوهر الإسلام لا يخاطر بصحة الأطفال والمراهقين” (المرجع 3).

وزيرة العائلة الألمانية فرانسيسكا كيفي


لا يوجد ما يمكن تسميته موقف رسمي معلن من قبل المؤسسات الإسلامية في ألمانيا حول هذا الموضوع، والكلام العلني حوله بقي غائما غير واضح المعالم، لا في خطابه للمسلمين ولا للجهات الألمانية.

لا بد من الإشارة أيضا إلى أن هذا الموضوع أيضا تمت إثارته في النمسا، ضمن نفس السياق في ألمانيا، حيث يشتكي المدرسون من صعوبة التعامل مع الطلاب الصائمين في رمضان، وهم لا يملكون الأدوات والخبرة المناسبة للتعامل مع هذه القضايا (المرجع 4).

4         وجهة النظر الألمانية الرسمية

كما ذكرنا سابقا فإن وزيرة العائلة ورئيس نقابة المعلمين في ألمانيا عبرا عن أولية “الصحة والمدرسة” فيما يتعلق بالأطفال والمراهقين؛ وهذا الموقف يأتي ضمن سياق قيمي مؤسس للمجتمع والدولة الألمانية ودول أوروبا الغربية عموما. فألمانيا ودول أوروبا الغربية تقوم على أسس ثابتة لا تقبل النقاش بهدف التراجع، وهي قيم حقوق الإنسان، والمساواة والكرامة الإنسانية، والحرية والديمقراطية والعلمانية. ولعل أقوى هذه الأسس القيمية والقانونية في هذه الدول هي قوانين وقيم وتنظيمات حماية حقوق الطفل، بل إن منظمات حقوق الطفل في بعض البلدان مثل السويد والدانمارك تتجاوز سلطتها وصلاحياتها الحكومة والبرلمانات.

تأتي فترة الصيام اليومي في رمضان خلال هذه السنوات طويلة جدا في أوروبا، حيث تصل عدد ساعات الصيام لأكثر من ثمانية عشر ساعة يوميا، ولا يمكن بأي شكل إقناع الجهات الألمانية الرسمية أو الشعبية أن طفلا بعمر العاشرة أو حتى الخامسة عشر يستطيع ممارسة حياته المدرسية، وحقه باللعب مع زملائه وهو لا يأكل ولا يشرب لمدة ثمانية عشر ساعة. بالواقع حتى نحن القادمين من دول إسلامية ندرك جيدا أن الصيام لهذه المدة هو عمل مرهق جدا للكبار وبحاجة لإرادة كبيرة، لا يمكن أن تتوفر لدى الطفل أو المراهق دون ضغط عائلي واجتماعي.

هذا الموقف الألماني والأوروبي عموما قد يطرح سؤال: وماذا عن احترام القوانين الغربية للتعددية الثقافية وهل سياسة الاندماج المعلنة تعني إجبار الطلاب المسلمين على الإفطار؟

حسب تعريف مجلس الاتحاد الأوروبي في عام 2004 للأسس العامة لسياسات الاندماج، التي أعيد إقرارها في عام 2014 يوجد بند يقول: “ ممارسة الحقوق الدينية والثقافية مصانة ومحمية وفق ميثاق الحقوق الأساسية، ما لم تتعارض مع قيم الاتحاد الأوروبي وقوانين البلد المضيف” (المرجع 5). فإن تعارض ما يراه الأوربيون مصلحة عليا للأطفال والمراهقين مع ممارسة دينية ما، فإن الأولية تكون لمصلحة الأطفال والمراهقين، خاصة وأنها مدعومة بالتأكيد الطبي والعلمي حول عدم قدرة من لم يكتمل نموه الجسدي والنفسي على تحمل الانقطاع عن الشرب والأكل لمدة طويلة. من المهم التوضيح هنا أن هذا المبدأ عمليا لا يخص الإسلام فقط، بل حتى المسيحية واليهودية؛ فمثلا يوم يحصل خلاف عائلي بين زوجين تزوجا كنسيا، فإن المحاكم تأخذ بالقوانين المدنية للزواج ولا تخضع لقوانين الزواج المسيحي أو اليهودي.

5         وجهة نظر اللاجئين والمسلمين

لا يوجد موقف يمكن تسميته موقفا رسميا من قبل مؤسسات إسلامية في أوروبا حول هذا الموضوع بالذات، وإن كانت هناك اجتهادات فردية من قبل شيوخ مسلمين داخل وخارج أوروبا، تتصل بموضوع الصيام بحد ذاته في أوروبا، بسبب طول ساعات اليوم التي قد تصل إلى أكثر من 20 ساعة في شمال أوروبا. بكل الأحوال فلا نتوقع أن يكون هناك موقف جامع واضح بين شيوخ المسلمين كما هي العادة في كل الخلافات الفقهية والشرعية.

كما لا تتوفر أدوات لسبر الآراء ومعرفة موقف المسلمين في أوروبا، الذين ستتباين مواقفهم وأراءهم كأي مجموعة إنسانية. لذلك سأتناول الموضوع من وجهة نظر تحليلية سواء من ناحية إسلامية أو من ناحية موضوعية. وبما أني لا أدعي أني فقيه أو عالم أو شيخ إسلامي، لكني إنسان من بلد غالبيته مسلمون ويعيش حاليا في أوروبا، ودارس مهتم بالموضوع الإسلامي وإشكاليات الدين والمعاصرة، وكذلك دارس وباحث في موضوع اللاجئين ومشاكله في أوروبا، فلا بد بالبداية من نقد فكرة عامة منتشرة حول الحق الحصري للشيوخ بالكلام في الإسلام وهمومه وأشجانه، قبل نقاش موقف الإسلام من هذه المسألة وفق جوهر الدين والموقف العقلاني من أي قضية خلافية.

مدرسة في فرانكفورت

6         هل الكلام في موضوع الصيام حصر بشيوخ الإسلام؟

يحمل نقاش هذا الموضوع حساسية كبيرة، بسبب ما عودونا عليه خلال عقود طويلة من الريبة والشك بكل نقد حتى لو كان بناء. فمن المهم أن يكون واضحا للقارئ أن نقد بعض أو حتى كثير من عادات أو أفكار المسلمين لا يعني أبدا التهجم على المسلمين أو الإساءة لهم أو الإسلام؛ بالعكس تماما إن منهجية النقد الذاتي هي الوسيلة الأصح لحلّ المشاكل على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي.

تسود فكرة عامة رسخها شيوخ الإسلام وخاصة في العقود الأخيرة عبر الفضائيات والإنترنت، وهي أنه لا حق لأحد الكلام بأحكام الإسلام أو الإسلام سوى الشيوخ والعلماء والفقهاء، من باب القياس على أن للطبيب فقط حق الكلام في الطب، وللمهندس فقط حق الكلام في الهندسة، وبالتالي فلعالم الدين فقط حق الكلام بالدين. لكن هذه الفكرة تقوم على أساس باطل، وهي تحتاج لنقاش أطول، لكن يمكننا الإيجاز هنا كما يلي:

الطب والهندسة والميكانيك والبناء والقضاء وغير ذلك هي بالنهاية “صنعة” تنتج منتوجا ماديا أو معنويا مقابل أجر، يفيد المجتمع في عملية الاستمرار والبناء المادي والتنظيم الاجتماعي والحقوقي والقانوني؛ وكلها تحتاج تعلما وعلما ذو مستويات مختلفة من التعقيد، فالطب والهندسة والفيزياء والقانون مثلا يحتاجون لسنين طويلة من التعلم والعمل الحثيث لامتلاك ناصية هذه العلوم، وقد تحتاج مهنة إصلاح السيارات إلى سنة أو سنتين من التعلم والممارسة، فهم بالمحصلة مهن وتخصصات يحتاجها المجتمع والدولة، ويتقاضى من يمارسها أجرا مقابل جهده في التعلم والممارسة.

أولا، إن الدين على محمل التخصيص، أي أن نخص دينا كالإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو البوذية، ليس حاجة اجتماعية لبناء المجتمع والدولة. والدليل الواضح أن لا دينا معينا يستطيع الادعاء أنه كان سبب أو خلف نشوء مئات الدول والحضارات التي شهدها تاريخ الإنسانية. فالصين بنت حضاراتها المتعاقبة دون أيٍ من الأديان الابراهيمية الثلاث، وحوض المتوسط شهد حضارات ودولا كثيرة قبل انتشار المسيحية أو الإسلام، فالدولة أو المجتمع ليسوا بحاجة رجال أو شيوخ أو علماء دين معين.

ثانيا، الدين هو أساسا حق لكل الناس، وحسب تعريفه عموما أنه رسالة الإله للتواصل مع الناس، كل الناس وليس مع فئة منهم. والإسلام بالذات يقوم على حقيقة إسلامية ثابتة لا ينكرها أي مسلم أو رجل دين، وهي أن الله أرسل رسوله للناس أجمعين بغض النظر عن لونهم أو جنسهم أو أصلهم، وكذلك بغض النظر عن ذكائهم وعلمهم وشهاداتهم. وهذه حقيقة تستلزمها عقيدة الإيمان بالقدرة والعدل المطلقين لله في الإسلام، فالله يستطيع إيصال رسالته إلى الإنسان البسيط الأمي الذي لم يقرأ كتابا وإلى العالم المتبحر في العلوم، فهذا من نتائج القدرة والعدل المطلق بين الناس.

ثالثا، الأديان عموما والإسلام خصوصا رفض مبدأ التكسب بالدين، بمعنى أن يتحول الدين إلى صنعة مثل صنعة الطب والهندسة والقضاء والبناء وغير ذلك، لإن هذا يعني بوضوح هدم للدين ورهنه بما يراه أصحاب الصنعة، فصاحب الصنعة يعمل على تطويرها وأحيانا كثيرة قلب أساسيات صنعته مع الزمن، فلا يمكن مثلا أن نجد طبيبا يقبل العمل بما كان يفعله أطباء القرن التاسع عشر، ويستحيل أن يستدعي أساليب الأطباء قبل ألف سنة، لأن صنعة الطب تعرضت لتغيرات جوهرية في أساسياتها النظرية والعملية. أما الدين فلا يمكن أن يتقبل هذه الحرية لصاحب “صنعة الدين”، لأن الدين يريد أن يحافظ على أساسيات العقيدة والإيمان، حتى لو سمح للناس بتطوير فهمهم للدين، وتعديل بعض أحكامه خارج محكم العقيدة الإيمانية.

إذا فالقياس السابق المستخدم من قبل محتكري الخطاب الديني الإسلامي، هو قياس فاسد وباطل حتى لو كرروه آلاف المرات. فالحديث في الإسلام حق لكل الناس مسلمين وغير مسلمين، مثلما هو الحديث في أي دين. والحديث لا يعني بالضرورة كما نوهنا سابقا فوضى الإساءة أو التهجم الأعمى.

clip_image008

الداعية الألماني بيير فوغل المعروف بأبي حمزة

بقي أن نلفت النظر سريعا إلى أن النص الذي يكرره عديد من الشيوخ مقتطعا من سياقه “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، فيدلسون على الناس ويدعون أن القصد هو شيوخ وفقهاء الإسلام، رغم أن سياق الآية الكريمة وتفاسير كل الأوائل تجمع على أن أهل الذكر هم أهل الكتب السابقة من مسيحيين ويهود، “ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)” (سورة النحل).

7         صيام الأطفال إسلاميا

لا نريد الدخول في المتاهات الفقهية التي أورثها شيوخ الإسلام عبر العصور، لكن نبقى ضمن الواضح إسلاميا وعقلا. فمن أسس الفروض في الإسلام مبدأ “الفرض يجب من استطاع”، بمعنى توفر القدرة على إتيان الفرض، وهذا الأساس يتفق مع جوهر الإسلام القائم على التيسير وليس التعسير، ومخاطبة الناس كبشر لهم قدرات محدودة. مثلا للمريض أو العاجز دائما عذر يعفيه من إتيان الفرض كالأخرين، فليس مطلوبا منه إن لم يستطع أن يصلي مثل الأصحاء فيسجد ويركع في الصلاة، بل قد يكتفي التعليم الإسلامي هنا بصلاة قلبه وشفاهه؛ وكذلك الصيام والحج وغير ذلك من فروض أو مستحبات أو مندوبات. وهذا مبدأ لا يختلف عليه المسلمون بكل مذاهبهم وطوائفهم. بل إن عذر الاستطاعة وصل حدّ السماح لعمار بن ياسر “أن ينال من الرسول ويذكر آلهة بني مخزوم بالخير” تجنبا لتعذيبهم إياه خلال بداية الدعوة الإسلامية في مكة (المرجع 6).

ضمن المتداول والمتوارث إسلاميا يميل غالبية من شيوخ الإسلام وفقهائه بكل مذاهبهم، لادعاء أن تحديد العمر الذي يجب فيه الصيام يُقاس على الصلاة، التي تجب حسب غالبية الفقهاء على الصبي والبنت بعمر العاشرة أو أكثر قليلا، استنادا لحديث الضرب على الصلاة “ مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ”؛ رغم وضوح تناقض متن هذا الحديث مع جوهر الإسلام في التسامح وأسلوب التبليغ، فلنفترض صحته؛ فهل يصح انحياز كثير من الشيوخ لقياس الصيام على الصلاة في تحديد عمر وجوب الصيام، حتى لو أن بعضهم أضاف ضرورة التحقق من قدرة الطفل على الصيام؟

من الواضح أن الصيام ليس كالصلاة، الصيام يتطلب جهدا بدنيا ونفسيا وإرادة أكثر بكثير من الصلاة، الصيام هو عمل يتحدى الحاجة الإنسانية الأساسية للشراب والطعام، وليس كالصلاة التي لا تعارض حاجة إنسانية أساسية، فقياس الصيام على الصلاة لتحديد سنّ الوجوب واضح البطلان عقلا.

من ناحية ثانية، مفهوم الطفولة والبلوغ بمعنى المسؤولية مفهوم متغيّر مع الزمن والمكان، فقبل قرنين من الزمن كانت معظم شعوب الأرض تقبل زواج من هم بعمر الثالثة عشر للصبي والبنت، وكانت لا تشكك بضرورة أن يبدأ الصبي العمل من سن العاشرة أو أكثر قليلا ليساعد العائلة في العيش والاستمرار، أو يؤسس عائلته الخاصة؛ لكن هذه المفاهيم تغيرت بسرعة منذ القرن العشرين، بسبب تغير الظروف وسنين التعليم والمستوى المادي والظروف الحاكمة للمجتمعات البشرية، فاتفقت غالبية الشعوب حاليا على استهجان زواج من هم دون الثامنة عشر، وتجريم ذلك أحيانا؛ واتفقت أيضا على منع عمل الأطفال دون سن الثامنة عشر أيضا، إن لم يكن ضمن منهج التدريب والتعليم المهني المدروس. هذه المفاهيم المتغيرة أصبحت أساسية في المجتمعات الإسلامية أيضا.

سن الثامنة عشر ليس مجرد رقم عشوائي، بل هو مرتبط بالحقيقة العلمية وهي: إن جسم الإنسان يتوقف عن النمو وسطيا في عمر الثامنة عشر، ومن الناحية التنظيمية للحياة العصرية، فالإنسان يكون حتى هذا العمر قد اكتسب ما يكفي من علوم مدرسية وخبرات نفسية وفكرية، تؤهله لمواجهة مسؤوليات الحياة المعقدة في العصر الحديث، ولتحديد خياراته في الحياة، أي دراسة يريد أن يتابعها، أو أي عمل يريد أن يمارسه، ومع من ومتى يريد تأسيس عائلته، وأي دين أو مذهب أو حزب سياسي يريد أن يتبع، هل يريد أو يطيق الصيام أم لا. لذلك اتفق مشرعو القانون في كل الدول على أن من هم دون عمر الثامنة عشر ليسوا شخصيات مؤهلة قانونيا لتحمل المسؤولية والشهادة القانونية مثل البالغين.

بما أن الإسلام بجوهره هو دين حرية واختيار وليس إجبار ولا توريث، فمن واجب الآباء والأمهات المسلمين أن يعيدوا التفكير في تعليم حرية الاختيار لأولادهم، وتوجيههم لاكتساب الشخصيات المستقلة. والأهم مراعاة أن تغيّر الزمن والحاجات الدراسية العصرية وطبيعة المجتمعات تحتم النظر أيضا في قدرة أولادهم على تحمل الصيام، ولا يصح لهم قياس أولادهم على ما عايشوه هم وقتما كانوا بعمرهم. فمع كل ما يُقال عن فوائد الصيام الصحية، والتي هي صحيحة بجزء منها، لا يمكن لطبيب أن يدعي ان طفلا بعمر الثالثة عشر وجسمه في مرحلة النمو، ومطلوب منه التركيز والدراسة، والاستجابة لحاجته كطفل باللعب والحركة سيستفيد من الصيام صحيا، أو أن جسمه يطيقه، بل قد لا يستطيع ذلك من هم بعمر العشرين. وقد سمعنا عن عائلات مسلمة كثيرة تعاملت مع أولادها من مبدأ التيسير والوسطية، فتوصلوا إلى اتفاقية أن يصوم أولادهم حتى الظهر، أو بعد الظهر حسب الظروف بناء على قدرة احتمالهم، وفي هذا انسجام أصح مع مقاصد الدين الإسلامي مما يقدمه كثير من الشيوخ والمفتين.

إن الأخذ بمبدأ التيسير في الإسلام، هو ضرورة لمصلحة الأطفال في العائلات المسلمة أولا وقبل كل شيء أخر، وبنفس الوقت هو حق للدولة المضيفة أن تتدخل به وفق قوانينها وقيمها الحاكمة. وبالواقع إن ذلك يدل على ثقة الأب والأم المسلمين بنفسيهما ودينهما، فهم ليسا مضطرين للاعتماد على حب أطفالهما لهما، ورغبة الطفل الفطرية في تقليد والديه بكل تصرفاتهما، لكي يثبتا لأولادهما أن الإسلام دين جميل ودين حق، بل إن التماشي مع جو وقوانين حرية العقيدة المسيطرة في الغرب يعطي عملية انتقال الدين من الآباء للأبناء قوة وعقلانية أكثر بكثير من عملية التدريب والتعويد التي ألفناها في مجتمعاتنا.

إذا إن التجاوب مع مطالبة الجهات الألمانية والأوروبية عموما، التخفيف عن الأبناء والبنات الواجبات الدينية المفروضة على الكبار، هو فعل مصلحة للأطفال وللمسلمين وللدول المضيفة. وضمن سياق سؤال الصيام هنا، فإن الموقف العاطفي أو المرتاب بكل ما يأت من الآخرين، لا يفيد الأطفال في هذه المجتمعات، بل سيسيئ لتكوينهم النفسي وربما الجسدي؛ فهذا التجاوب لا يمسّ أساسا عقديا إسلاميا إذا بقينا ضمن جوهر الإسلام وليس ضمن ما يريد فرضه بعض المشايخ والفقهاء على الناس.

8         درء الشبهات عما سلف من كلام

لا يمكننا تجاهل أن هذا الطرح سيُواجه بما اعتدنا سماعه طوال عقود، في مواجهة أي نقد لمفاهيم ولعادات متوارثة، من باب افتراض سوء النية أو العداء في الطرح. لذلك لا بد من تبيان بعض الحقائق المتصلة بهذا الموضوع، كي نستطيع امتلاك نظرة عامة متكاملة قدر الإمكان.

أولا، استقبلت ألمانيا ما بين 2010 و2017 أكثر من مليون وسبعمائة ألف لاجئ، أي أكثر من ثلث اللاجئين الذين وصلوا أوروبا، من بينهم حوالي مليون وثلاثمئة آلف لاجئ من بلاد إسلامية، ومن بينهم أكثر من نصف مليون سوري. وصلت في عام 2016 كلفة اللاجئين على الحكومة الألمانية إلى 20 مليار يورو، عدا التبرعات الشعبية الآتية من المنظمات اللاحكومية. من ناحية ثانية تصل نسبة الأمية وسطيا بين اللاجئين الجدد إلى 10% بين الذكور، وإلى 17% بين الإناث، أما حملة الشهادات أعلى من الثانوية فهي أقل من 17% (المرجع 7).  كما أن ألمانيا تضم حوالي 5 ملايين مسلم، أي حوالي 6% من مجمل السكان، من بينهم حوالي مليونين يحملون الجنسية الألمانية (المرجع 8). من ناحية ثانية ألمانيا دولة جاذبة للهجرة الخارجية، لكنها لم تضع للآن قانون هجرة مثل كندا أو السويد مثلا، فلو أرادت مهاجرين للعمل يمكنها بسهولة تحقيق ذلك، دون تحمل هذا العبء الكبير لرعاية هذا العدد الكبير من اللاجئين، وبالتالي فإن تعامل الحكومة مع قضية صيام طلاب المدارس ينطلق حكما من رؤية قيمية حقوقية للأطفال والمراهقين، وليس من أي باب آخر قد يشتبه به البعض.

ثانيا، إن المسؤولين المذكورين هنا ضمن سياق النقاش، كممثلين للحكومة الألمانية لا يملكان أي سجل عنصري في التعامل الإنساني مع اللاجئين والمسلمين. فوزيرة العائلة الألمانية كيفي هي من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أي الحزب المؤيد والمدافع عن اللاجئين، والذي كانت أهم شروطه للتحالف مع حزب المستشارة النمساوية هو حماية اللاجئين من طروحات اليمين المتطرف. كما أن الوزيرة نفسها، عندما كانت رئيسة بلدية مقاطعة نويكولن في برلين تحدت الكثير من التحذيرات الرسمية والإعلامية في حملة دعم وتواصل مع مسجد المقاطعة عام 2016 لما كان للمسجد وإمامه من دور في مساعدة اللاجئين. أما رئيس نقابة المعلمين مايدينغر، فهو أستاذ لغة ألمانية سابقا، ورجل ذو سجل علمي واحترافي كبير، ولا يُعرف عنه توجهات سياسية تدخل ضمن لعبة الأحزاب، بل بالعكس كان ممن تصدى لدعوات اليمين الألماني المتطرف لعزل الطلاب اللاجئين عن الألمان، وطالب بضرورة دمج الطلاب الجدد ضمن المدارس وبين الطلاب الألمان (المرجع 9). إذا إن كلا الشخصيتين بعيدتان تماما عن أي شبهة عنصرية، فلا تاريخهما ولا عملهما ولا حاضرهما يستدعي هذا التصرف.

ثالثا، لا أدعي ضمن سياق ما سبق أن المجتمعات الغربية مجتمعات مثالية، كما قد يبادر البعض للاستنتاج، فلا يوجد مجتمع أو دولة مثالية، كما لا يوجد إنسان مثالي، لكن يوجد مقارنات نسبية ما بين الدول والمجتمعات، كأن نقول إن حقوق الإنسان أكثر احتراما في ألمانيا مقارنة بدولة مثل سورية أو مصر أو الجزائر أو الصين أو روسيا أو إيران، ويعرف الألمانيون أيضا أن حقوق الإنسان وخاصة حقوق الطفل والمرأة لديهم أقل منها في السويد والدانمارك والنرويج، وأفضل منها في إيطاليا وبولندا. إذا عملية المقارنة عملية نسبية.

رابعا، لا علاقة لما يطلقه البعض من تعميمات جائرة باتهام المجتمع الألماني بأنه عنصري بنقاشنا هنا، فمن يستسهل اتهام مجتمع كامل مكون من ثمانين مليون إنسان، لا يمكن أن يتجاوب مع مطالبة حق للمسؤولين والمدرسين الألمان بخضوع كل الأطفال لمعايير التعليم الألماني، وعندها سيتقدم اليمين الألماني المتطرف، الذي يعمم صفات الإرهاب والدونية على غير الألمان وخاصة المسلمين، لندخل في حلقة حمقاء ما بين متطرفين، لا يمثلون الألمان ولا المسلمين.

خامسا، لا تدعي الحكومة ونقابة المعلمين الألمانية أن نظامها التعليمي قد جنب كل طلابها المشاكل الاجتماعية والنفسية، وأنها ضمنت مثلا عدم وجود مخدرات بين طلاب مدارس الثانوي، أو جنوح بعض المراهقين للأعمال غير القانونية. كل ذلك موجود ويعترف المجتمع الألماني به ويحاول باستمرار معالجته، لكن بالقياس النسبي هذه المشاكل في ألمانيا أقل بكثير من الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية مثلا، فقوة النظام تكون بقابليته للتطور بشكل مستمر.

9         خاتمة

إن موجة اللجوء خلال السنين الثلاث الماضية إلى أوروبا الغربية وألمانيا والنمسا بالذات، قد سببت بعض المشاكل الكبيرة للطرفين، ومن ضمنها كانت الصدمة الثقافية. فغالبية من قدموا هروبا من الحرب والخراب لم يكونوا مستعدين لا نفسيا ولا ماديا لهذا التغيير الكبير في نمط حياتهم وحياة عائلاتهم. المؤسف هو أن حكومات هذه الدول، رغم كل ما قدمته بسخاء من دعم مادي ورعاية صحية وتعليمية، لم تستطع تأسيس سياسة اندماج ناجحة تعالج سوء التفاهم الحاصل بين اللاجئين وبين شعوب هذه الدول.

ومما زاد من خطورة هذه المشاكل كان استغلال اليمين المتطرف الأوروبي، الأقرب إلى النازية، لهذه المشكلة، فأطلق حملات إعلامية اعتمدت على منصات التواصل الاجتماعي أكثر منها على الإعلام الكبير، لنشر نظرية مؤامرة تقول إن هؤلاء اللاجئين أتوا إلى أوروبا بهدف أسلمتها وتهديم ثقافتها. وهي مقولات واضحة البطلان إحصائيا وموضوعيا، لكنها تلاقي رواجا، لأن ديدن الإعلام هو التركيز على ما هو شاذ وغير عادي.

بالمقابل لم يساعد الإعلام العربي وغيره من بلاد هؤلاء اللاجئين على فتح قنوات الحوار، فما نعلمه من الإعلام العربي الرائج ومنصات التواصل العربية على الإنترنت، أن غالبية ما يذاع ويبث يعتمد على ترويج نظرية المؤامرة الغربية على المسلمين، وتحريضهم على البلاد التي استضافتهم بعد أن لفظتهم بلادهم، كذلك يركز على الحوادث والتصرفات العنصرية التي يلاقيها البعض من بعض الأوروبيين المتطرفين.

إن مشكلة صيام طلاب المدارس أو مشكلة حجاب الصغيرات وغير ذلك هو جزء من مشكلة أكبر. مشكلةٌ خضعت لتجاذبات الصراع السياسي الداخلي في أوروبا والصراعات الدولية، ولطبيعة سوق الإعلام في العصر الحديث القائم على تشويه المعلومات ونقل الأكاذيب والحكايات الشعبوية والمضللة. لكن بالمحصلة النهائية إن لم يتم التصدي لهذه المشاكل، فإن من سيدفع الثمن هم أطفال اللاجئين والمقيمين الأجانب والمسلمين في هذه الدول، كما هي حال الجيل الثاني والثالث في فرنسا وبريطانيا من أولاد المهاجرين القدامى.

على العائلات المسلمة في الغرب التحرر من كثير من أحمال الموروث الشعبي والعادات والتقاليد، والتمييز بينها وبين جوهر الإسلام، حتى لو اعترض بعض أو كثير من الشيوخ تحت عنوان الإسلام، وتحكيم مصلحة الأطفال والمنهج العقلاني في عملية التفاعل والاندماج مع المجتمع الغربي.

الاندماج لا يعني أن يتخلى الأجنبي عن هويته الثقافية أو الدينية، بل يعني ممارسة عملية مقارنة ومعادلة ما بين الهوية الأصلية وما بين المجتمع الجديد، وإدراك أن الإنسان لا يمكن أن يحل ضيفا أو عاملا في مجتمع جديد ثم يطلب من هذا المجتمع أن يتكيف معه، ولا أن يطلب من هذا المجتمع أن يتركه معزولا عن المحيط.

 

(مرصد مينا – صيام التلاميذ اللاجئين في مدارس أوروبا)

رابط مختصر http://wp.me/P2RRDZ-Kz

10    المراجع:

1-      مقال جريدة تاغزشبيغل الألمانية حول إشكالية الطلاب الصائمين في ألمانيا – تاريخ 16/05/2018

https://www.tagesspiegel.de/politik/beginn-des-ramadans-lehrerverband-beklagt-probleme-durch-fastende-schueler/22571632.html

2-      مقال جريدة فيلت الألمانية ومقابلة رئيس نقابة المعلمين الألمانية – تاريخ 16/05/2018

https://www.welt.de/politik/deutschland/article176397435/Ramadan-Oft-fasten-die-Kinder-weil-sie-den-Eltern-imponieren-wollen.html

3-      مقال جريدة شبيغل الألمانية ومقابلة وزيرة العائلة الألمانية – تاريخ 16/05/2018

http://www.spiegel.de/lebenundlernen/schule/ramadan-franziska-giffey-will-nicht-dass-schueler-fasten-a-1208029.html

4-      مقال جريدة فينرتزايتونغ النمساوية بعنوان “نقابة المعلمين تعرب عن أسفها لمشاكل الصيام في رمضان” تاريخ 16/05/2018

https://www.wienerzeitung.at/themen_channel/bildung/schule/965207_Lehrerverband-beklagt-Probleme-durch-Fasten-im-Ramadan.html

5-      تقرير مجلس الاتحاد الأوروبي حول الأسس العامة لسياسة الاندماج في الاتحاد

PRESS RELEASE, 2618th Council Meeting, Justice and Home Affairs, Brussels, 19 November 2004, 14615/04 (Presse 321)

6-      الطبقات الكبرى لابن سعد- عمار بن ياسر

 

7-      دراسة للكاتب بعنوان “اللاجئون السوريون واللاجئون في أوروبا”- موقع بيت السلام السوري

http://wp.me/P2RRDZ-zz

 

8-      دراسة حول المسلمين في أوروبا –  مركز بيو للأبحاث Pew Research Center

http://www.pewforum.org/2017/11/29/europes-growing-muslim-population/

 

9-      مقال في الدويتش فيله الألمانية حول دمج الأطفال اللاجئين في المدارس الألمانية

http://www.dw.com/en/how-to-integrate-refugee-kids-in-german-schools/a-18785567

 

 

 

 

قد يهمك