
علاء الدين الخطيب
طبول الحرب تُقرع في الخليج العربي للمرة الثالثة خلال العقود الثلاثة الماضية، والتكهنات والتوقعات والأحلام والأوهام والتهديد والوعيد يغطي الفضاء الإعلامي والسياسي، فالسؤال المطروح، خارج حدود التجييش الحماسي الشعبوي العاطفي، هل هي مجرد ضجيج طبول، أم ستتحول لرعود قنابل، أم لبراكين حرب كبرى؟
هذه الورقة تحاول الإجابة عن هذا السؤال عبر تحليل الأزمة موضوعيا، من خلال استعراض الظروف المحيطة بطرفي الأزمة الأساسيين، الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، واستعراض السيناريوهات المحتملة في المستقبل القريب.
1 الوضع السياسي الدولي
1.1 الموقف الأوروبي
الأوروبيون غير متحمسين لأي مواجهة عسكرية في الخليج العربي[1]، فاللواء البريطاني غريس غيكا القيادي في الناتو صرح للمراسلين بأنه لا يوجد زيادة في التهديد من القوات المدعومة إيرانيا في العراق وسوريا[2]. وأتت تصريحات أوروبية أيضا حذرة تطالب بضبط النفس، وذلك بعد رفض وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا وممثل الاتحاد الأوروبي عقد اجتماع جماعي مع وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، فالتقى كل منهم على حدة؛ وضمن الأعراف السياسية فغاية بومبيو كانت إبراز موقف موحد داعم للإدارة الأمريكية، لكن الواضح أن الأوروبيين غير مقتنعين بأسباب التصعيد. كما أن ألمانيا وإسبانيا وهولندا سحبت مشاركتها العسكرية مع الأمريكيين في الخليج.
لقد ثبت للأوروبيين، الذين ما زالوا محكومين بتقاليد الاختباء خلف السياسة الأمريكية على المسرح العالمي، أن التصعيد العسكري والأزمات في منطقة الشرق الأوسط وصولا إلى وسط آسيا ستعود بالأضرار عليهم اقتصاديا وأمنيا، وخاصة بعد موجة اللجوء الأخيرة في 2015. كما أنهم كانوا متحمسين بعد عقد اتفاقية الإطار النووي[3] لفتح أبواب التعاون الاقتصادي مع إيران، وقد بدأت عدة شركات أوروبية بالفعل بعقد صفقات مع الإيرانيين. بالإضافة لذلك الأوروبيون مقتنعون أن اتفاقية الإطار النووي كافية للتحكم بأي طموح نووي إيراني، ولا يوجد سبب حقيقي يستدعي هذا التصعيد.
1.2 الموقف الروسي والصيني
تشكل منطقة وسط آسيا، الممتدة من غرب الصين إلى جنوب روسيا الاتحادية، وصولا إلى شرق إيران وتركيا، الخاصرة الأضعف والمصدر الأساسي للقلق لدى الصين وروسيا، بسبب مشاكلها الاقتصادية والسياسية والعرقية والتاريخية، والتي تستقر حكوماتها الشمولية على صفيح ساخن. يقوم استقرار هذه المنطقة على دعامة أساسية، هي تفاهم الصين وروسيا وتركيا وإيران على عدم العبث أو الصراع أو المغامرة بضرب استقرار هذه الدول، لأن الآثار ستكون كارثية على الجميع.
من ناحية ثانية تشكل إيران بحجمها السكاني والاقتصادي والجغرافي شريكا أساسيا واعدا للدولتين على المدى المتوسط والبعيد، خاصة بالنسبة للصين التي تعوّل الكثير على مشروعها الأضخم عبر التاريخ وهو حزام طريق الحرير، والذي رصدت له الصين 900 مليار دولار مبدئيا، هذا عدا عن شره الصين للطاقة وحاجتها لتنويع مصادرها.
لذلك فإن التصعيد الأخير الذي يهدد بهز استقرار النظام الإيراني، مما يخلق نتائج غير محسوبة، يشكل خطرا استراتيجيا على البلدين. ناهيك عن أن الدولتين في صراعهما مع الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن لهما المغامرة بتحول إيران إلى حليف للأمريكيين، الذين أعلنوا منذ بداية الألفية أن استراتيجيتهم تعتمد على اختراق المجال الحيوي الجغرافي الصيني.
يفضل البلدان بعد خبرة مريرة، بالنسبة لهما، مع السياسة الأمريكية، وخاصة سياسة ترامب، سياسة التدخل الحذر الهادئ في مثل هذه الأجواء، وعدم القيام بأي تحركات قوية دراماتيكية، حتى أن روسيا شكليا نأت بنفسها عن الأزمة[4]. ومن ناحية أخرى، إن لم تسر الأزمة كما يشتهي ترامب، قد تؤدي لاستنزاف كبير للسياسة الأمريكية ويزيد من قوتهما في وسط آسيا وصولا للشرق الأوسط. ولعل هذا يثير سؤالا مشروعا، هل يمكن للصين وروسيا تحمل تبعات فتح حرب واسعة شاملة في إيران، مقابل رؤية الولايات المتحدة تكرر تجربة فيتنام المريرة؟ فإيران بطبيعتها الجغرافية، واستعداداتها العسكرية، وقوة نظامها المعنوية دينيا، هي الدولة الوحيدة المؤهلة لإعادة ذكريات حرب فيتنام للأمريكيين، خاصة وأن البلدين سيتمكنان بسهولة من تسريب ما يكفي من دعم لإيران؛ هو سؤال افتراضي، لكنه قد يكون محقا فيما لو وضعنا أنفسنا مكان الصين وروسيا أصحاب الخيارات المحدودة في هذه الأزمة.
1.3 الموقف الإسرائيلي
الزعيم السياسي الوحيد خارج الولايات المتحدة الذي أبدى دعمه الكامل وحماسه لتوجيه ضربة أمريكية لإيران، كان بنيامين نتنياهو. بل إنه وفق تقييم شيمي شالف الكاتب في هآرتز، هو أحد المسؤولين الأساسيين عن هذا التصعيد، وهو واحد ممن ساهموا بإقناع ترامب، بأن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وتشديد العقوبات الاقتصادية، والتلويح بالقوة العسكرية، سيجبر آيات الله في إيران على الامتثال للشروط الأمريكية والإسرائيلية[5].
لكن الملاحظ، أنه باستثناء نتنياهو نفسه، لم تصدر مواقف إسرائيلية متحمسة للمواجهة العسكرية مع إيران من قبل سياسيين إسرائيليين آخرين، بل هناك صمت كامل في الدائرة العسكرية الإسرائيلية. ولعل هذا يدفع بالسؤال، هل ستقف إسرائيل عسكريا على الحياد كما حصل في حربي الخليج 1991و 2003؟ لا يبدو ذلك محتملا مع نتنياهو، الذي يشارك ترامب عقدة التظاهرات الإعلامية، كرجل سياسة قوي.
1.4 الموقف العربي
لم يصرح زعماء السعودية والإمارات العربية علنا بموقف واضح رسمي من التصعيد الحاصل، باستثناء تصعيد وسائلهم الإعلامية؛ ولا أقصد هنا أن قيادتي البلدين غير متحمستين لتوجيه ضربة قاسمة للنظام الإيراني، لكن الواضح أن الموقف الرسمي قد فوجئ بالتصعيد، وهم يدركون أن المواجهة العسكرية إن تجاوزت حدا معينا، فإن خسائرهم ستكون كبيرة، وربما كارثية؛ فهم كانوا مقتنعين بأن الحصار الاقتصادي ومجرد التهديد العسكري يكفي لمواجهة النظام الإيراني.
من الواضح أن بقية دول الخليج ضد التصعيد، حتى لو لم تعلن رسميا ذلك، وتفضل لو أن الوضع استمر كما كان عليه في منتصف العام 2018، وأنها تبذل جهودا سياسية وديبلوماسية لاحتواء الموقف.
1.5 الساحة السورية والعراقية
من المرجح أنه بحال تصاعد الموقف لمواجهات عسكرية بأي مستوى كان، محدودة أو واسعة أو شاملة، فإن الساحة العراقية والسورية ستدفع ثمنا كبيرا في هذه المواجهة، خاصة بين المدنيين.
هذه المقامرة المشتعلة حاليا ستؤدي لنتائج سلبية على النظام الأسدي في سوريا، لكن كل هذا يعتمد على شكل المواجهة، التي بحدها الأدنى ستزيد الضعف الإيراني إن استمر الوضع كما هو عليه. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن المعارضة السورية، المعروفة بقياداتها السياسية او العسكرية، ستستفيد من هذا الموقف.
1.6 الخلاصة
باختصار يمكن القول إن الحشد الدولي خلف الولايات المتحدة الأمريكية باتجاه التصعيد العسكري ضد إيران أقل مما كان عليه الحال قبيل غزو العراق في 2003، وأقل بكثير من الدعم الدولي لغزو أفغانستان عام 2001، وحرب تحرير الكويت عام 1991 بعد اجتياحها من قبل صدام حسين.
الفرق الأساسي الآخر بين هذه التصعيد وبين سابقه من حروب خاضتها الولايات المتحدة، هو أن روسيا والصين لم تكونا بوضع سياسي واقتصادي وعسكري يسمح لهما بالمناورة والمعارضة والضغط، كما أن كلا البلدين كانا على علاقات ممتازة مع الإدارات الأمريكية السابقة، ولم يجدا مصلحة ضخمة في معارضة الأمريكيين. لكن الحال في 2019 قد اختلف جذريا، فالدولتان حققتا وجودا دوليا كبيرا، الصين تضاعفت قوتها الاقتصادية على حساب قوة الأمريكيين والغرب عموما، وكذلك تحسن وضعها العسكري. أما روسيا فرغم المشاكل الاقتصادية الكبيرة، إلا أنها فرضت نفسها كلاعب أساسي في المنطقة الممتدة من دول وسط آسيا، مرورا بمنطقة بحر قزوين وشرق المتوسط، وصولا لأوكرانيا وروسيا البيضاء. كما أن علاقات كلا البلدين تدهورت بشدة مع الأمريكيين، خاصة بعد وصول ترامب للبيت الأبيض.
2 الوضع السياسي الأمريكي الداخلي
بالإضافة لمشاكل ترامب الكبرى داخليا التي لم تتوقف منذ دخوله للمكتب البيضاوي، والتي ازدادت مع انتصار الديمقراطيين في الانتخابات الأخيرة، فإن الديمقراطيين، مع بعض الجمهوريين، لا يبدون حماسا كبيرا لما يدفع إليه جون بولتون، مستشار ترامب للأمن القومي، أي المواجهة العسكرية مع إيران. وقد سبق اجتماع ما يُسمى “عصابة الثمانية”، جدل كبير داخل أروقة الإدارة الأمريكية، خاصة وأن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي قالت في اجتماعاتها مع الديمقراطيين، “يجب أن نتجنب أي حرب مع إيران“.
بالواقع حتى ترامب نفسه، ما زال يرسل رسائل توحي أنه مستعد لإعادة النظر، مقابل إعداد ما يشبه اللعبة التي جرت مع كوريا الشمالية في صيف 2017، حين لم تكن تصريحات ترامب أقل حدة مما هي عليه الآن مع إيران.
الشائع أن دينامو التصعيد ضمن الإدارة الأمريكية هو جون بولتون، والذي كان أحد كبار المدافعين عن حرب غزو العراق في عام 2003، وهو معروف بكراهيته لإيران وروسيا معا، وقد كان تعيينه كمستشار أمن قومي لترامب في ربيع 2018 أحد المؤشرات الأساسية على اتجاه العلاقات الأمريكية الروسية للتوتر، وقد حصل ذلك فعلا.
بومبيو، بولتون، ترامب (Réseau International).
إذا إن صورة الوضع السياسي الدولي والداخلي الأمريكي ما زالت ضبابية لحد كبير، وإن كان الأرجح عدم وجود حماس كافي لدعم أي تصعيد عسكري كبير في الخليج العربي. لكن مع ذلك تبقى الاحتمالات والسيناريوهات قائمة وقيد الدراسة من الجميع.
3 أسباب التصعيد
لم تتضح بعد الأسباب الحقيقية التي فجرت التصعيد فجأة، وكلمة فجأة تأتي قياسا على توتر مستمر على نفس الوتيرة بين إدارة ترامب والنظام الإيراني، منذ جلوسه خلف المكتب البيضاوي. ما تم نقله كان فقط تقريرا سربته النيويورك تايمز يتحدث عن صور التقطتها المخابرات الأمريكية لقوات الحرس الثوري وهي تحمل صواريخ باليستية على قوارب عسكرية إيرانية في الخليج العربي، بالإضافة لما يدعيه بولتون وبومبيو حول أدلة على نشاطات إيرانية تهدد الوجود الأمريكي، لكن هذه الأدلة سرية ولم يطلع عليها حتى أعضاء الكونغرس الأمريكي.
ما خلا هذا التقرير، والادعاء الذي لا يعرف تفاصيله سوى قلة قليلة في البيت الأبيض، لا يوجد أي تطور أو تغير في نمط الأحداث في المنطقة يبرر أو يشرح سبب التصعيد الآن، وليس قبل سنة أو شهور، أو بعد سنة أو شهور. مثلا يوم تصاعد الموقف مع كوريا الشمالية، كان السبب واضحا وقويا، وهو توجه كوريا الشمالية لاختبار صواريخ بعيدة المدى هددت جزيرة غوام الأمريكية وشواطئ الولايات المتحدة الغربية. لكن لا يوجد أي حدث من هذا القياس أو حتى أقل منه حصل في الشهور الماضية، يغير روتين مجريات الصراعات المشتعلة في المنطقة منذ سنين طويلة.
أما من الجهة الإيرانية، فالنظام الإيراني يعلم حدود قوته ومساحة لعبه منذ بداية الألفية، ولا يوجد تغيير حقيقي في القيادة الإيرانية وسياستها منذ نهاية التسعينات وإلى الآن. وحتى ترامب نفسه وبولتون لم يستطيعوا رفع مبرر النشاط النووي الإيراني، لأن الرقابة الدولية والأمريكية لا تملك أي مؤشرات على أي نشاط خارج اتفاق الإطار الموقع بين الطرفين، رغم انسحاب ترامب منه، وتهديد إيران بالانسحاب الجزئي منه. بل حتى إن سياسة ترامب تناسب الأهداف الإيرانية في سوريا واليمن، حيث اكتفى ترامب من سوريا، إلى حين، بدعم مجلس سوريا الديمقراطي في الشمال الشرقي؛ وأبعد نفسه عن أي تورط حقيقي في حرب اليمن.
بكل الأحوال قرار الحرب أو المواجهة العسكرية لا يحتاج لسبب مباشر واضح قوي، فغزو العراق في 2003 بُنيَ على تقارير كاذبة مزورة، ومع ذلك قامت حرب كبرى غيرت وجه المنطقة والعالم؛ ومن اتخذ قرار الحرب، إدارة بوش، كانوا يعلمون أن لا وجود لسبب حقيقي يمس الأمن القومي الأمريكي أو الإسرائيلي أو حلفائهم في المنطقة.
لا يُستبعد أن سبب التصعيد أتى من دائرة ضيقة حول ترامب، بالذات من بولتون وبومبيو، المعروفان بتوجهاتهما المتشددة على طريقة الكاوبوي الأمريكي، والقريبان من تيار المحافظين الجدد الذي صاحب جورج بوش الابن، وعملوا من خلاله لتأسيس استراتيجية يسمونها “القرن الأمريكي الجديد”، التي لم تستطع تحقيق أي مكسب استراتيجي أمريكي على مستوى الصراع الأهم، ضد الصين وروسيا والدول الصاعدة اقتصاديا. لكن مع ذلك فإن تيار المحافظين الجدد، ليسوا بنفس قوتهم التي كانوا عليها مع جورج بوش 2003، وحتى ترامب كما يبدو لا يثق بهم مقدار ثقة بوش بهم.
يمكن أن يكون للمزاج الشخصي لترامب دور مهم في قبول التصعيد، لكن ليس باتجاه الحرب او المواجهة العسكرية المباشرة؛ خاصة بعد نجاح تلك السياسة مع كوريا الشمالية، التي انتهت بعقد اتفاقية يزعم ترامب أنه حقق منها الكثير، ولربما أراد تحقيق نفس الهدف مع إيران.
4 النفط ولعبة الأسعار
يقول كثير من المحللين العرب أن هدف ترامب هو رفع أسعار النفط لتتخطى سعر 100 دولار للبرميل، وبالواقع هي فرضية خيالية بعيدة عن حقائق السوق العالمي، وبنيته النظام الاقتصادي العالمي، وعن تاريخ وتطور سوق النفط ومصالح المنتجين والمستهلكين.
لا بد من هنا من توضيح، أن النفط، وهو من أهم السلع في التجارة العالمية، بالنهاية هو سلعة، وكل الاقتصاديين وحتى تجار الأسواق الشعبية يعلمون أن الربح لا يتأتى برفع سعر السلع فقط. السعر الأمثل للسلع بالنسبة للتاجر هو السعر المتولد عن عملية العرض والطلب، وسعر متوسط مع بيع كميات أكبر، وضمان تصريف على المدى البعيد، أفضل للتاجر بكثير من سعر عالي، وبيع أقل، وخطورة تراجع الاستهلاك. فالسعودية مثلا، وفي عدة مناسبات قالت وكررت أنها ترى أن السعر الأنسب للنفط ما بين 60 و70 دولارا للبرميل، ولا يهمها مثلا تخفيض الإنتاج ليصل السعر إلى 100 دولار.
من ناحية ثانية، إن أكبر المستفيدين حاليا من رفع أسعار النفط هم روسيا وإيران وفنزويلا، الذين يعانون الأمرين اقتصاديا. بل حتى إن إيران ستستفيد كثيرا، لأن الشركات ولوبيات السوق السوداء سيجدون ما يكفي من حوافز لشراء النفط الإيراني رغم الحصار، عندما تطرحه إيران بسعر منافس جدا. بل إن بعض الدول المستوردة قد تتحدى الحصار الأمريكي للحصول على النفط الإيراني بأسعار مغرية لن تتردد إيران بطرحها.
والأهم في نقد هذا الافتراض هو أن أكثر الدول حساسية لأسعار نفط مرتفعة هي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فارتفاع الأسعار عالميا سيؤدي لغضب وتذمر الشارع الأمريكي، وضرب شعبية ترامب قبيل سنة من الانتخابات القادمة.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن نسبة النفط المستورد من منطقة الخليج العربي مقارنة بكامل استيراد النفط في الولايات المتحدة الأمريكية يقارب 22 بالمئة، وفي أوروبا حوالي 25 بالمئة؛ لكن هذه النسبة تصل إلى 50 بالمئة بالنسبة للصين، وإلى 65 بالمئة بالنسبة للهند، وإلى 85 بالمئة بالنسبة لليابان؛ أي أن أكبر المتضررين اقتصاديا من تصعيد المواجهة في الخليج العربي فيما لو أدت لتوقف الإمدادات هم دول شرق وجنوب شرق آسيا.
5 خطورة الموقف
لعل أكثر من حذر من انزلاق الموقف هم البريطانيون، فقد حذر أكثر من مسؤول أن تصاعد التوتر العسكري بهذا الشكل، قد يؤدي لحصول “خطأ” ما، يستدعي انفجار المواجهة العسكرية. فالأمريكيون كانوا واضحين، بأن أي احتكاك أو إصابة لأمريكيين في المنطقة، سواء مباشرة من قبل القوات الإيرانية، أو عبر أحد المليشيات التابعة لها، والمنتشرة في العراق وسوريا واليمن، سيكون سببا كافيا لرد أمريكي عنيف جدا. فالتخوف موجود من احتمال تقلقلٍ في سيطرة النظام الإيراني على المليشيات التابعة له، أو تدبير احتكاك غير محسوب مع الأمريكيين؛ فالانتشار الإيراني عبر المليشيات التابعة لنظام طهران ليس انتشار جيش منضبط مركزيا، بل مليشيات يسودها في بعضها الكثير من الفوضى مثل أي مليشيات ارتزاقية؛ وقد رأينا احتكاكات هذه المليشيات مع حلفاء النظام الإيراني روسيا وقوات الأسد في سوريا، ومن السذاجة تصديق أن ذلك كان قرارا من مركز القرار الإيراني أو الروسي أو الأسدي.
طبعا هذا لا يلغي خطورة توجه أحد الطرفين، الحكومة الأمريكية أو النظام الإيراني، إلى خيار المواجهة العسكرية، فكلاهما مؤهلان لذلك إلى حد ما.
6 السيناريوهات الممكنة للمواجهة العسكرية
السيناريوهات متعددة، ويمكن لكل صاحب خيال، أو موقف غاضب من هذا أو ذاك، وضع ما يريد، لكن موضوعيا يمكن حصرها بثلاث سيناريوهات، تعتمد على القرار الأمريكي، لأن إيران لن تغامر بالمبادرة بالهجوم وهي تعلم نتائجه الكارثية عليها وعلى النظام الحاكم، وبالتالي ستكون بموقف رد الفعل وليس الفعل.
6.1 سيناريو المواجهة الواسعة جوا وبحرا وبرا:
تقوم الولايات المتحدة بشن حرب واسعة جوية مركزة وسريعة على كل الأهداف المحتملة داخل إيران، بهدف الوصول لاجتياح محدود على الأرض، وصولا لإسقاط النظام بالقوة العسكرية.
هذا السيناريو مستبعد تماما، ولا يتكلم به حتى جورج بولتون؛ لأسباب سياسية أهمها هو عدم وجود دعم دولي، بل معارضة أوروبية؛ ومعارضة قوية جدا من قبل الصين وروسيا لا يمكن الاستهانة بها. هذا عدا عن عدم وجود تأييد سياسي أمريكي في الكونغرس من قبل الديمقراطيين وبعض الجمهوريين.
والسبب الثاني هو سبب عسكري ومادي ولوجيستي، فإذا كان اجتياح العراق في 2003 استلزم حشد نصف مليون جندي، وتكاليف وصلت لثلاثة تريليون دولار؛ فبمقارنة وضع نظام صدام حسين الذي كان أكثر ضعفا بكثير من النظام الإيراني حاليا، ومقارنة الموقف الدولي، وخاصة الصين وروسيا اللتان ازدادت قوتهما عدة مرات منذ 2003 إلى اليوم؛ فإن الحشد العسكري المطلوب، وتكاليف هذه الحرب، ستتجاوز بكثير كلفة حرب غزو العراق عسكريا وماديا، وسترهق حتى القدرات الأمريكية؛ خاصة وأن دول الخليج العربي ليست بحال اقتصادية جيدة تسمح لها بالمساهمة المادية الحقيقية كما حصل في 2003.
حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لنكولن.
6.2 سيناريو مواجهة عسكرية كبيرة جوية وبحرية:
أي أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بشن هجوم جوي وبحري وصاروخي واسع وعنيف على الأراضي الإيرانية، واستهداف كثير من المواقع التي تراها مصدر خطر.
هذا أيضا سيناريو مستبعد حتى الآن، فكمية القطع العسكرية التي حركتها الإدارة الأمريكية والقواعد العسكرية الموجودة حول إيران لا تكفي لهجوم بهذا الحجم والحسم. فلا ننسى أن مساحة إيران تتجاوز مليون وستمئة ألف كيلو متر مربع، وأراضيها من أكثر دول العالم احتواءً للجبال، مما يمنح قواتها العسكرية ميزات طبيعية للتحصن والتمويه تجعل حتى التقنية الأمريكية العسكرية ذات تـأثير أقل من المتوقع بحالات أخرى.
6.3 سيناريو الضربة العسكرية المحدودة جدا:
أي أن تضرب الولايات المتحدة الأمريكية بضع عشرات من الأهداف التي تراها الأخطر داخل إيران، أو في المياه.
هذا سيناريو أقل استبعادا من الأولين، لكنه أيضا غير محتمل. لأن العسكريين الأمريكيين بهذه الحالة لن يغامروا بضربة محدودة غير متأكدين من نتائجها، فإن ردت إيران بقوة على ضربتهم فهذا سيؤدي لتصاعد الموقف العسكري سريعا وسيؤدي لأحد السيناريوين السابقين.
6.4 سيناريو استمرار التصعيد والتهديد الإعلامي:
من المرجح استمرار التصعيد الإعلامي، والحركة العسكرية الأمريكية في المنطقة، وربما زيادة الرقابة على حركة الملاحة التجارية في الخليج العربي لضمان قوة الحصار على إيران، بشكل أكثر صرامة مما حصل خلال السنين السابقة.
وفق طبيعة سياسة ترامب السابقة، يبدو هذا المسار أقرب لأسلوبه مقارنة بما مارسه مع كوريا الشمالية، والذي من خلاله يأمل ترامب أن يحقق إنجازا، وفق منظوره، بعقد اتفاقية جديدة مع إيران يمكنه استخدامها في دعايته الانتخابية.
لكن في هذه الأزمة يوجد عامل أساسي مختلف عن مرحلة أزمة كوريا الشمالية، فالآن يوجد بولتون وبومبيو اللذان يطالبان بشروط تعجيزية لا يمكن لإيران مجاراتها، فهما يطالبان بتجريد النظام الإيراني من كل أدوات قوته، التي ستؤدي حكما لسقوطه.
يحمل هذا السيناريو خطورة كبيرة، أشرت لها سابقا، وهو أن المنطقة ستكون على كف عفريت، وأي خطأ مقصود أو غير مقصود، أو بفعل لاعب ثالث في المنطقة، سيؤدي لإشعال براميل البارود والتوجه لأحد السيناريوين الأوليين.
خامنئي يقول: “كما قلت، دولتنا إيران هي أكثر دول العالم استقرارا”. (Cartoon by Toufigh)
7 ردة الفعل الإيراني على السيناريوهات السابقة:
بغض النظر عن الموقف السياسي والأخلاقي من سياسة النظام الإيراني، التي لا يمكن وصفها بأقل من الإرهابية والإجرامية في المنطقة وخاصة في سوريا والعراق، فإنه وبعد خبرة تقارب أربعة عقود في اللعبة السياسية كنظام حكم ديكتاتوري قمعي، وكقوة سياسية إقليمية، وبعد الخبرة التي اكتسبها في صراعات المنطقة، لا يمكننا التهوين والتخفيف من إتقانه للعبة الصراع السياسي الدولي.
إن أي مراقب لما حصل في المنطقة مؤخرا لا يحتاج لعظيم ذكاء، كي يدرك أن خيارات النظام الإيراني محدودة، وأن ما يسميه “مواقف ممانعة ضد التغطرس الأمريكي”، هي بالواقع قراءة موضوعية للمطبات التي سيقع بها في حال الصدام مع الولايات المتحدة وفق ما سبق.
فقد رأى النظام الإيراني والعالم، كيف أن استسلام صدام حسين للحصار الخانق، وحرية توجيه الضربات العسكرية الأمريكية في العراق، خلال عشر سنوات بعد حرب تحرير الكويت من الاحتلال الصدامي، أدت بالمحصلة لجعل العراق لقمة سائغة سهلة لغزوه في 2003، وإعدام الطاغية بكل سهولة.
كذلك فإن سياسة التنازل الكامل أمام الشروط الأمريكية والغربية التي انتهجها طاغية ليبيا، معمر القذافي، لم تشفع له يوم اهتز حكمه تحت وقع الثورة الليبية، بل وساهم الغرب في إسقاطه وقتله.
من ناحية ثانية فإن النظام الإيراني، والذي قد يكون الأكثر خبرة بحالة طاغية سوريا بشار الأسد، يدرك جيدا أن دعم روسيا والصين ما كان له أن ينجح لوحده في إبقاء الأسد في السلطة، لولا الدعم الإيراني؛ لكن الصين وروسيا لا يملكان حليفا يماثل إيران في سوريا، ليساند النظام الإيراني في إيران.
المثال الوحيد الناجح أمام الإيرانيين هو كوريا الشمالية، وهو ما يسعى الإيرانيون للوصول لحالة تشابهه مع الطرف الأمريكي، وهو طريق صعب غير مضمون النتائج، بسبب اختلافات عميقة بين الحالين.
لكن مع ذلك، فإن سياسة ترامب مع كل دول العالم، بمن فيهم حلفائه، أثبتت لكل السياسيين أن لا ضمانات مع هذا الرئيس الأمريكي، فهو يمكن أن يقلب الطاولة في أية لحظة؛ وهذا الأسلوب يسبب الحذر الشديد بالتعامل معه من قبل كل دول العالم، فلا يمكن للنظام الإيراني البناء حتى على اتفاقيات ضمانات مع ترامب، على الأقل حتى تنتهي الانتخابات الأمريكية السنة القادمة.
إذاً إن ردة الفعل الإيرانية على السيناريوهات السابقة ستتحدد وفق ما ستقوم به الولايات المتحدة الأمريكية، ليس من باب الممانعة، بل من باب الواقعية السياسية.
طهران 2017 (EFESENKO)
7.1 هجوم أمريكي عسكري ضد إيران
في حال وقوع أي عمل أمريكي عسكري ضد إيران، فإن إيران سترد بعمل عسكري مقابل يناسب الضربة العسكرية الأمريكية.
· فإن كانت ضربة محدودة صغيرة، فغالبا سيكون الرد من خلال المليشيات غير النظامية التابعة لها في العراق، وربما في سوريا.
· إن كانت الضربة العسكرية قوية لكن ليست شاملة، فإن إيران، بالإضافة لتحريك ميليشياتها خارج إيران، سترد مباشرة بضربة عسكرية، وإن كانت ستحاول من خلالها ضرب حلفاء أمريكا في الخليج أكثر من ضرب أهداف عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، كي تتحاشى تصعيد الموقف، كأن توجه ضرباتها لمنشآت نفطية سعودية وإماراتية، على أمل حصول حركة سياسية دولية كبيرة ضاغطة لاحتواء الموقف، وإبقاء الباب مواربا لهذه التحركات.
· بحال كانت الضربة العسكرية الأمريكية أكثر قوة وشمولا، فإن إيران، بالإضافة لتحريك ميليشياتها خارج إيران بشكل أكثر عنفا، ستضرب بكل قوتها الأهداف العسكرية الأمريكية وحلفائها في الخليج العربي وإسرائيل، وتعمد لإغلاق مضيق هرمز، والتوجه للخيار الصفري، أي الاستعداد لحرب شاملة.
باختصار في حال الضربات العسكرية، لن يتبع النظام الإيراني سياسة صدام حسين، بتلقي الضربات خلال سنين ليجد نفسه وقد أصبح ضعيفا بما يكفي للسقوط، ولا سياسة بشار الأسد في الاحتفاظ بحق الرد. لكنها ستحسب ردودها على أمل تدخل دولي لوقف التدهور العسكري، ولن تنتقل لمرحلة الخيار الصفري سوى عند مستوى عالٍ من الخطورة.
7.2 لا هجوما أمريكيا عسكريا على إيران
إن لم يحصل احتكاك عسكري قوي مباشر مع الأمريكيين، فستتابع إيران سياسة المناورة وحبس النفس، حتى الوصول لمقايضة مع ترامب، تستبعد شروط بومبيون وبولتون، أو الانتظار حتى الانتخابات الرئاسية القادمة.
هذا الطريق صعب جدا وخطير، لأن ذلك يتطلب سيطرة مركزية قوية جدا من قبل إيران على أجهزتها كدولة، وعلى كل المليشيات التابعة لها؛ فالوقوف على حافة الهاوية ليس عملية سهلة.
لا بد من الإشارة هنا إلى وجود نظرية تقول، إن إيران تحاول استفزاز مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأمريكي، لإيصال التوتر إلى مرحلة عالية الخطورة، ثم تقوم، بالتعاون مع روسيا، بكشف كل الأوراق وإثبات فشل الرجلين في تقديراتهما، بهدف خلق صدع بينهما وبين ترامب وبقية الإدارة الأمريكية؛ لكنها تبقى نظرية أقرب لحبكات الأفلام البوليسية منها للواقع السياسي.
8 دور دول المنطقة في السيناريوهات السابقة
لن تختلف أدوار دول المنطقة والعالم إن لم تحدث مواجهة عسكرية، واستمرت المقايضات السياسية. لكن في حال المواجهة العسكرية، ليس من المرجح أن يقبل ترامب بأن يقوم بالعمل العسكري لوحده، خاصة في حال التصعيد، لذلك فإن دول الخليج العربي، بالذات السعودية والإمارات العربية، لن تشارك بشكل مباشر ما لم تتطور المواجهة للسيناريو الأول أو الثاني، أي مواجهة واسعة، وعندها ستجد سهولة أكبر في ضرب الأراضي الإيرانية بسبب حالة نظام الدفاع الصاروخي السيئة لإيران.
في إسرائيل من المرجح أنها أيضا لن تتدخل مباشرة ما لم تنتقل المواجهة إلى مواجهة شاملة واسعة، رغم أن نتنياهو يفضل أن يساهم في أي مواجهة عسكرية. لكن إسرائيل سترد حكما بحال قامت مليشيات إيران، مثل حزب الله، بالتحرش بها، لكن على الأراضي السورية غالبا؛ أما بحال استهدافها بشكل مؤلم من قبل إيران بصواريخ باليستية، فإنه من المرجح، وفق سياسة ترامب ونتنياهو، أن تتدخل إسرائيل مباشرة.
بكل الأحوال قوة دول الخليج العربي العسكرية وإسرائيل لن تؤثر كثيرا على الميزان العسكري القائم، لكنها قد تؤثر بشدة على إمكانيات إيقاف النزاع إن انفجرت المواجهة العسكرية.
9 المقارنة التقنية والعسكرية بين الجانبين
من المؤكد والبديهي أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأقوى عسكريا وتقنيا عبر التاريخ البشري وبالمقارنة النسبية أيضا؛ ومن المؤكد أن لا معنى لمقارنة قوة إيران العسكرية بالقوة الأمريكية، فالفرق شاسع جدا؛ فمهما قال النظام الإيراني وأطلق من تصريحات نارية شعبوية حماسية، ومهما روَّج لها إعلام الحماسيات الموالي للنظام الإيراني، تبقى الحقيقة الموضوعية قائمة وهي أن قوة إيران العسكرية بشكلها المتكامل عددا وعدة وتقنيات أقل حتى من القوة الإسرائيلية، فكيف الحال مع القوة الأمريكية.
يعتمد النظام الإيراني من الناحية العسكرية على أربع مكونات أساسية:
· الأول، هو القوة الصاروخية القصيرة والمتوسطة المدى. فإيران تملك عددا كبيرا نسبيا من هذه الصواريخ سواء المستوردة أو المصنعة محليا. تعتبر هذه الصواريخ متخلفة تكنولوجيا مقارنة بالسلاح الأمريكي، ودقتها ضعيفة نسبيا، لكنها مع ذلك تبقى ذات قدرات تدميرية كبيرة وأكثر تقدما من صواريخ صدام في 2003. من الصعب الجزم بحجم وقوة ودقة نظام الصواريخ الباليستية الإيرانية، لكن المؤكد حسب غالبية التقارير والدراسات أن إيران تملك أكبر نظام صاروخي هجومي في الشرق الأوسط، ويُقدر أنها تملك عدة آلاف من الصواريخ قصيرة المدى (أقل من 300كم) والمتوسطة المدى (إلى مسافة 2000كم)، حتى أنها أجرت تجارب لإطلاق صواريخ فضائية، والتي لم تنجح، لكنها تؤكد أن إيران طورت من خبرتها التصنيعية؛ رغم أنها ما تزال مضطرة لاستيراد بعض المكونات الأساسية لنظم الصواريخ الباليستية.
أنواع صواريخ الباليستية الإيرانية ومدى كل منها، (المصدر: بروكينغز)
· الثاني، المليشيات التابعة والموالية لها المتواجدة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وهذه المليشيات يمكن أن توسّع من جبهة الحرب من خلال حرب عصابات، بالإضافة لامتلاكها صواريخ إيرانية أيضا، وخاصة حزب الله ومليشيا الحشد الشعبي.
· الثالث، هو ضخامة حجم إيران وطبيعتها الجبلية مما يمنحها ميزة التحصن والتمويه عسكريا بما يجعل مهمة أكثر الأسلحة تقدما صعبة جدا، ويمكنها من استثمار مخزونها الصاروخي، وإن اضطرت قواتها البرية في حال وقوع حرب برية.
· الرابع، طول النفس، فالنظام الإيراني، وعبر أربعة عقود من الحصار والمحاربة الغربية، استطاع السيطرة على الشعب الإيراني لتحمل الأسوء، وبالتالي فإن امتداد الصدام العسكري لن يؤدي لسقوط النظام الإيراني، بقدر ما قد يوقع ترامب في مشاكل داخلية ودولية.
من المهم ذكر أن نظام صواريخ الدفاع الجوي الإيراني بحالة سيئة جدا، ورغم امتلاكها لمنظومة إس-300 الروسية، إلا أنها عاجزة تقريبا عن التصدي لتقنيات السلاح الجوي الأمريكي. وهذا كان واضحا في سهولة قيام إسرائيل بضربات جوية في سوريا، التي تمتلك نفس المنظومة[6].
9.1 القبة الصاروخية
يمتلك حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أنظمة صواريخ دفاعية أمريكية متطورة، في الخليج العربي وإسرائيل. وتعتبر القبة الصاروخية الدفاعية الإسرائيلية هي الأكثر كفاءة، بسبب حجم المنظومة مقارنة بمساحة إسرائيل الصغيرة، وأيضا بسبب بعد المسافة التي تمنحها ميزة تقنية لتتبع مسارات الصواريخ المهاجمة.
جنود إسرائيليون يسيرون قرب صواريخ باتريوت قرب مدينة سديروت (Yonatan Sindel/Flash90)
لكن المؤكد وفق تقديرات التقنيين والعسكريين، أن لا قبةً صاروخية تستطيع إسقاط كل الصواريخ المهاجمة، فهذا تقنيا صعب جدا وشبه مستحيل.
حسب صحيفة هآرتز الإسرائيلية، خلال الحرب الأخيرة بين حماس وإسرائيل، فإن “القبة الحديدية”، والمقصود مظلة منظومة صواريخ باتريوت، استطاعت إسقاط 240 صاروخا من أصل 690 صاروخا أطلقتهم حماس[7]، بغض النظر عن صحة الرقمين لكن نسبة الصواريخ التي يمكنها اختراق القبة الحديدية تبقى صحيحة، مهما كانت متقدمة تقنيا، ومهما كانت تقنية الصواريخ متواضعة نسبيا.
كما أن عدة تقديرات تؤكد أن مظلة صواريخ الباتريوت السعودية لم تنجح في إسقاط الصواريخ التي أطلقها الحوثيون، رغم إعلان السعودية إعلاميا أنها أسقطتهم كلهم[8].
10 المعادلة النهائية لاحتمالات المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية
لا بد هنا من التذكير بأن أحد الأسباب التي حدّت من حماس ترامب لضرب كوريا الشمالية، وهي أصغر من إيران بخمسة عشرة مرة لكنها أيضا ذات طبيعة جبلية معقدة، كانت تقديرات العسكريين الأمريكيين التي قدمت لترامب، والتي أجمعت على أن أي ضربة عسكرية لكوريا الشمالية تريد شلّ قدراتها الصاروخية بشكل شبه كامل، لمنعها من ضرب جيرانها كوريا الجنوبية واليابان، لا يمكن أن يتحقق دون استخدام القنابل النووية.
وفي الحال الإيرانية فإن أي مواجهة عسكرية بين الطرفين، وخاصة مع خطر تحول المواجهة المحدودة لمواجهة شاملة، وبما أن إيران جغرافيا أكبر بكثير من كوريا الشمالية، وتمتلك منظومة ضخمة من الصواريخ البالستية، ومحصنة بشكل جيد ضد الضربات التقليدية، فإن خيار الضربة المحدودة، مع ضمان التحكم بالتداعيات، وإبقاء الأضرار بين حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية ضمن الحد المقبول، خيار صعب جدا. بكل الأحوال بفرض أن المواجهة كانت محدودة، فإن الخسائر الأكبر ستقع على الجانب الإيراني، وهذا لا شك به بسبب التفوق الأمريكي العسكري، لكن خسائر دول الخليج العربي لن تكون قليلة بل ستكون كبيرة جدا.
وكلما توسعت المواجهة كلما ازدادت خسائر الطرفين، وخاصة الإيراني وحلفاء أمريكا. بحال التدهور لمواجهة شاملة، التي من غير المرجح أن تؤدي لسقوط النظام الإيراني، بل لتقويته شعبيا؛ فإن خسائر إيران ستكون كارثية على المستوى الإنساني والمادي، وكذلك خسائر حلفاء الإدارة الأمريكية في الخليج العربي، بالإضافة لخسائر كبيرة ستصيب إسرائيل أيضا، خاصة بين المدنيين؛ طبعا مع خسائر أمريكية لن تكون قليلة مهما بلغت القوة الأمريكية.
نقلا عن جابان تايمز The Japan Times
وهنا قد يظهر للسطح الخيار النووي التكتيكي من طرف الإدارة الأمريكية لتجنب احتمال وقوع خسائر أمريكية كبيرة. فإن تدهورت المواجهة لمواجهة واسعة، وترامب لا يملك أن يمدّ الحرب شهورا وربما سنينا، ولا يمكنه أيضا المجازفة بخسائر كبيرة، فسيكون خيار الضربة النووية التكتيكية قائما بقوة، خاصة إذا ما أصابت أحد ضربات إيران هدفا موجعا جدا للأمريكيين أو حلفائهم. مرة ثانية، هذا احتمال ضعيف بسبب ضعف احتمال حصول مواجهة عسكرية شاملة، لكنه قائم ومرئي عند الجميع من أصحاب القرار.
النظام الإيراني، مثل كل نظم المنطقة وخاصة حليفه النظام الأسدي، لا يأخذ في حساباته كمية الخسائر البشرية والمادية التي سيدفعها الشعب والاقتصاد والجيش الإيراني، مقابل محافظة النظام على سلطته وحكمه. فهذه النظم الديكتاتورية لم تكن تاريخيا ولن تكون ممن يحسبون حساب الشعوب. وبالواقع هذه الحسابات هي مصدر ثقة النظام الإيراني بنفسه في هذه المواجهة، أمام الحسابات الأمريكية التي لا تستطيع قبول خسائر كبيرة في الجانب الأمريكي والإسرائيلي، ولا خسائر كبيرة جدا عند حلفائها في الخليج العربي.
لعل هذه الحسابات هي التي جعلت القيادتين السعودية والإماراتية يخففان من لهجتهما التصعيدية، بعد أن شعرا أن الأمريكيين قد ينتقلون لمرحلة الجدّ، والمواجهة العسكرية، فعلى ما يبدو أنهما كانا يفضلان حرب الإعلام والحصار الاقتصادي، ولم يتخيلا أن التصريحات السياسية والإعلامية ستنتقل للجد.
11 إذا لماذا هذا التصعيد الخطير؟
العالم والصراعات الدولية لا تسير مثل الآلة وفق نظام وقوانين محددة، كما أن الصراع الجيوسياسي لا يتحرك وفق إرادة قوى سرية خفية كما يتوهم عشاق نظرية المؤامرة؛ وحتى أمريكيا لم يكن تاريخ الولايات المتحدة سلسلة من الانتصارات، بل واجهتها الكثير من النكسات داخليا وخارجيا، مثل أي دولة عظمى، وآخر هذه النكسات المباشرة كانت الأزمة المالية العالمية 2008، وأخطر التحديات التي تواجهها مع الغرب هو صعود الصين واقتصاديات الدول الصاعدة، التي تهدد زعامتها للعالم خلال القرن الحالي.
أسماء الدول المذكورة بالترتيب من الأمام: “إيران، إسرائيل، السعودية، تركيا، مصر، لبنان، سوريا، أوروبا، روسيا، الصين” (by Graeme MacKay, May 11, 2018)
يجمع الكثيرون من المحللين والسياسيين الأمريكيين، أن ترامب ليس رجل حرب، بل رجل مساومات ومقايضات، ومسكون بهاجس إرجاع كل الشركات الأمريكية لداخل أمريكا، وكذلك تقليص الوجود العسكري الأمريكي الدولي لحده الأدنى، وهو أيضا متردد جدا أمام المصاريف الضخمة لأي قرار من الناحية المادية. والأهم أنه يتبع سياسة الاستفزاز مع الدول الأخرى، سياسيا وعسكريا؛ فقد أصدر عدة مرات تصريحات استفزازية ضد الصين مثلا، وبعد أيام أصدر تصريحات مناقضة وعانق الرئيس الصين بحرارة؛ كذلك فعل مع بوتين، فمن ناحية منحه مصداقية أكثر من وكالات الأمن الأمريكي، ثم أصدر سلسلة عقوبات اقتصادية ضد روسيا؛ ونعود لمثال كوريا الشمالية[9]، والذي يشكل ربما دافعا أساسيا لترامب، فهو افترض أن نفس سياسة الوعيد والتخويف ستؤدي لكسر الجدار الجليدي مع إيران، وأنه سيستطيع عقد اتفاقية جديدة مع النظام الإيراني.
الواضح كما بينّا سابقا أن مؤجج التصعيد في طاقم ترامب هو مستشاره للأمن القومي جورج بولتون، ووزير خارجيته بومبيون، واللذان، وبالذات بولتون، يأمل بأن يحصل أي خطأ أو سوء تقدير، لفتح الجبهة العسكرية مع إيران. لكن لن يكون ذلك سهلا كما حصل في غزو العراق 2003.
12 إلى أين تسير المؤشرات حاليا؟
بغض النظر عن التصريحات السياسية الاستفزازية من كلا الطرفين، وعن الحرب الإعلامية، وعن الحماسيات الإيرانية الشعاراتية، فلا يوجد أي مؤشر حقيقي على اقتراب المواجهة العسكرية بين الطرفين، على الأقل بقرار من قبل أحد القيادتين.
لربما يكون تعليق ترامب، الذي نفى به قرار تحريك 120 ألف جندي أمريكي إلى الخليج، والذي أضاف إليه أنه لو أراد بدء الحرب فسيحرك جنودا أكثر بكثير، هو من أصدق التصريحات التي يرسلها ترامب. فأي مواجهة عسكرية مع إيران تستدعي، تقنيا وعسكريا ولوجسيتيا، حشدا عسكريا أكبر بكثير مما هو موجود الآن. وخارطة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة على الانترنت والتي توحي وكأن الأمريكيين يستطيعون البدء بالمواجهة العسكرية في ليلة وضحاها، هي خدعة إعلامية وليست مؤشرا موضوعيا كافيا.
إن بدأ الأمريكيون بإخلاء دول الخليج العربي والعراق من كل رعاياهم المدنيين، وتقليص وجودهم الديبلوماسي، فهذا قد يكون مؤشرا جديا على اقتراب المواجهة؛ لكن يلزمه أن نرى حشدا عسكريا يتجاوز الحشد العسكري في عام 2003، وهذا ما لا يلوح بالأفق حتى الآن، والبنتاغون الأمريكي لا يلمح حتى لذلك.
13 هل يمكن الوصول لتسوية سياسية؟
احتمالات التسوية السياسية بين الطرفين تبدو صعبة، فقد يكون ترامب أقل تشددا من بومبيون، ولن يشترط الشروط التعجيزية نفسها، لكنه على الأقل سيصر على إدخال منظومة صواريخ السكود وتطويرها في إيران إلى اتفاق الإطار النووي الذي وقعته إيران سابقا في 2015. ففي ذلك الاتفاق كانت الشروط الضابطة لنشاط إيران في تصنيع وتنمية نظامها الصاروخي ضعيفة جدا، ولا تكفي لضمان ألا تمتلك إيران صواريخ أكثر تطورا، قد تصل إلى مرحلة صواريخ عابرة للقارات. قد يكون هذه المطلب مقبولا من قبل الإيرانيين، لكنهم لن يتسرعوا في عقد أي اتفاق مع ترامب، خاصة وأن الانتخابات الرئاسية الأمريكية بعد سنة واحدة فقط.
وهنا تبرز مشكلة أخرى أقل حدة، فترامب ليس من أصحاب النفس الطويل مقارنة بأي سياسي أمريكي أو غير أمريكي، وهو ميّال للاستعراضات الإعلامية، ولا يمكنه مجاراة ما تعلمته إيران خلال العقود السابقة من الشد والرخي، والمماطلة والمناورة؛ لكن قد تكون هذه مناسبة ليتخلى ترامب عن تسرعه الذي اعتاده.
يبقى احتمال عدم الوصول لتسوية سياسية قائما، على الأقل حتى الانتخابات الرئاسية الأمريكية السنة القادمة، وهذا يعني استمرار الوضع كما هو عليه، حصار اقتصادي قاسي، وتواجد عسكري أكثر كثافة أمريكيا. لكن على الأقل سيضطر الأمريكيون للتغاضي عن بعض عمليات التهريب في تجارة النفط، فخيار التصدير الصفري غير وارد تقنيا، وإن حصل فهذا يعني أن النظام الإيراني سينتقل هو لاستفزاز الأمريكيين عسكريا.
لا بد هنا من التذكير باحتمال غير واضح الآن، وهو إن استمر الوضع كما هو عليه، وهو المرجح، وإن لم يجد ترامب قبيل انتخابات العام 2020 ضمانات كافية بانتصاره في تلك الانتخابات، فقد يميل لاستخدام ورقة إيران لحشد تأييد شعبي أمريكي خلفه. قد يجد أن شعبيته لا تكفي لضمان نتائج الانتخابات، وبالتالي فإن توترا عسكريا حقيقيا مع إيران قد يغيّر توجه الناخب الأمريكي نحو مرشح مثل ترامب، يقدم نفسه ككاوبوي يحمي الأمريكيين من الأعداء الخارجيين؛ كما حصل مع جورج بوش في انتخابات المرحلة الرئاسية الثانية له في 2004، حيث كان عامل الخوف من القاعدة عاملا مهما في فوزه بالانتخابات.
14 خاتمة
قد لا يتماشى هذا التحليل مع الموقف العاطفي لكثيرين في هذه المنطقة، لكن التاريخ والواقع يخبرنا أن القدرة على قراءة الواقع بكل مرارته أهم شرط للنجاح؛ والاستسلام لمنهج نظريات المؤامرة، ونشر شعارات الحماسيات الشعبوية، وترسيخ الأوهام حول أن أمريكا إله يستطيع فعل ما يريد، أو أن سبب كل الشر يقع فقط في حكام أو شعوب هذا البلد أو ذاك، يزيد من خطورة الأوضاع المتفجرة، لأنه يجعل عمل صناع القرار في الصراع السياسي أسهل، حيث يستطيعون توجيه الشارع أينما أرادوا.
يواجه النظام العالمي برمته حالة من الفوضى وعدم الاستقرار منذ بدايات الألفية الثالثة، فالأزمات الاقتصادية ما زالت تعصف به، وفي كل الدول هناك صعود للأصولية المتشددة، سواء الدينية أم القومية أم العرقية، والشعوب تعيش تحت ضغط سوق إعلامي متخم بالفوضى التجارية والأجندات السياسية، والقادة السياسيون يوجهون مدافعهم ضمن رؤى قصيرة النظر وأقرب للانفعالية، المدفوعة بخوف عميق من فقدان السلطة، في ظل غياب كبير للنخب الفكرية والإعلامية، سواء في الغرب أو الشرق؛ ولعل من سوء حظ هذه المنطقة من العالم على ضفاف الخليج العربي وشواطئ المتوسط الجنوبية أن تكون أول من يدفع ثمن كل هذا الجنون العالمي؛ خاصة وأن شعوب هذه المنطقة ما زالت خاضعة لأوهام أحمال التاريخ، ونظريات المؤامرة، وتفسيرات الطوائف والأعراق، وتائهة بين أقطاب الحروب الإعلامية، وغياب شبه كامل للنخب الفكرية، وسيطرة كبيرة لرجال الدين على الفضاء الإعلامي، وتعميم لمنهج تقسيم العالم إلى معسكرين “إما معنا أو ضدنا” وفق منهج بوش وترامب، أو إلى فسطاطين “دار سلام أو دار حرب” وفق منهج متعصبي الشيعة والسنة.
هذه المرحلة تشابه لحد كبير مرحلة الثلاثينات التي سادت العالم الغربي، وسببت الحرب العالمية الثانية؛ لكن الفرق الآن أن حالة الغليان تعم دولا أكثر بكثير، والإمكانيات العسكرية والتقنية أكثر تطورا وتدميرا، وصناع الرأي العام أكثر خضوعا لمتطلبات سوق الإعلام والسياسة، لذلك فإن هزة عنيفة في الخليج العربي ربما تؤدي إلى ما لا يمكن توقعه على المستوى العالمي وليس الإقليمي فقط.
حتى الآن تميل غالبية الإشارات والدلائل إلى أن خيار المواجهة المباشرة العسكرية مستبعد حاليا، وفق حقائق الواقع الجيوسياسي، وتجربة ترامب مع كوريا الشمالية، وبعيدا عن حماسيات الإعلام أو تفسيرات نظريات المؤامرة.
لكن هذا لا يعني استبعاد بقية الاحتمالات، ولا الخطورة العالية التي تسيطر على أجواء المنطقة كلها، والتي قد تنفجر بأية لحظة، وقد تؤدي لأزمات أكبر لا يمكن احتوائها، وقد تستتبع أزمات كارثية تتجاوز دول هذه المنطقة وشعوبها، بما في ذلك ضرب إيران نوويا.
20/05/2019
بيت السلام
[1] مقال – “أوروبا تحث بومبيون والولايات المتحدة على ضبط النفس تجاه إيران” – الغارديان
[2]تقرير – “لواء بريطاني يناقض الزعم الأمريكي حول زيادة التهديدات الإيرانية” – MSNBC
[3] دراسة – علاء الدين الخطيب – ” الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي” – بيت السلام – 11/05/2018
[4] مقال – بادي ريان – “روسيا والصين تراقبان إيران، وتنتظران” – سبيكتاتور
[5] مقال – “إذا كانت الولايات المتحدة ستذهب لحرب إيران، فإن المشتبه الأساسي سيكون نتنياهو” – هآرتز – 19/05/2019
[6] دراسة – معهد بروغينغز – آذار/مارس 2019
ROBERT EINHORN, VANN H. VAN DIEPEN – CONSTRAINING IRAN’S MISSILE CAPABILITIES
[7] وكالة التلغراف اليهودية – 07/05/2019
SAM SOKOL – 700 rockets, 240 intercepts, 4 dead Israelis: Is the Iron Dome getting worse?
[8] “صواريخ باتريوت مصنوعون في أمريكا، ويفشلون في كل مكان” – تقرير – فورين بوليسي – 28/03/2018
Patriot Missiles Are Made in America and Fail Everywhere
[9] دراسة – علاء الدين الخطيب – ” هل سينتصر كيم على دونالد في لعبة الحرب؟“ – شبكة جيرون – 14/07/2017
[10] علاء الدين الخطيب – ” الظاهرة الترامبية والردة الأصولية العالمية” – بيت السلام – 03/08/2018




















